بزشكيان ينفض يديه من الأزمة الدّاخليّة: لا أستطيع شيئاً!

مدة القراءة 6 د

تتصاعد حركة الاحتجاجات في العاصمة الإيرانيّة على خلفيّة ارتفاع سعر الدولار وتردّي الأوضاع الاقتصاديّة التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، إضافة إلى النقص المستمرّ في الطاقة والمياه. لكن لو فكّر الإيرانيّون في التطلّع إلى الرئيس لإيجاد حلول، لكان أوّل من يقول لهم: لا تُرهقوا أنفسكم.

قال الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان أمام البرلمان مع بدء النوّاب مناقشة مشروع الموازنة للسنة الإيرانيّة التي تبدأ في 21 آذار: “في ظلّ تراجع العملة وارتفاع تكاليف المعيشة، عندما يعاني الناس في معيشتهم، لا يمكن الحكم. يقولون: ارفعوا الأجور، فليخبرني أحد من أين آتي بالمال؟”.

 

في رأي مديرة مكتب الأمم المتّحدة فرناز فصيحي، في كلام لها لصحيفة “نيويورك تايمز”، يبدو أنّ الرئيس مسعود بزشكيان قد استسلم للأمر الواقع في ظلّ التضخّم الجامح، وانقطاع المياه والطاقة، وتضاؤل فرص التوصّل إلى اتّفاق مع الولايات المتّحدة. تستعيد فصيحي قوله في سلسلة من الخطابات العامّة أمام طلّاب الجامعات والأكاديميّين في أوائل كانون الأوّل الماضي، إنّ إيران تواجه مشاكل مستعصية، وإنّه لم تعد لديه أيّ أفكار لحلّها، مضيفاً: “إذا كان بإمكان أيّ شخص أن يفعل شيئاً، فليفعل ذلك بالتأكيد. أنا لا أستطيع فعل أيّ شيء، فلا تلعنوني”.

الحكومة عالقة

انتشرت مقاطع فيديو لخطابات بزشكيان على نطاق واسع عبر الإنترنت وفي وسائل الإعلام الإيرانيّة. في اجتماعات مع مسؤولين، أقرّ بأنّ الحكومة “عالقة، عالقة بشدّة”. ذهب إلى حدّ القول إنّ مشاكل إيران من صنع أيديها، نتيجة الفساد والصراعات الفصائليّة وعقود من ممارسات الإنفاق الحكوميّ التي وصفها بأنّها “ما يفعله المجانين”، وليست خطأ الولايات المتّحدة أو إسرائيل. وقال في عدّة اجتماعات، بما في ذلك اجتماعه مع الطلّاب: “المشكلة تكمن فينا”.

لا يزال خامنئي يدعم الرئيس، الذي بقيت له ثلاث سنوات من ولايته. أشاد ببزشكيان، ووصفه بأنّه “شريف” و”مجتهد”

تشير فصيحي إلى أنّ بزشكيان طلب أخيراً من حكّام الأقاليم والمسؤولين المحلّيّين أن يتخيّلوا أنّ الحكومة المركزيّة “غير موجودة”، وأن “يحلّوا مشاكلهم بأنفسهم”، متسائلاً: “لماذا عليّ أن أحلّها؟ يجب أن لا تعتقدوا أنّ الرئيس قادر على صنع المعجزات”.

وفقاً لمسؤولين إيرانيَّين يعملان في حكومته، وعضوين من الفصيل المحافظ المنافس، أعرب بعض حلفاء بزشكيان ومنافسيه، في أحاديث خاصّة، عن استيائهم من تعليقاته المستمرّة، معتبرين أنّها تُظهر الحكومة بمظهر الضعيفة وغير الكفوءة في وقت حاسم تمرّ به البلاد. في المقابل، طالب المحافظون بزشكيان بالاستقالة. توجّه كامران غضنفري، عضو البرلمان المحافظ المتشدّد، في برنامج حواريّ تلفزيونيّ الشهر الماضي، إلى بزشكيان سائلاً: “لماذا أصبحت رئيساً؟ المفترض بكم حلّ مشاكل المجتمع لا أن تتجوّلوا وتقولوا: لا نملك هذا ولا نملك ذاك”.

بزشكيان يكشف الوقائع

يستطيع الرئيس في النظام السياسيّ الإيرانيّ التأثير إلى حدّ ما في السياسات الخارجيّة والداخليّة، لكنّ المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، يملك الكلمة الفصل في جميع شؤون الدولة الرئيسة. نادراً ما اعترف الرؤساء السابقون بتقييدهم من قِبل النظام، لكنّ بزشكيان ليس من بينهم، بحسب فصيحي. لا يتردّد في التصريح علناً بخضوعه لخامنئي في قضايا السياسة الخارجيّة الشائكة، مثل حلّ الأزمة النوويّة مع الولايات المتّحدة. وأعلن صراحة أنّه لم يُسمح له برفع القيود المفروضة على تطبيقات التواصل الاجتماعي الشائعة، مثل “إنستغرام”، التي بات بإمكان الإيرانيّين الوصول إليها عبر الشبكات الافتراضيّة الخاصّة، على الرغم من وعوده السابقة.

