أزمة جنوب اليمن: لماذا سكت ترامب؟

مدة القراءة 6 د

لم تظهر أيّ شبهات توحي بدور أميركيّ ما خلف التصدّع الذي داهم علاقات السعوديّة والإمارات بشأن اليمن. برز سؤال موقف واشنطن منذ اللحظات الأولى لقيام قوّات المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ في 9 كانون الأوّل الماضي بالاندفاع عسكريّاً داخل حضرموت والمهرة شرق البلاد. تطوّرٌ من هذا النوع يستدرج عادة سقوفاً دوليّة لطالما كانت الولايات المتّحدة أهمّها. مع ذلك بدا صمت واشنطن مريباً وسكوت الرئيس، الذي لا ينفكّ ينطق ويعلّق ويكثر من الكلام، غريباً.

 

قاربت الإدارة الأميركيّة الحدث بحذر شديد. بدا أنّ أمر عمليّات، يرقى إلى جسامة الموقف، صدر مانعاً مؤسّسات الحكم من التعليق والتحليل والإفتاء. كُلّفت وزارة الخارجيّة وحدها، والوزير ماركو روبيو بشخصه، الإدلاء بالدلو المناسب. اتّصل الرجل بنظرائه، الأمير فيصل بن فرحان في الرياض، والشيخ عبدالله بن زايد في أبوظبي، في اليوم نفسه، في 30 كانون الأوّل الماضي، معبّراً، بالحرص والهمّة واللهجة نفسها، عن “القلق”، داعياً إلى “ضبط النفس” بحياد مضجر لا يتسرّب منه موقف يشعل أو يطفئ فتائل الصراع.

قبل ذلك بأيّام، في 26، كان روبيو قال، في بيان، إنّ الولايات المتّحدة القلقة إزاء الأحداث الأخيرة في جنوب شرق اليمن “ممتنّة للقيادة الدبلوماسيّة لشركائنا: المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة”، مؤكّداً أنّ الولايات المتّحدة “تظلّ داعمة لجميع الجهود الرامية إلى تعزيز مصالحنا الأمنيّة المشترَكة”.

هي أبجديّة لا تقول شيئاً. مع ذلك للصمت ضجيجٌ أجاد المراقبون سماع نغماته، وللحياد لغة ورمزيّات ربّما تقف وراء المآلات القصوى التي شهدتها الميادين، سواء في حدث قصف ميناء المكلّا بحضرموت، أو بحدث قرار الإمارات سحب ما بقي من قوّاتها في اليمن. اكتفت واشنطن بالدعوة إلى التهدئة، هذا من جهة، لكنّها، واستناداً إلى الموقف الأميركيّ التقليديّ قبل ذلك، الداعم للحكومة الشرعيّة والحريص على وحدة اليمن، أوحت واشنطن بكلمات دبلوماسيّة بملاقاة العناوين التي تدافع عنها السعوديّة.

قاربت الإدارة الأميركيّة الحدث بحذر شديد. بدا أنّ أمر عمليّات، يرقى إلى جسامة الموقف، صدر مانعاً مؤسّسات الحكم من التعليق والتحليل والإفتاء

بين 2017 واليوم

بدت واشنطن، لا سيما في صمت ترامب نفسه الذي كان يستقبل رئيس الحكومة الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، وربّما لأنّها تحديداً مناسبة غير موائمة، حريصة قدر المستطاع على الحفاظ على علاقات ممتازة مع السعوديّة والإمارات، وحفاظ الرئيس الأميركيّ على ما يمتلكه من علاقات شخصيّة حميمة مع وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان ورئيس الإمارات الشيخ محمّد بن زايد. كان واضحاً بالنسبة لأصحاب الذاكرة حجم الفرق بين موقف ترامب من أزمة قطر عام 2017 وموقفه الحاليّ من أزمة حليفَيه داخل ساحة اليمن.

اتّخذ ترامب عام 2017  موقفاً منحازاً للسعوديّة والإمارات مكيلاً لقطر اتّهامات بدعم الإرهاب، حتّى إنّه تفاخر آنذاك بأنّه مُفجِّر ومطوِّر للأزمة ومحرِّض عليها، مردّداً بزهوٍ أنّها من “بركات” زيارته للرياض قبل انفجار الأزمة بأسبوع. حينها كان ترامب يمارس تجربته الأولى رئيساً للبلاد، متعايشاً مع إدارة متوتّرة أبدت كثيراً من ظواهر التمرّد والتبرّم والخلاف مع سياسات البيت الأبيض.\

اليمن

حين ذهب ترامب مذهبه ضدّ قطر، أعرب البنتاغون ووزارة الخارجيّة عن قلق من تأثير القطيعة على قاعدة العديد العسكريّة الأميركيّة في قطر، التي تستضيف آلاف الجنود الأميركيّين، ودعوا إلى حلّ دبلوماسيّ سريع (قيل حينها إنّ ترامب لم يكن يعرف شيئاً عن أمر هذه القاعدة).

