الغَلَبة المطلقة… “دوكترين” ترامب في النّظام العالميّ الجديد

مدة القراءة 6 د

“اعتقلنا نيكولاس مادورو ونحن من سيحكم فنزويلّا”. تلخّص عبارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب هذه مرحلةً جديدةً من السياسة الدوليّة تنتهك فيها القوّة الأميركيّة حدود السيادة الوطنيّة، فيما يفتقر المجتمع الدوليّ إلى أدواتٍ فعّالةٍ لردعها.

 

ليست القرصنة الأميركيّة الأخيرة في قصر الرئاسة بكراكاس عمليّة “اختطاف رئيس” عبر تحرّك عسكريّ بغطاء سياسيّ وحسب، بل هي تجسيد عمليّ لما يمكن تسميته “دوكترين” الغَلَبة المطلقة التي تُجلس الولايات المتّحدة فوق القوانين والمواثيق الدوليّة.

يترك ترامب العالم أمام معادلة “قانون القوّة بدلاً من قوّة القانون”، وهي معادلة ليست جديدة تاريخيّاً. يمثّل استهداف قلب فنزويلّا انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنيّة، لكنّه يكشف أيضاً عن تحوّل في منطق يجمع بين القوّة العسكرية، النفوذ السياسيّ والضغط الاقتصاديّ في استراتيجية واحدة لإعادة رسم النظام الدوليّ وفق إرادة أميركيّة.

الهدف في اتّجاهين

ليس مادورو رئيس دولة فقط، بل رمز لمشروع سياسيّ أوسع، “الاشتراكيّة البوليفاريّة” التي ورثها عن هوغو شافيز. لم تنظر الولايات المتّحدة إلى شخصه، بل إلى التهديد الذي يمثلّه نموذج متمرّد يمتدّ في نصف الكرة الغربيّ ويشمل فنزويلّا وكوبا ونيكاراغوا وأجزاء من كولومبيا. كانت الاتّهامات بالمخدّرات والإرهاب واجهة قانونيّة لتبرير التدخّل، لكنّ الهدف الحقيقيّ يتقدّم في اتّجاهين:

1- سياسيّاً واقتصاديّاً نحو إخضاع فنزويلّا للنفوذ الأميركيّ والسيطرة على مواردها الاستراتيجيّة: النفط والمعادن النادرة مثل الذهب والنحاس.

2-استراتيجيّاً نحو إعلان ميثاق دوليّ جديد من صناعة أميركا يتمّ الكشف عن تفاصيله بالتدرّج.

تكشف العمليّة الأميركيّة الأخيرة عن استراتيجية للضغط على الخصوم والمنافسين عبر خلق حالة من التخويف والردع الاستباقيّ

لا تعرف سياسة ترامب التردّد، فهي تقوم على فرض إرادة القوّة دون مواجهة شاملة، تاركة للعالم خياراً وحيداً: التكيّف مع قواعد اللعبة الجديدة أو مواجهة تداعيات الغضب الأميركيّ. وهذا ما يروق لنتنياهو أيضاً الذي سارع إلى تبنّي العمليّة الأميركيّة.

ليس جديداً الاستهدافُ الأميركيّ لرؤساء الدول من منظور تاريخيّ. سبق أن فعلت واشنطن ذلك مع نورييغا في باناما عام 1989 وصدّام حسين في العراق عام 2003. يمثّل مادورو اليوم سيناريو لمسرحيّة يعاد عرضها: تحالف أو قيادة مستقلّة تتحوّل إلى عقبة، فتُلفّق قضيّة قانونيّة أو ملفّ جنائيّ للخصم، ويلي ذلك تدخّلٌ عسكريّ – أمنيّ مباشر، ثمّ مساءلة ضمن القانون الأميركيّ. يؤكّد هذا النموذج أنّ ما تفعله واشنطن لم يعد استثناءً، بل سياسة ثابتة تهدف لإعادة رسم نطاق السيادة وفق مصالح الولايات المتّحدة.

تمنح أجواء الداخل الفنزويلّيّ ترامب الفرص التي يبحث عنها: القمع السياسيّ والحزبيّ، الهجرة الجماعيّة وتضييق الحرّيات. تعطي جميعها الولايات المتّحدة تبريرات إضافيّة لتحقيق أهدافها. هكذا يتحوّل مادورو شخصيّاً إلى ضحيّة المشروع الذي يمثّله، ويدفع الثمن لوحده.

التّخويف والرّدع الاستباقيّ

تكشف العمليّة الأميركيّة الأخيرة عن استراتيجية للضغط على الخصوم والمنافسين عبر خلق حالة من التخويف والردع الاستباقيّ، ليس فقط تجاه مادورو، بل تجاه حلفائه وشركائه في الكاريبي مثل كوبا وباناما، وأيضاً روسيا والصين وإيران. الخوف المتولِّد عن العمليّة العسكريّة هو جزء من استراتيجية القوّة الأميركيّة، التي تجعل السيطرة على القرار السياسيّ والموارد الاقتصاديّة أداة لتثبيت الهيمنة دون الحاجة إلى مواجهة مفتوحة.

لا تعرف سياسة ترامب التردّد، فهي تقوم على فرض إرادة القوّة دون مواجهة شاملة، تاركة للعالم خياراً وحيداً

بهذا المعنى، ما يفعله ترامب في فنزويلّا هو إعادة إنتاج لسياسات أميركيّة سابقة قامت على مساءلة ومحاسبة المجتمع الدوليّ منذ انتهاء الحرب العالميّة الأولى، وصولاً إلى كسر نهج الانزواء والترقّب، كما كان الحال مع التحرّكات الكبرى مثل إنزال النورماندي في مطلع الأربعينيّات، حيث لم تعد القوّة أداة دفاعيّة وحسب، بل مرجعيّة تحدّد قواعد اللعبة الدوليّة لتعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات تحت سقف نظام أحاديّ القطبيّة، ومن دون مسوّغات قانونيّة أو أخلاقيّة.

