هل يتجرّع خامنئي كأس السُّمّ؟

مدة القراءة 7 د

يتعاطى الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع إيران بسياسة “حافّة الهاوية”، وهي السّياسة التي كان يعتقدُ النّظام الإيرانيّ أنّه الأكثر احترافاً بها. يدفعُ ترامب نظامَ طهران شيئاً فشيئاً إلى أبعد من حافّة الهاوية. منذ جولة الـ12 يوماً في حزيران الماضي، كانَ الرّئيس الأميركيّ قد وضعَ إيران في مكانٍ بالغِ الخطورة على نظامها، مع خياراتٍ محدودة وقاسية لالتقاطِ طوق نجاة النّظام.

 

أثبتَ الرّئيس الأميركيّ باعتقال نظيره الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو من داخل غرفةِ نومه أنّه رجلُ أفعالٍ لا أقوال. وهذا ما حرصَ ترامب على إظهاره بعد اعتقال مادورو، وذلك بعدما خرجَ نائبه جي. دي. فانس ووزير خارجيّته ماركو روبيو إلى الإعلام ليُصرّحا بذلكَ، في رسالةٍ مُتعدّدة الاتّجاهات، كانت العاصمة الإيرانيّة طهران واحدة منها.

لكنّ الرّئيس الأميركيّ كانَ بالفعل قد أثبتَ لإيران منذ ما قبل اعتقال مادورو أنّه يُنفّذ ما يقول. وذلكَ بعد بدءِ الهجوم الإسرائيليّ عليها فجر الجُمعة 13 حزيران 2025 تزامناً مع انتهاء مهلة الـ60 يوماً التي منحها ترامب للإيرانيّين للتّوصّل إلى اتّفاق.

يتعاطى الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع إيران بسياسة “حافّة الهاوية”، وهي السّياسة التي كان يعتقدُ النّظام الإيرانيّ أنّه الأكثر احترافاً بها

ترامب يبعث ويتكوف.. ثمّ يوقفه!

لا يُنكر دونالد ترامب أنّه يريدُ اتّفاقاً مع إيران. لكنّه في الوقت عينه يُريدُ اتّفاقاً يشملُ تنازلات قاسية من النّظام الإيرانيّ. وهي تنازلات إن قدّمها النّظام على طريقة الإمام الخُميني بتجرّع كأس السّمّ، فلن تكونَ إلّا زلزالاً يصيبُ أساس النّظام.

في معلومات “أساس” أنّ الأيّام الماضية شهِدَت أكثر من تواصلٍ بين إيران والولايات المُتّحدة:

  • كانَ الأوّل بين وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي مع المبعوث الأميركيّ ستيفن ويتكوف، وجاءَ هذا التّواصل الذي كشفت عنه وسائل الإعلام الأميركيّة بعد عدّة محاولات من عراقجي لتقديم عرض استئناف المُفاوضات مع إيران، لكنّ ترامب كانَ قد وجّه مبعوثه إلى الشّرق الأوسط بعدم التّواصل مع الإيرانيّين مطلعَ العام.

عادَ عراقجي وتواصل مع ويتكوف واتّفقا على استئناف المُفاوضات النّوويّة قريباً. لكنّ ترامب صرّح بأنّه ألغى كلّ الاجتماعات المُحتملة مع الإيرانيّين إلى حينِ وقف قتل المُتظاهرين. وهذا يعني أنّ ترامب أضافَ شرطاً جديداً لاستئناف التّفاوض مع طهران، وهو وقف قتل المتظاهرين الذين بلغَ عدد الضّحايا منهم أكثر من 2,000 قتيل.

  • كانَ الثّاني عبر وزير الخارجيّة العُمانيّ بدر البوسعيدي الذي يقود اتّصالات بين الأميركيّين والإيرانيّين في محاولةٍ لاستئناف المفاوضات وخفضِ التصعيدِ، فدول مجلس التعاون الخليجيّ تحاول كبحَ جماح المواجهة القائمة بين الولايات المتّحدة وإيران، والتي لها تبعاتٍ كارثيّة على المنطقة برمّتها في حالِ تهاوى نظام طهران أو اندلعت مواجهة عسكريّة شاملة في المنطقة.