تغيّر السياق والأولويات

تبدو الصورة اليوم مختلفة. تبدو إدارة ترامب الثانية أكثر انسجاماً، وأقلّ ميلاً إلى المغامرة في نزاعات بين الحلفاء. تغيّر السياق وتبدّلت الأولويّات. بالمقابل لم يعُد الضغط الأميركيّ على إيران، الذي شكّل خلفيّة صلبة لأزمة 2017 وموقف ترامب منها، يفرض إيقاعه ذاته في الأزمة اليمنيّة الراهنة، ويحمل أيّ تفجير إضافيّ للساحة اليمنيّة مخاطر غير مرغوبة قد تفتح نوافذ يستفيد منها الحوثيّون أو تُعيد خلط أوراق لم تنضج بعد للتسوية.

لم تظهر أيّ شبهات توحي بدور أميركيّ ما خلف التصدّع الذي داهم علاقات السعوديّة والإمارات بشأن اليمن

حتّى المحاولة الإيرانيّة للتسلّل إلى المشهد اليمنيّ، عبر تواصل عبّاس عراقجي في 28 و29 الشهر الماضي مع الرياض وأبوظبي والحوثيّين في صنعاء، لم ترتقِ إلى مستوى يقلق واشنطن أو يستدعي ردّاً خاصّاً. لا ترى الإدارة الأميركيّة، حتّى اللحظة، ما يبرّر الاعتقاد بأنّ طهران قادرة أو راغبة في استثمار الخلاف السعوديّ – الإماراتيّ إلى حدّ يهدّد التوازنات الكبرى.

سكت ترامب. هذا لوحده حدث جلل. تساءل المراقبون، بالتندّر والتهكّم، عن قدرة الرئيس على السكوت الغامض الذي انسحب على أداء المتحدّثة الشهيرة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت. لم نقرأ له “تغريدة” عن الحدث على منصّته “تروث سوشيل”.

كشفت بعض المصادر عن توسّل مؤسّسات “الدولة العميقة” إلى الرئيس التزام ذلك الصمت. بدا أنّ اليمن الذي خاضت إدارة ترامب داخله حملات عسكريّة ضدّ الحوثيّين (آذار- أيّار الماضيين)، ثمّ عقدت اتّفاقاً معهم، لم يعد على رادارات الرئيس أو من ضمن أولويّاته. وبدا أيضاً أنّ الرئيس والإدارة غير معنيَّين بصراع حسّاس يمسّ الحلفاء، ما دام لا يهدّد، حتّى الآن، أمن الملاحة الدوليّة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

إقرأ أيضاً: تقسيم المقسَّم من السّودان إلى اليمن

ترياق خليجي محلي

قد لا تبقى واشنطن ساكنة ساكتة. الأرجح أنّها تحتاج إلى وحدة دول الخليج في حساباتها للصراع المقبل مع إيران. تفترض وثيقة الأمن الاستراتيجيّ، التي أصدرتها الإدارة مستوحية عناوينها من الترامبيّة الحديثة، نقل أعباء الأمن إلى الحلفاء في المنطقة، وهو ما يتناقض مع ذلك التفسّخ في جدران التجمّع الخليجيّ. غير أنّ في المنطقة من يعوّل على ترياق خليجيّ محلّيّ يغني المنطقة عن وساطات واشنطن ورئيس ينطق من جديد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع…

بعد إيران: تركيا وإسرائيل بين التّحدّي والتّوازن

لن يترك أيّ تحوّل جذريّ في موقع إيران، سواء أكان ضعفاً أو احتواءً، فراغاً محايداً في الشرق الأوسط، بل سيقود إلى إعادة توزيع الثقل الاستراتيجيّ…

إيران بين اللّاءات الإسرائيليّة ودبلوماسيّة واشنطن؟

في اللحظة التي أعلن فيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو “لاءاته الثلاث” الحاسمة بشأن أيّ اتّفاق محتمل مع إيران، بدا المشهد وكأنّه يعود إلى نقطة…

انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم…