آخر أيّام المرشد…

مدة القراءة 4 د

لم تعُد إيران تعيش أزمة عابرة يمكن تطويقها بحزمة إجراءات ولا بتبديل وجوه. ما يجري اليوم هو لحظة افتضاح كاملة لنظام استنفد زمنه التاريخيّ، وبلغ حدّه الأقصى في إنتاج الأعذار، وبات عاجزاً عن إنتاج أيّ معنى سياسيّ مقنع لشعب أنهكته الشعارات أكثر ممّا أنهكته العقوبات.

 

من هنا، لا يمكن قراءة الاحتجاجات الراهنة بوصفها انفجاراً اجتماعيّاً فحسب، بل باعتبارها إعلاناً غير مباشر لنهاية نموذج المُحتضِن موقع المرشد نفسه. سبعة دولارات إضافيّة على الرواتب لمواجهة الانهيار المعيشيّ ليست رقماً اقتصاديّاً، بل وثيقة اعتراف صريح بأنّ السلطة لم تعد تملك أدوات إدارة الدولة، ولا حتّى الجرأة على الاعتراف بحجم الكارثة. حين تختصر دولة بحجم إيران غضب شعبها بهذا الرقم، فهي لا تسخر من فقره فقط، بل من صبره أيضاً.

ببساطة، لم يعد السؤال عن تحسين شروط العيش، بل عن جدوى استمرار منظومة تحكم باسم الدين وتفشل في توفير أبسط شروط الكرامة.

قبل هذا المشهد الداخليّ المتآكل، جاءت حرب الاثني عشر يوماً مع إسرائيل والولايات المتّحدة لتكسر صورة الردع التي طالما تغنّى بها النظام. لم تكن الضربات التي طالت القدرات النوويّة والصاروخيّة خسارة عسكريّة، بل ضربة رمزيّة قاسية لمفهوم “الحصانة”.

في حزيران 2024، وجد الإيرانيّ نفسه أمام حقيقة عارية تقول إنّ كلّ هذا الاستثمار في الجبهات الخارجيّة لم يحمِه من الانكشاف، ولم يمنح اقتصاده مناعة، ولم يكفل له مستقبلاً.

لم تعد السلطة تبحث عن إصلاح حقيقيّ، بل عن إدارة انتقال مؤجّل بأقلّ كلفة ممكنة

المرشد الأخير

هذه المشهديّة تسهّل على أيّ مراقب القول إنّ السيّد علي خامنئي هو المرشد الدينيّ الأخير لإيران، وهذا أقرب إلى توصيف واقعيّ منه إلى تمنٍّ سياسيّ، لأنّ المسألة لم تعد مرتبطة بعمر الرجل أو بصحّته فقط، بل بانهيار الوظيفة التاريخيّة للمرشد، وهي المرجعيّة الجامعة. بدأ هذا الإدراك يتسلّل إلى داخل النظام نفسه منذ مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي، اللحظة التي بدا فيها الفراغ أوضح من أيّ وقت مضى، فسرى حينها التداول الهادئ، وإن غير العلنيّ، لسؤال ما بعد المرشد وجدوى استمرار الحكم الدينيّ أصلاً.

بزشكيان: من حامل مشروع إلى أداة تهدئة

جاء فوز مسعود بزشكيان بالرئاسة على وقع هذا التصدّع، إذ خاض الرجل حملته بخطاب إصلاحيّ واضح وخاطب جمهوراً متعطّشاً لأيّ نافذة أمل وراكم توقّعات تجاوزت شخصه. لكنّه ما إن اقترب من لحظة التنصيب حتّى تبدّل الخطاب، وانخفض السقف، وتحوّل الرجل من حامل مشروع إلى أداة تهدئة. لم يكن هذا التحوّل ناتجاً عن مراجعة فكريّة، بل عن وظيفة سياسيّة محدّدة قوامها شراء الوقت للمرشد وتأجيل الانفجار ومنح النظام هامش تنفّسٍ إضافيّاً.

لم يكن إحباط القاعدة الإصلاحيّة خطأً في التقدير، بل جزء من الحسابات. لم تعد السلطة تبحث عن إصلاح حقيقيّ، بل عن إدارة انتقال مؤجّل بأقلّ كلفة ممكنة، فلم يُسمح بأن يكون جسراً إلى تغيير، بل حارس مؤقّت للاستقرار الهش. فجأة بات هذا الاستقرار نفسه هشّاً إلى درجة فقدان المعنى لأنّ الشارع الإيرانيّ تجاوز مرحلة انتظار الخطاب، وبدأ يطالب بتغيير البنية لا الوجوه.

لا تبدو التسريبات عن احتمال انتقال المرشد إلى موسكو شائعات عابرة وحسب. سواء كانت دقيقة أو مُضخّمة، تؤدّي وظيفة سياسيّة واضحة

الهروب إلى موسكو؟

في هذا المناخ، لا تبدو التسريبات عن احتمال انتقال المرشد إلى موسكو شائعات عابرة وحسب. سواء كانت دقيقة أو مُضخّمة، تؤدّي وظيفة سياسيّة واضحة هدفها تهيئة الذهن العامّ لفكرة غياب المرشد، وأسهل الأدوات لذلك كان ترويج الحديث عن خشيته من عمليّة أميركيّة شبيهة بمحاولة اختطاف مادورو، وهو ما يكشف حجم القلق داخل النظام من لحظة الانفلات وفقدان السيطرة على شكل الخروج.

يدرك الحرس الثوريّ والدولة العميقة أنّ المشكلة ليست في الغياب بل في مشهده.

لذلك يُرجّح أن يكون أيّ انتقال محتمل مغلّفاً بسبب صحّيّ أو “ظرف إيرانيّ غامض” كما جرت العادة، حفاظاً على الحدّ الأدنى من التماسك، وتمهيداً لتحويل النظام تدريجاً من حكم دينيّ مباشر إلى صيغة سياسيّة أقلّ فجاجة، ولو شكليّاً.

ما ضاع على الإيرانيّين ليس سنوات فقط، بل أعصاب كاملة وأجيال عاشت على وعود تآكلت. الشعارات الكبيرة التي رُفعت باسم الثورة والاستقلال انتهت إلى اقتصاد منهار ونظام مرتبك وشعب لم يعد يصدّق.

إقرأ أيضاً: من حقّ الإيرانيّين أن ينعموا بالحياة

قد يكون المرشد في طريقه إلى الخروج، لكنّ الخسارة الكبرى هي الزمن الإيرانيّ الذي أُهدر في خطاب فارغ سينتهي بأصحابه، فيما يبقى الشعب وحده أمام مهمّة شاقّة تتمثّل بإعادة بناء واقع ومنطق وعقل بعد سقوط الأسطورة.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…