لا يُنكر دونالد ترامب أنّه يريدُ اتّفاقاً مع إيران. لكنّه في الوقت عينه يُريدُ اتّفاقاً يشملُ تنازلات قاسية من النّظام الإيرانيّ

بناءً على ما سلف باتَت السّيناريوهات المُتوقّعة كالآتي:

  • أن يأمر ترامب بتوجيه ضربات عسكريّة واسعة وخاطفة ضدّ مواقعَ عسكريّة وربّما مصالح اقتصاديّة للنظام الإيرانيّ، بعد انقطاع “أنبوبِ الأوكسجين” الماليّ من فنزويلّا بسقوط مادورو. هجمات كهذه، إن حصلَت، يريدُ منها ترامب أن تُجبِرَ إيران على تقديم تنازلات يسعى إليها مقابل الاتّفاق، وهي:
  • وقف كلّ أنشطة تخصيب اليوارنيوم على الأراضي الإيرانيّة وتفكيك جميع أجهزة الطّرد المركزيّ.
  • تدمير التّرسانة الصّاروخيّة الإيرانيّة وتحديدها بما لا يُهدّد أمن إسرائيل أو القواعد الأميركيّة في المنطقة.
  • وقف تمويل وتسليح الأذرع والوكلاء في لبنان وسوريا والعراق واليمَن.

هنا يجدر التّوقّف مليّاً عند اللقاء الذي جمع ويتكوف بوليّ عهدِ شاه إيران رضا بهلوي، والذي هو رسالةٌ أميركيّة واضحة مُفادها أنّ إدارة ترامب قد تمضي نحوَ قلبِ نظام الحُكم في طهران ما لم توافق إيران على الشّروط الأميركيّة.

  • أن يكونَ هجوم ترامب واسعاً وشاملاً، بما يضمن سقوطَ النّظام الإيرانيّ. لكنّ هجوماً كهذا قد يدفع إيران وما بقي من قوّة وكلائها في المنطقة إلى مواجهةٍ شاملة تكون لها انعكاسات وتداعيات على المنطقة برمّتها.
  • أن يُفاجئَ ترامب الإيرانيّين بخطوة “من خارج الصّندوق” كما حصلَ في فنزويلّا، بخاصّة أنّ الرئيس الأميركيّ يُصرّ على إظهار أنّ شخصيّتهِ غير مُتوقّعة ولا يُمكن التّنبّؤ بخطواتها. وقد يكونُ في هذا الإطار ما لمّح إليه سيّد البيت الأبيض من دعم في طريقهِ إلى المُتظاهرين الإيرانيّين.

منذ جولة الـ12 يوماً في حزيران الماضي، كانَ الرّئيس الأميركيّ قد وضعَ إيران في مكانٍ بالغِ الخطورة على نظامها، مع خياراتٍ محدودة وقاسية لالتقاطِ طوق نجاة النّظام

ما هي خيارات إيران؟

يُعاني النّظام الإيرانيّ منذ مرحلة ما بعد السّابع من أكتوبر/تشرين الأوّل وجولة الـ12 يوماً أزمةً استراتيجيّة. فقد خسرِت طهران أكثر أوراق قوّتها، وهي:

  • سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا وانسحاب إيران وفصائلها منها، فانهار مشروع “الهلال الشّيعيّ” الذي كانَ يصلُ سواحل البحر الأبيض المُتوسّط في لبنان بسواحل بحر قزوين مروراً بسوريا والعراق.
  • الخسارة الكُبرى التي تعرّضَ لها “الحزب” في لبنان بعد حرب الـ66 يوماً ومعركة “الإسناد” التي خسرَ فيها قسماً وازناً من قدرته العسكريّة، وخسرَ فيها أهمّ قياديّيه العسكريّين، وخسرت إيران نفسها باغتيال الأمين العامّ لـ”الحزبِ” السيّد حسن نصرالله.
  • وضع حركة حماس في قطاع غزّة، وخسارة إيران لأبرز وجوه قيادات الحركة المُنضوين تحت جناحها مثل يحيى ومحمّد السنوار وإسماعيل هنيّة ومحمّد الضيف وغيرهم.
  • الضّربة القاسية التي تعرّضَ لها البرنامج النّوويّ الإيرانيّ في الهجوم الإسرائيليّ على المنشآت، واغتيال العُلماء النوويّين، وهجوم ترامب على منشأتَي “فوردو” و”نطنز” لتخصيب اليورانيوم.
  • يُضاف إلى ما سلف الوضع الصّحّيّ وعُمر المُرشد علي خامنئيّ، وما يُحكى عن بدء الحديث في طهران عن مرحلة خلافته.

هذا يعني أنّ إيران التي كانت تُفاوض في مراحل ما بين 2006 (تاريخ حرب تمّوز في لبنان) وتوقيع الاتّفاق النوويّ في 2015، لم تعُد هي نفسها. إذ انتُزِعَت منها أوراق قوّتها، ولم يعد أمامها مجال للمناورة نوويّاً ولا عبر وكلائها. فدُرّةِ تاجها في لبنان، “الحزب”، وصلته تحذيرات جدّيّة مُفادها أنّ أيّ تدخّلٍ منه في حالِ حصولِ هجومٍ على إيران ستكون له عواقب وخيمة وسيُقابل بردٍّ إسرائيليّ غير مسبوق.

إقرأ أيضاً: من يُضرَب أوّلاً: “الحزب” وإيران… أم إسرائيل؟

من هذا المُنطلق تكون إيران أمام خيارَيْن:

  • تجرّع كأس السّمّ وتقديم التنازلات الكُبرى التي تُحوّل سلوكها إلى دولةٍ طبيعيّة تُواكب المرحلة الجديدة في المنطقة.
  • أن تذهب في المواجهةِ إلى خطّ النهاية من مُنطلق أنّها قد تقودُ إلى مفاوضات تكون إيران قد استجمعت ما تعتبره أوراق قوّة.

ماذا ستختار إيران؟ الجواب عند المُرشد علي خامنئي، الذي يكفي أن يطّلعَ المرءُ على خطبه ومؤلّفاته ليُدرِكَ أنّه ليسَ مؤسّسَ الجمهوريّة الإسلاميّة روْحُ الله الخُمينيّ الذي تجرّع كأس السّمّ لوقفِ حرب العراق.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

حكومة العهد الثّانية من دون أحزاب؟

لم يتلقّف حزب القوّات اللبنانيّة بارتياح مواقف رئيس الجمهوريّة جوزف عون، خلال مقابلته التلفزيونيّة الأخيرة، على الرغم من تظهيره موقفاً أكثر تقدّماً حيال ملفّ السلاح،…

مؤتمر دعم الجيش في الرياض وإسرائيل تلوّح بالفيتو على فرنسا

عادت اللجنة الخماسية إلى نشاطها مطلع هذا العام، في ورشة ستبدأ قريبًا للعمل على مؤتمر لدعم الجيش اللبناني. هذه الورشة ستنطلق مع وصول موفدين من…

همّ أوروبيّ – لبنانيّ مشترك: ماذا بعد “اليونيفيل”؟

على مسافة نحو عام من مغادرة آخر جنديّ من “اليونيفيل” لبنان، يبدو السؤال عمّا بعد قوّات الطوارئ الدوليّة همّاً مشتركاً أوروبيّاً ولبنانيّاً، في ظلّ ضغط…

التّفاوض “المدنيّ” يُستأنف بمشاركة فرنسيّة “ثابتة”

أثبتت تطوّرات وأحداث الأيّام الماضية تحرير الحكومة نفسها، كما قيادة الجيش ورئاسة الجمهوريّة، من أيّ مهل زمنيّة في ما يخصّ نزع سلاح “الحزب”، بما في…