سيكون على العالم أن يتريّث قبل أن تتّضح مآل الأمور في فنزويلّا بعد توقيف نيكولاس مادورو وزوجته في الولايات المتّحدة الأميركيّة. لا ينفي نجاح العمليّة العسكريّة الأميركيّة الشبيهة بأفلام هوليوود الغموضَ الذي يحيط بما بعدها: من سيحكم كراكاس؟ هل يلجأ دونالد ترامب إلى عمل عسكريّ جديد في فنزويلّا ومحيطها؟ كيف ستتعاطى الدول التي اعتبرت نفسها مستهدَفة، من إيران إلى الصين وروسيا؟ هدفٌ وحيد أعلنه ترامب: ستدير أميركا قطاع الطاقة في أكبر احتياطيّ للنفط والغاز في العالم.
ما لم يعلنه ترامب، وضجّت به تكهّنات المراقبين، أفصح عنه وزير دفاعه بيت هغسيث: “العمليّة في فنزويلّا ليست حدثاً معزولاً بل إشارة واضحة لجميع خصوم الولايات المتّحدة وفي مقدَّمهم طهران”. قال: “كما تحرّكت واشنطن في حديقتها الخلفيّة بأميركا الجنوبيّة، ستكون مستعدّة للتحرّك عسكريّاً في الشرق الأوسط، إذا واصلت إيران برنامجها النوويّ أو اعتدت على المتظاهرين”.
قراءة ترامبيّة: هجوم فنزويلّا سيجنّب تايوان هجوماً صينيّاً؟
دفع الانتشاء بنجاح دخول قوّة “دلتا” الأميركيّة مخبأ مادورو إلى إسداء وزير الخارجيّة ماركو روبيو النصيحة بـ”ألّا تعبثوا” مع ترامب. جاء ذلك بعدما هدّد ترامب بالتحرّك ضدّ النظام في طهران إذا تعرّض بالقتل للاحتجاجات التي اندلعت في 28 كانون الأوّل الماضي.
أفادت الأوساط المتّصلة بإدارة ترامب “أساس” أنّ الحلقة المواكِبة لأفكاره تشرح الرسائل والأبعاد الاستراتيجيّة والآنيّة لعمليّة فنزويلّا كالآتي:
– قد يكون ترامب بتحرّكه نحو داخل فنزويلّا وإعلان استعداده لمساعدة المعارضة الإيرانيّة جنّب تايوان اجتياحاً صينيّاً وشيكاً. الرسالة هنا وجهتُها واضحة كما تؤكّد معظم القراءات: الصين.
– تحتاج الصين إلى شراء النفط غير الخاضع بيعه للضغوط الأميركيّة، فاندفعت إلى أن تشتري ما بين 60 و90 في المئة من النفط الفنزويلّيّ (حسب ظروف السوق والحاجة)، وما بين 85 و90 في المئة من النفط الخام الإيرانيّ، بأسعار تقلّ عن سعر السوق. وتمثّل هذه الكمّيّة حوالي 30 إلى 35 في المئة من واردات الصين النفطيّة.
أفادت الأوساط المتّصلة بإدارة ترامب “أساس” أنّ الحلقة المواكِبة لأفكاره تشرح الرسائل والأبعاد الاستراتيجيّة والآنيّة لعمليّة فنزويلّا
– تحصل الصين على 35 في المئة أخرى من النفط من الدول العربيّة المصدِّرة، لكنّها تخضع لمنطق الضغوط والتوجّهات الأميركيّة.
– في حال قيام نظامين جديدين في كلّ من فنزويلّا وإيران، ستتمكّن الولايات المتّحدة من التحكّم بحوالي 70 في المئة من حاجات الصين النفطيّة اليوميّة.

– يسمح تقليص قدرة بكين على الحركة في المجال الهندو-أطلسيّ، ولو لفترة، للولايات المتّحدة بأن تستفيد لتحقيق التزاماتها في دعم حلف الناتو في أوروبا.
لهذا طلب ترامب من نتنياهو التّريّث
يكشف هذا التسلسل في مخطّطات العقل الترامبيّ الخلفيّات البعيدة المدى لِما ينويه الذي لا يقف عند الاتّهامات الموجّهة إلى مادورو بشأن إدارة تهريب المخدّرات. يفسّر ذلك أسباب طلب ترامب من بنيامين نتنياهو التريّث في استهداف إيران بضربات جديدة، خلال اجتماعه به في 29 الشهر الماضي في فلوريدا. يتّصل هذا الأمر باللعبة الأوسع على الصعيد العالميّ.
