فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

مدة القراءة 7 د

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما خارج قدرة المؤسّسات الفلسطينيّة على التنفيذ لأنّه لا يرتبط التنفيذ بالرغبة الفلسطينيّة وحدها، بل يعتمد بشكل كبير على دعم دوليّ وإقليميّ فعليّ على الأرض، وإلّا فستبقى الأجندة حبراً على ورق.

 

أعلن الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس مساء الخميس 8 كانون الثاني أنّ عام 2026 سيكون عام الديمقراطيّة الفلسطينيّة، مع جدول واضح لإجراء انتخابات الهيئات المحليّة في نيسان، ويليها المؤتمر الثامن لحركة فتح وانتخابات المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ، وصولاً إلى الانتخابات العامّة التي يُفترض أن تشمل غزّة والضفّة الغربيّة والقدس على أساس أنّها وحدة سياسيّة وجغرافيّة واحدة.

تفتقد السلطة الفلسطينيّة إلى الآن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الانتخابات، فهي حتّى الآن شعارات في الخطابات الإعلاميّة والسياسيّة، غير مرتبطة بجداول زمنيّة، وتواجه عراقيل كبرى، أبرزها الموافقة الإسرائيليّة على إجراء الانتخابات في القدس وغزّة، إضافة إلى الخلافات الداخليّة بين الفصائل الفلسطينيّة التي تعيق أيّ توافق على رؤية موحّدة.

تحدّيات اقتصاديّة وسياسيّة

بعيداً عن الانتخابات، تواجه السلطة الفلسطينيّة تحدّيات اقتصاديّة وسياسيّة ضخمة. أدّت الأزمة الماليّة المتفاقمة نتيجة احتجاز إسرائيل لأموال المقاصّة إلى عجز السلطة عن الوفاء بالتزاماتها، إضافة الى تراجع الاقتصاد الفلسطينيّ في كلّ مؤشّرات الإنتاج والبطالة.

أكّد عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، الدكتور أحمد مجدلاني لـ”أساس” أنّ التحدّي الرئيس للقيادة الفلسطينيّة هو إنهاء الحرب

يُضاف إلى ما سبق أنّ الواقع السياسيّ الداخليّ صعب. إذ لا تستطيع السلطة فرض سيادتها الكاملة على الضفّة الغربيّة بسبب السياسات الإسرائيليّة التي تشمل اقتحامات واعتقالات وتدميراً وتنفيذ مشاريع استيطانيّة ضخمة، كان آخرها المشروع الأخطر على الإطلاق المتمثّل بمشروع “E1″، بينما غزّة خارج نطاق إدارتها الفعليّة حتّى الآن.

يتمثّل التحدّي الأبرز للسلطة هذا العام في قطاع غزّة ومستقبله السياسيّ والإداريّ. إذ تسعى السلطة إلى استعادة إدارتها للقطاع لضمان استمراريّة مشروعها السياسيّ، لكنّ هذا مرتبط بشكل كامل بما سيقرّره اللاعبون الإقليميّون والدوليّون، بما في ذلك إسرائيل، إضافة إلى تعقيدات ملفّ المصالحة مع “حماس”.

السلطة الفلسطينية

تطمح السلطة الى المسارعة في تنفيذ المراحل الباقية من الخطّة الأميركيّة، التي بموجبها يتمّ إخراج حركة حماس من الحكم وتسليم سلاحها، بينما تخطّط السلطة لتقليل دورها السياسيّ عبر قانون الأحزاب الجديد الذي تعمل على تشريعه والذي سيفرض شروطاً على جميع الفصائل المعارضة، وسيضعف دورها ويحدّ من عملها.

في ضوء زحمة تلك الأجندة تتحرّك السلطة الفلسطينيّة سياسيّاً، عبر اللقاءات والاجتماعات التي تعقدها مع اللاعبين الفاعلين إقليميّاً ودوليّاً والتي كان آخرها اجتماع نائب رئيس السلطة الفلسطينيّة حسين الشيخ في رام الله يوم الجمعة الماضي مع المرشّح المتوقّع لمنصب منسّق مجلس السلام في غزّة، نيكولاي ملادينوف، لبحث آخر المستجدّات السياسيّة وسبل تنفيذ المرحلة الثانية من خطّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وقرار مجلس الأمن 2803.

يبقى السؤال الأهمّ عن مدى قدرة السلطة الفلسطينيّة على ترجمة هذه الأجندة الطموحة إلى واقع ملموس على الأرض

قدّم الشيخ لميلادينوف ملخّصاً عن الرؤية الفلسطينيّة للمرحلة المقبلة، وتتلخّص بضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من خطّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وقرار مجلس الأمن 2803 اللذين يشملان تثبيت وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات العاجلة إلى غزّة، انسحاب إسرائيل الكامل من القطاع، إنهاء حكم “حماس” وتسليم سلاحها وربط مؤسّسات غزّة بالسلطة الوطنيّة في الضفّة الغربيّة وفق مبدأ السلطة والقانون الواحد والسلاح الشرعيّ الواحد، مع قلق السلطة الفلسطينيّة من استمرار الإجراءات الإسرائيليّة الأحاديّة الجانب، بما في ذلك الاستيطان واعتداءات المستوطنين واحتجاز الأموال الفلسطينيّة. الأهمّ هو استعداد فلسطين للتعاون مع الإدارة الأميركيّة من أجل السلام والأمن والاستقرار إلى جانب إسرائيل وفق مبدأ حسن الجوار.

تحدّي إنهاء الحرب

بدوره، أكّد عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، الدكتور أحمد مجدلاني لـ”أساس” أنّ التحدّي الرئيس للقيادة الفلسطينيّة هو إنهاء الحرب على قطاع غزّة وتنفيذ قرار مجلس الأمن 2803 بالكامل، بما يضمن تطبيق المرحلة الانتقاليّة وفق جدولها الزمنيّ حتّى نهاية كانون الأوّل 2027، تمهيداً للمرحلة النهائيّة التي تؤدّي إلى وضع خريطة طريق وإطار سياسيّ يُنهي الاحتلال ويؤسّس الدولة الفلسطينيّة المستقلّة.

أشار مجدلاني إلى أنّ المرحلة الانتقاليّة تشمل إنهاء حكم حركة حماس في غزّة وتسليمها سلاحها، وإقامة حكومة ولجنة انتقاليّة ترتبط بالسلطة الفلسطينيّة، مع ضرورة موازاة ذلك لإجراءات وقف الاستيطان واعتداءات المستوطنين في الضفّة الغربيّة، وأضاف أنّ التحدّي الأكبر يكمن في الحفاظ على مكتسبات الشعب الفلسطينيّ ووحدة الأرض في الضفّة وغزّة والقدس الشرقيّة، إضافة إلى تأكيد الولاية السياسيّة والجغرافيّة والقانونيّة لدولة فلسطين وحكومتها على كامل الأرض الفلسطينيّة.

بعيداً عن الانتخابات، تواجه السلطة الفلسطينيّة تحدّيات اقتصاديّة وسياسيّة ضخمة

لفت مجدلاني إلى أنّ الأجندة تشمل أيضاً تحديث المؤسّسات السياسيّة والحكوميّة الفلسطينيّة عبر تطوير آليّات العمل وتنفيذ أجندة إصلاح إداريّ وماليّ، إصلاح مؤسّسات الأمن والقضاء، وتعزيز مبادئ الحكم الرشيد، إضافة إلى التحضير للانتخابات العامّة الرئاسيّة والتشريعيّة، إعلان دستور دولة فلسطين، وإصدار قانون الانتخابات الجديد وقانون الأحزاب، بما يسهم في تكريس الديمقراطيّة والتعدّديّة في الحياة السياسيّة والمجتمعيّة الفلسطينيّة.

شدّد على أنّ هذه الإصلاحات تشكّل الأساس للانتقال من مرحلة السلطة إلى مرحلة الدولة، مؤكّداً أنّها أجندة وطنيّة بحتة تستجيب للاحتياجات الوطنيّة وليست نتيجة ضغوط خارجيّة، ودعا المجتمع الدوليّ إلى دعم تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات في كلّ الأرض الفلسطينيّة، غزّة والقدس الشرقيّة والضفّة الغربيّة.

لفت مجدلاني إلى أنّ مؤتمر نيويورك على هامش اجتماع الأمم المتّحدة تبنّى الأجندة بالكامل، وأنّ الإدارة الأميركيّة تدعم الإصلاح السياسيّ الفلسطينيّ وتتحمّل مسؤوليّة إنجاز تطبيق قرار 2803 في غزّة، بما في ذلك المرحلة الانتقاليّة والسماح بالانتخابات العامّة.

الدّعم السّعوديّ ثابت

أكّد مجدلاني أنّ الدعم السعوديّ للأجندة الفلسطينيّة مستقلّ وثنائيّ، من دون الحاجة إلى موافقة أميركيّة أو غيرها، مشيراً إلى التنسيق المستمرّ بين القيادات الفلسطينيّة والسعوديّة، ورفض السعوديّة للتطبيع مع إسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينيّة، وتأكيد دعمها لحقّ الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره وإقامة دولته.

إقرأ يضاً: لقاء فلوريدا… وماذا أنتج؟

يبقى السؤال الأهمّ عن مدى قدرة السلطة الفلسطينيّة على ترجمة هذه الأجندة الطموحة إلى واقع ملموس على الأرض، في ظلّ العقبات الإسرائيليّة الداخليّة والخارجيّة، الخلافات الفلسطينيّة، والاعتماد على الدعم الدوليّ والإقليميّ. وبينما تحمل هذه الأجندة وعوداً بإجراء الانتخابات، تعزيز الديمقراطيّة، ووضع خارطة طريق لإنهاء الاحتلال، يرتبط نجاحها بتوافر إرادة سياسيّة داخليّة وخارجيّة قويّة لتحقيقها قبل انتهاء العام الجاري.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

تحرير حلب بداية تفكيك “قسد”

كانت معركة حلب أشبه باختبار حيّ لقوّة الحكومة السوريّة، التي تمكّنت وحدها ومن دون دعم أنقرة من تحرير منطقة حضريّة محصّنة بالأنفاق بسرعة ودقّة وبأقلّ…