الاعتقاد الذي ساد لدى الفرس، على مرّ العصور، أنّ العرب أقلّ منهم ذكاءً وشأناً وانتماءً للحضارة. لا يغفرون للفتح العربيّ الإسلاميّ تدمير الإمبراطوريّة الساسانيّة، وهي الإمبراطوريّة الفارسيّة الثانية التي يعتزّون بها وبإسهامها في العلوم والفنون والإدارة والعمران، لكنّ هذا الاعتقاد لا ينسجم مع المشهد الراهن في المنطقة.
بينما تتناقل وكالات الأنباء العالميّة أنباء الاضطرابات التي تعمّ طهران، وسائر المدن الإيرانيّة، بسبب الفوضى والجوع والعطش وانعدام الخدمات، تتركّز الأنظار على التقدّم الاقتصاديّ الذي تحرزه المملكة العربيّة السعوديّة ومواكبتها لأحدث مجالات العلوم والتكنولوجيا. نوّه البيان الختاميّ الأخير لبعثة صندوق النقد الدوليّ باقتصاد المملكة لأنّه أثبت قدرته على الصمود بقوّة في مواجهة الصدمات، إذ تُواصل الأنشطة الاقتصاديّة غير النفطيّة نموّها، فيما التضخّم تحت السيطرة ومعدّلات البطالة تسجّل انخفاضاً غير مسبوق.
عزا الصندوق هذه النتائج إلى نجاح خطّة وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان الاقتصاديّة، خطّة 20/30. عام 2024، سجّل إجمالي الناتج المحلّيّ الحقيقيّ غير النفطيّ نموّاً بلغ 4.2%، مدفوعاً في المقام الأوّل بالاستهلاك الخاصّ والاستثمار الخاصّ غير النفطيّ، في حين كانت قطاعات تجارة التجزئة والضيافة والبناء في طليعة محرّكات النموّ الخاصّ والاستثمار.
الشّعب ضحيّة النّظام
الشعب الإيرانيّ اليوم هو ضحيّة الأحلام والطموحات الجامحة لقيادته السياسيّة الدينيّة التي كرّست طاقتها لتصدير الثورة بدل إعطاء الأولويّة لتقدّم إيران ورفاه شعبها، وهو ما ورّطها في حروب ومعارك مع القوى الدوليّة والإقليميّة. بالغ نظام الملالي منذ تأسيسه على يد الإمام الخميني في تقدير قوّته وفهم حدود إمكاناته، ليس في منطقة الشرق الأوسط وحدها، بل في العديد من الساحات الدوليّة، فأقحم نفسه في مواجهات وصراعات لا طاقة له على الانتصار فيها.
تتلخّص أهداف إيران الاستراتيجيّة بالحفاظ على نظام “ولاية الفقيه”، حمايته من أعدائه الداخليّين والخارجيّين
شكّلت الموازنة التي تقدّمت بها حكومة الرئيس مسعود بزشكيان إشارة الانطلاق للاحتجاجات الشعبيّة غير المسبوقة، تقريباً. إزاء انخفاض إيرادات النفط بسبب العقوبات القاسية التي يتعرّض لها قطاع النفط الإيرانيّ، لجأت الحكومة إلى زيادة الضرائب لتمويل النفقات، وإلى طبع النقد.

أضاف ذلك ضغوطاً إلى الضغوط التي يعاني منها الإيرانيّون بعدما تجاوز معدّل التضخّم 40% وشهدت أسعار الاستهلاك ارتفاعاً قياسيّاً، فتآكلت الطبقة الوسطى وزادت معدّلات الفقر، وانهارت العملة المحلّيّة انهياراً غير مسبوق وصل إلى مستويات تدنٍّ تاريخيّة في السوق الموازية، مع القيود على التحويلات المصرفيّة والنقص الحادّ في العملات الأجنبيّة.
منذ قيام نظام الملالي، تدور إيران في هذه الحلقة المفرغة التي تنطلق من استراتيجية تصدير الثورة. هدفها الأوّل هو أن تبني في محيطها الإقليميّ إمبراطوريّة فارسيّة مستخدِمة ولاء الطوائف لها في العراق ولبنان واليمن وبعض دول الخليج لتجنيده في خدمة مشروعها. تقوم استراتيجية إيران على بنيان مثلّث الأضلاع: تفتيت المنطقة، صناعة الصواريخ البالستيّة والوقوف على حافّة صناعة القنبلة النوويّة.
بتعبير آخر، تتلخّص أهداف إيران الاستراتيجيّة بالحفاظ على نظام “ولاية الفقيه”، حمايته من أعدائه الداخليّين والخارجيّين، وجعل إيران القوّة المهيمنة في الشرق الأوسط وتقليص النفوذ الأميركيّ على وجه الخصوص.
فقر وجوع وعزلة
لكنّ الشعب الإيرانيّ لم يجنِ من هذه السياسة إلّا الفقر والجوع والعزلة والعقوبات المشدَّدة وحرمان الإيرانيّين من التمتّع بالثروات التي تختزنها أرض بلادهم.
يكون حلّ المشكلة الإيرانيّة، ومعظم مشاكل المنطقة، بتخلّي النظام عن مشروع إعادة بناء الإمبراطوريّة الفارسيّة والعودة إلى العقل والحكمة والسلام، والاهتمام باستغلال الثروات الإيرانيّة لمصلحة شعب إيران.
إقرأ أيضاً: تداعيات تدجين فنزويلّا… على “الجمهوريّة الإسلاميّة”
الإيرانيّون شعبٌ عظيمٌ، وهو يتوارث حضارات مضيئة في تاريخ العالم ومن حقّه أن يتمتّع بالرفاهية التي يستحقّها، وأن يتخلّص من نظام يبيعه الأحلام المستحيلة ويحارب، كلّ الوقت، طواحين الهواء.