لكنّ ركناً أساسيّاً من الخطط الترامبيّة ما يزال خاضعاً للكثير من الأسئلة في ما يتعلّق بنجاح التغيير في فنزويلّا. قد تحبط نائبة رئيس فنزويلّا ديلسي رودريغيز المصرّة على رفض التدخّل الأميركيّ، أو تؤخّر على الأقلّ وضع الإدارة الترامبيّة يدها على قطاع النفط في بلادها. لذلك سيبقى إرساء المخطّطات الترامبيّة مرهوناً بما سيؤول إليه الوضع الداخليّ وقدرة أميركا على إدارة الحكم في كراكاس.
لذلك قال ترامب: “فنزويلّا قد لا تكون آخر دولة تتعرّض لتدخّل أميركيّ. ديلسي رودريغيز نائبة رئيس فنزويلّا ستدفع ثمناً أكبر ممّا دفعه نيكولاس مادورو إن لم تفعل الصواب”. ثمّ قال إنّ كولومبيا يحكمها رجل مريض ولن يستمرّ طويلاً، ولم يُسقط كوبا من حسابه. ويستدعي تحرّك بعض قادة الكونغرس الأميركيّ لمساءلة الإدارة عن نواياها العسكريّة في أميركا اللاتينيّة ترقّب تأثير ذلك على تهديدات الرئيس الأميركيّ.
سيكون على العالم أن يتريّث قبل أن تتّضح مآل الأمور في فنزويلّا بعد توقيف نيكولاس مادورو وزوجته في الولايات المتّحدة الأميركيّة
تجنيب إيران تغيير النّظام بالتّفاوض المباشر؟
أمّا في ما يخصّ إيران، يُلقي تكرار ترامب ليل الأحد الإثنين أنّها “ستتلقّى ضربة قويّة جدّاً” إذا تعرّضت السلطة للمتظاهرين، تحدّيات كبرى على كاهل نظام الملالي المأزوم. المرشد علي خامنئي، ومعه المتشدّدون الأصوليّون يدعون إلى قمع الحراك الشعبيّ المتّسع و”وضع المتظاهرين عند حدّهم”. ويتكرّر التخبّط بين الإصلاحيّين والمتشدّدين الأصوليّين في كلّ مرّة تقود الذروة الجديدة من التأزّم الاقتصاديّ والاجتماعيّ إلى تبادل الاتّهامات بين التيّارين.
رأت صحيفة “سياسة روز” الأصوليّة أنّ “المشكلة لم تعُد في نقاش سنويّ متكرّر في الموازنة، بل في النهج الفكريّ السائد داخل مؤسّسات التخطيط الماليّ، حيث تتكرّر السياسات نفسها التي تنتهي في كلّ مرّة إلى تضخّم وضغط معيشيّ متزايد”.
أمّا صحيفة “هم ميهن” الإصلاحيّة، فمع إشادتها بمرونة الرئيس مسعود بزشكيان (قرّر رفع أجور القطاع العامّ وتعديل الموازنة استجابة للنقابات) في التعامل مع الاحتجاجات، حذّرت من الاكتفاء بالحلول الجزئيّة، مؤكّدةً أنّ “الأزمة أعمق من تغيير محافظ البنك المركزيّ أو وزير وترتبط بمستويات سياسيّة عليا”. ودعت إلى معالجة “أصل مشكلة تراجع الإيرادات الوطنيّة بسبب العقوبات، وعدم إدارة نتائجها فقط. موازنة إيران انخفضت من نحو 100 مليار دولار عام 2016 إلى 40 مليار دولار”.
إقرأ أيضاً: العالم إلى تحوُّل… من فنزويلّا إلى الشّرق الأوسط
ما قصده الإصلاحيّون هو التفاوض مع واشنطن بليونة، كما نصح الحلفاء الروس والصينيّون. بدوره يخضع هذا التوجّه للتخبّط. ففي حين يفرض المتشدّدون على بزشكيان رفض الشروط الأميركيّة المتعلّقة بحقّ التخصيب، تحدّثت أوساط إيرانيّة عن محاولة عراقيّة جديدة للوساطة مع واشنطن. إلّا أنّ الشرط الأميركيّ قبل عمليّة فنزويلّا أُضيف إليه الإصرار الترامبيّ على أن يكون التفاوض مباشراً هذه المرّة بدل بدعة التفاوض غير المباشر.
لمتابعة الكاتب على X:
