خامنئي: الحوار انتهى… الكلمة للميدان!

مدة القراءة 7 د

لم يكن انهيار سعر صرف العملة الوطنيّة هو القشّة التي قصمت ظهر بعير النظام والحكومة في إيران، بل جاء نتيجة تراكم الأزمات الاقتصاديّة لسنوات طويلة، بفعل مجموعة من العوامل المتداخلة، التي لا تقتصر فقط على الآثار السلبيّة للعقوبات الاقتصاديّة التي فرضتها الإدارات الأميركيّة المتعاقبة، ولا سيما إدارة الرئيس دونالد ترامب، بل تمتدّ أيضاً إلى سلسلة طويلة من الفساد الماليّ والإداريّ، وسياسة الامتيازات الخاصّة التي مُنحت لطبقة ضيّقة من جماعات النظام.

تُضاف إلى ذلك سيطرة المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة غير الخاضعة للمساءلة على العصب الاقتصاديّ لإيران، واستئثارها بأكثر من 60 في المئة من مفاصل الاقتصاد، فتحوّل القطاع العامّ، الذي يُفترض أن تديره الدولة، إلى ما يشبه المزرعة الخاصّة، وأتاح نهباً منظّماً عبر عمليّات اختلاس وتهريب عملة ضخمة قُدّرت بمليارات الدولارات، على حساب القطاع الخاصّ ومعيشة المواطن الإيرانيّ ومصالحه. أسّس هذا المسار لانهيار اقتصاديّ متدرّج ورثته حكومة الرئيس الحاليّ مسعود بزشكيان.

 

شكّل البعد السياسيّ والطموحات الإقليميّة للنظام الإيرانيّ، وما رافقهما من أكلاف سياسيّة وبشريّة واقتصاديّة وسياديّة، عاملاً مركزيّاً في تراكم الغضب الشعبيّ. باتت شريحة واسعة من الإيرانيّين ترى أنّ التوظيفات الماليّة الضخمة في الأذرع الإقليميّة والاستثمار فيها جرت على حساب الداخل، وعلى حساب المطالب الشعبيّة المتّصلة بالعدالة الاجتماعيّة والظروف المعيشيّة واليوميّة، علاوة على ما أفضت إليه هذه السياسات من عزل إيران إقليميّاً ودوليّاً وإخضاعها لحصار اقتصاديّ وماليّ وتجاريّ أصاب لقمة العيش اليوميّة لكلّ فرد إيرانيّ.

استطاع النظام وأجهزة الدولة الفصل بين الحراك المطلبيّ الذي انطلق من تجّار البازار، وبين الجماعات التي ركبت موجته ورفعت شعارات سياسيّة تستهدف أصل النظام واستمراره

لا حلول فعليّة تهدّىء الشّارع

من التسرّع الحديث عن دخول النظام في مرحلة الانهيار أو السقوط، غير أنّ تقلّص الفواصل الزمنيّة بين موجات الحراك الاعتراضيّ يكشف حجم الأزمة الشعبيّة التي يعيشها النظام، ويفضح عجزه أو عدم قدرته على تقديم حلول فعليّة قادرة على تهدئة الشارع أو طمأنته. يترافق ذلك مع تصلّب واضح في موقف النظام ورفضه أيّ محاولات داخليّة رسميّة أو مطالب شعبيّة تهدف إلى إنهاء حالة العداء مع المجتمع الدوليّ، واعتماد سياسة الانفتاح والحوار والتسويات مع الإدارة الأميركيّة، بما يُخرج إيران من دائرة الخطر المتصاعد.

في مقابل التريّث في قراءة الحدث الإيراني، في المقابل، لا يمكن تجاوز مستوى التأزّم الذي وصلت إليه الأمور. النظام، أو منظومة السلطة، وتحديداً المرشد الأعلى، يقف اليوم أمام تحدٍّ وجوديّ يفرض البحث عن مخارج حقيقيّة وجدّيّة لمعالجة هذا التراكم من الغضب الشعبيّ، الرفض الواسع لسياسات الامتيازات، والصمت عن السرقات والاختلاسات والفساد الماليّ والإداريّ. يُضاف إلى ذلك ما كُشف عنه أخيراً من اختراقات أمنيّة واستخباريّة أصابت العصب الأساسيّ للنظام والدولة والمؤسّسة العسكريّة، وبرزت بوضوح خلال الهجوم الإسرائيليّ الذي وقع في حزيران 2025.

خروج المرشد مرّتين

المؤشّر اللافت الذي يفرض التوقّف عنده هو أنّ المرشد الأعلى دأب، تاريخيّاً، على التريّث في التدخّل المباشر في الأزمات الداخليّة التي تترافق مع حراك شعبيّ وتظاهرات ومواجهات في الشارع. كانت الاستراتيجية المعتمَدة تقوم على الظهور بعد تأكّد الأجهزة الأمنيّة من استعادة السيطرة وإنهاء الاعتراضات، ليُعلن موقفه وموقف النظام الرافض لأيّ تحرّك. لم تخرج الحرب الإسرائيليّة على إيران عن هذه القاعدة، باستثناء ما فرضته الخسائر الكبيرة في الجسمَين العسكريّ والأمنيّ وضرورات المواجهة من ظهور مبكر لإعادة ضبط الإيقاع وإصدار الأوامر، بصفته القائد الأعلى للقوّات المسلّحة وصاحب قرار الحرب والسلم في النظام.

غير أنّ حجم التحدّي الوجوديّ الذي يمثّله الحراك الحاليّ، ومعرفة المرشد لعمق الأزمة وتراكماتها التي دفعت الشارع إلى حافة الانفجار، فرضا عليه الخروج مرّتين قبل اتّضاح الصورة الكاملة للأحداث. وهو ما يعكس إدراكاً واضحاً لجدّيّة التهديد الذي يواجهه النظام، وأنّ المرحلة تستدعي اللجوء إلى إجراءات حاسمة تضع حدّاً لتطوّر هذه الاعتراضات، التي تجاوزت طابعها المطلبيّ لتستهدف أسس النظام ووجوده.

لم يكن انهيار سعر صرف العملة الوطنيّة هو القشّة التي قصمت ظهر بعير النظام والحكومة في إيران، بل جاء نتيجة تراكم الأزمات الاقتصاديّة لسنوات طويلة

جاء خطاب المرشد، بعد اليوم الأوّل من الدعوة العلنيّة التي أطلقها نجل الشاه السابق للشعب الإيراني إلى الخروج لإسقاط النظام، محمَّلاً برسائل واضحة إلى الداخل والخارج، مفادها أنّ النظام ومؤسّساته لن يتهاونوا في التصدّي لمثل هذه التحرّكات، التي وضعها في خانة أعمال الشغب والتخريب الممنهج، مع التأكيد أنّها تستهدف هذه المرّة الممتلكات العامّة والخاصّة العائدة للشعب، لا النظام وحده.

كان المرشد واضحاً في التعبير عن موقف النظام، معتبراً أنّ أيّ تنازل أمام الحراك الداخليّ أو الضغوط الأميركيّة يعني نهاية النظام وتهديد وجوده واستمراره. لذلك لم يتردّد في إسقاط المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان لفتح حوار حقيقيّ مع قطاعات البازار، التي خرجت إلى الشارع بمطالب محقّة احتجاجاً على الانهيار الاقتصاديّ الذي هدّد مصالحها ومصادر رزقها.

كان موقف المرشد وسقفه العالي وتصنيفه الحراك في خانة التآمر وتنفيذ الأجندات الأميركيّة والإسرائيليّة بمنزلة كلمة السرّ للأجهزة الأمنيّة ومؤسّسات الدولة للانتقال من مرحلة الصبر والحوار إلى مرحلة الحسم واستخدام القوّة والعنف في مواجهة التحرّكات والتظاهرات التي تشهدها المدن الإيرانيّة، مع توفير الغطاء الدينيّ والسياسيّ والرسميّ لذلك.

أمّا الهدف فهو منع الأمور من الانزلاق إلى مزيد من التصعيد والاتّساع والتجذّر، ولا سيما أنّ استمرارها يكرّس تدريجاً نجل الشاه المخلوع زعيماً رمزيّاً لدى شريحة من الإيرانيّين، وهو ما يشكّل تحدّياً عقائديّاً وأيديولوجيّاً ينسف الأسس التي قامت عليها الثورة قبل خمسة وأربعين عاماً ضدّ حكم الشاه والملكيّة، ويعني عمليّاً إعلان فشل النظام في كسب ثقة الشعب وتقديم نموذج مختلف عمّا ثار عليه.

 إقرأ أيضاً: آخر أيّام المرشد…

الفصل بين الحراكَيْن المطلبيّ والسّياسيّ

استطاع النظام وأجهزة الدولة الفصل بين الحراك المطلبيّ الذي انطلق من تجّار البازار، وبين الجماعات التي ركبت موجته ورفعت شعارات سياسيّة تستهدف أصل النظام واستمراره.

بذلك بات الطريق ممهَّداً أمام المرشد للانتقال إلى خيار الحسم والعمل على إنهاء هذا الحراك بالقوّة ومن دون مواربة، مع تأكيد عدم وجود أيّ مجال للحوار مع هذه الجماعات، وأنّ الردّ سيكون عبر القضاء على مصادر الخطر، ولا سيما في ظلّ ما يعتبره النظام دعماً أميركيّاً مباشراً وتدخّلاً وتوجيهاً من جهاز الموساد الإسرائيليّ لتحقيق أهداف فشلوا في تحقيقها عبر الحرب والحصار الاقتصاديّ.

يُضاف إلى ذلك دخول أحزاب انفصاليّة على خطّ الأزمة الحاليّة، سواء في المناطق الكرديّة غرب البلاد أو البلوشيّة شرقها، وانخراطها في مواجهات مفتوحة مع القوى الأمنيّة من شرطة وحرس الثورة، فارتفع منسوب التحدّي أمام النظام، ودفعه إلى اتّخاذ خطوات سريعة لاستعادة المبادرة وإحكام السيطرة على الشارع من جديد.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…