 أعرب بعض حلفاء بزشكيان ومنافسيه، في أحاديث خاصّة، عن استيائهم من تعليقاته المستمرّة

تنقل فصيحي عن محمّد علي أبطحي، نائب الرئيس السابق والسياسيّ الإصلاحيّ، إشادته ببزشكيان لعدم تجميله للواقع. قال في مقابلة هاتفيّة: “إنّ فكرة التحدّث بصدق مع الجمهور ظاهرة جديدة. إنّها ليست ساذجة، بل هناك سياسة وراءها. فهو لا يريد إخفاء الحقيقة ورفع سقف التوقّعات ثمّ عدم الوفاء بها”.

قالت سنام واكيل، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في “تشاتام هاوس”، وهو معهد للسياسات الدوليّة مقرّه لندن: “إيران مشلولة الآن داخليّاً وفي مواجهتها مع الولايات المتّحدة”. أضافت أنّ “إظهار بزشكيان إحباطه علناً أمر مثير للاهتمام حقّاً. إنّه يحاول استعادة بعض زمام المبادرة بهذه الطريقة غير المباشرة، من خلال تسليط الضوء على القيود المفروضة عليه. لكن هل سيحلّ هذا المشكلة؟ لا أعتقد ذلك”.

يراقب الإيرانيّون انخفاض قيمة عملتهم، الريال، يوميّاً مقابل الدولار. ارتفعت الأسعار، بما في ذلك أسعار الموادّ الغذائيّة الأساسيّة وموادّ البناء، بشكل حادّ مع تفاعل الأسواق. يحوم التضخّم حول 60%، بحسب خبراء اقتصاديّين ووسائل إعلام محلّيّة. أفاد تقرير صادر عن وزارة الشؤون الاجتماعيّة الإيرانيّة بأنّ “انعدام الأمن الغذائيّ” في إيران يتفاقم منذ عام 2020 مع ارتفاع التضخّم، مشيراً إلى أنّ الفرد الإيرانيّ البالغ يعاني حاليّاً من نقص يقدّر بنحو 400 سعرة حراريّة عن الحدّ الأدنى الموصى به، والبالغ 2,200 سعرة حراريّة يوميّاً.  فاقمت أزمات الطاقة والمياه الحادّة من حدّة هذه المشاكل، وأدّت إلى انقطاعات دوريّة للكهرباء والمياه عن الأحياء السكنيّة والتجاريّة والصناعيّة.

لا حلول قصيرة الأجل

قال أمير حسين خالقي، الخبير الاقتصاديّ في أصفهان، إنّه لا توجد حلول قصيرة الأجل أو سهلة المنال للأزمات المتعدّدة والمتداخلة التي تواجهها إيران. أضاف: “نحن عاجزون عن معالجة التحدّيات الاقتصاديّة الكبرى، لأنّ ما نحتاج إليه هو استراتيجية جادّة وعميقة. ومن دون تغيير جذريّ في سياستنا الخارجيّة، لن نحقّق أيّ تقدّم على الصعيد الداخليّ”.

تتصاعد حركة الاحتجاجات في العاصمة الإيرانيّة على خلفيّة ارتفاع سعر الدولار وتردّي الأوضاع الاقتصاديّة التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم

من جهتها، حذّرت آذر منصوري، رئيسة الفصيل السياسيّ الإصلاحيّ الإيرانيّ الذي رشّح بزشكيان في الانتخابات، الرئيسَ في منشور على وسائل التواصل الاجتماعيّ من أنّ التضخّم بلغ حدّاً لا يُطاق، قائلة: “الشعب غاضب، والحكم بهذه الطريقة غير قابل للاستمرار”.

إقرأ أيضاً: فريدمان يسأل ترامب: ماذا عن بوتين وجين بينغ؟

في الوقت الراهن، لا يزال خامنئي يدعم الرئيس، الذي بقيت له ثلاث سنوات من ولايته. أشاد ببزشكيان، ووصفه بأنّه “شريف” و”مجتهد”. يرى محلّلون أنّ الهدف كان تعزيز موقع الرئيس وتوجيه رسالة إلى منتقديه مفادها أنّ الدعوات إلى عزله ستؤدّي إلى زعزعة الاستقرار. في المقابل، وعلى الرغم من توقّعاته المتشائمة، أكّد بزشكيان أنّه “سيبقى في منصبه حتّى النهاية”.

 

لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا

مواضيع ذات صلة

ماذا بين سليماني ومادورو؟

اعتبر الصحافيّ والكاتب الأميركيّ – الإيرانيّ شيموس مالكافزالي أنّ اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو لا يُعدّ حدثاً منفصلاً أو تطوّراً مفاجئاً في السياسة الأميركيّة، بل…

مؤرّخ إيرانيّ: لقد بدأ عصر ما بعد خامنئي

اعتبر المؤرّخ والباحث الإيرانيّ – الأميركيّ الدكتور أراش عزيزي أنّه بسقوط نيكولاس مادورو “ماتت عمليّاً” الثورة الإسلاميّة، وأنّ عهد ما بعد خامنئي قد بدأ فعلاً،…

امرأة تشي بزوجها.. وثائق تكشف كيف حكم الأسد..

أظهرت آلاف الوثائق التابعة للاستخبارات العسكريّة السوريّة، والتي عُثر عليها داخل مجمّع أمنيّ في دمشق، ونشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” ضمن تحقيق استقصائيّ استمرّ عاماً…

فريدمان يسأل ترامب: ماذا عن بوتين وجين بينغ؟

حذّر المحلّل والكاتب السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان من أنّ تدخّل إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في فنزويلّا وإزاحتها الرئيس نيكولاس مادورو ينطويان على مسؤوليّات عميقة…