ترامب

تُظهر العمليّة الأميركيّة ضدّ مادورو تطبيق الغَلَبة المطلقة لا الحسم العابر، إذ تُفرض إرادة القوّة بشكل شامل ومستدام على النظام الدوليّ. لم يعد القانون الدوليّ قادراً على حماية الدول الصغيرة أمام القوى الكبرى، حتّى إذا كانت لديها شرعيّة انتخابيّة واضحة. تُستخدم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان تكتيكيّاً، وغالباً ما تُتَجاهل عندما تتعارض مع مصالح الكبار.

بإيجاز، الموارد الاستراتيجيّة هي قلب الصراع: النفط، أكبر احتياط عالميّ، هو هدفٌ لإعادة الهيمنة الأميركيّة واستعادة الشركات الأجنبيّة. الذهب والمعادن النادرة ضروريّة للتحوّل “الطاقويّ” والتكنولوجيا الحديثة، والسيطرة عليها تعني تفوّقاً استراتيجيّاً طويل الأمد.

من سينتقم لمادورو في نظام دوليّ كهذا؟

في النظام الدوليّ المعاصر، لا يُطرح سؤال “الانتقام” بمعناه المباشر، بل يُستبدل بسؤال المساءلة والمحاسبة. من هذه الزاوية، تبدو الخيارات محدودة: تملك الأمم المتّحدة أدوات قانونيّة وإجرائيّة، لكنّها تفتقر إلى أدوات التنفيذ. يملك حلفاء مادورو هامش الدعم السياسيّ والدبلوماسيّة، لكنّهم يتجنّبون المواجهة المباشرة مع واشنطن. لذلك لن يجد مادورو من يردّ له الضربة، حتّى لو كانت العبارة التي نردّدها تقول إنّ مَن يُستهدف اليوم قد لا يُنقَذ، إلّا أنّ استهدافه يُراكم توتّراً مكتوماً في النظام الدوليّ.

يترك ترامب العالم أمام معادلة “قانون القوّة بدلاً من قوّة القانون”، وهي معادلة ليست جديدة تاريخيّاً

تكشف عمليّة مادورو أنّ الحدود التقليديّة للشرعيّة يمكن تجاوزها عبر تفسيرات سياسيّة وأمنيّة مصحوبة بسلاح القوّة، وهو ما يفتح باب النقاش على أسئلة من نوع: من يقرّر حدود استخدام القوّة؟ ما دور المجتمع الدوليّ عند استهداف دولة ذات سيادة على هذا النحو، واستخدام القوّة السياسيّة والتنفيذيّة أداة رئيسة لتغيير الواقع بالقوّة؟

المجتمع الدوليّ عاجز عن الردّ الفوريّ، والمبرّرات القانونيّة والسياسيّة تُستعمل غطاء لإرادة القوّة. هل يعيدنا ما يجري عقوداً طويلة إلى الوراء ويذكّرنا بمبدأ مونرو مثلاً؟

لم تعد الغَلَبة المطلقة مفهوماً فقط، بل أصبحت قاعدة عمليّة في السياسة الأميركيّة، وما حدث في فنزويلّا يُظهر أنّها باتت اليوم نموذجاً حيّاً: القوّة التنفيذية تفرض سيطرتها على الموارد والتحالفات، وتحدّد قواعد اللعبة التي سيضطرّ العالم إلى التعامل معها.

إقرأ أيضاً: القوّة الأميركيّة المطلقة ومصائر النّظام الدّوليّ!

الرسالة واضحة: من يعارض الولايات المتّحدة، حتّى من ضمن سيادته، قد يصبح هدفاً مباشراً. يُظهر السيناريو الفنزويلّيّ أنّ النظام الدوليّ يستسلم أمام إرادة القوّة، فلم تعد سيادة الدولة أو حصانة رئيسها تعني الكثير. تلخّص العمليّة مرحلة تحوّل جذريّ في النظام العالميّ تجعل العالم أمام معضلة واضحة: التكيّف مع إرادة الولايات المتّحدة أو مواجهة العواقب.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

الزيارة الإيرانيّة والزيارات الإسرائيليّة “الجديّة”

لم تصحّ التوقّعات التي راهنت على منح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، على الرغم من الإيجابيّة النسبيّة التي عكستها التصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة بشأن تحرّكات الجيش في…

رسائل عراقجي من بيروت: تفادي الحرب بالتّحضير لها

“نحن جاهزون للتفاوض”، قالها وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي قبل انتهاء زيارته لبيروت وعودته بعد ساعات إلى طهران حيث يستقبل نظيره العُمانيّ، الوسيط مع أميركا،…

إيران لا تسقط من فوق

مع أنّه لا صلةَ مباشرة بين الحدثين، تقارب زمنيّاً اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو مع تصاعد واتّساع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران. لم يستفِق الرئيس الأميركيّ…

الانتفاضة الإيرانيّة تطعن قلب الشّرعيّة الثّوريّة

تعود إيران إلى واجهة الاهتمام مع انتفاضة تبدو مختلفة في عمقها ودلالاتها عمّا سبقها، ليس فقط باتّساع رقعتها الاجتماعيّة، بل باستهدافها المباشر لمرتكزات الشرعيّة الثوريّة…