“غزوة كراكاس”: عالم بلا خطوط حمر؟

مدة القراءة 6 د

في عتمة الليل فوق كراكاس، تسلّلت وحدات كوماندوس أميركيّة نخبويّة إلى قصر الرئيس الفنزويلّيّ لتخرج بعد ساعات بالغنيمة القصوى: نيكولاس مادورو، الرجل القويّ في فنزويلّا الذي طالما تحدّى واشنطن، مقيّداً وعلى متن طائرة اتّجهت إلى الأراضي الأميركيّة. هزّت العالمَ هذه العمليّة الجريئة التي نصفها فيلم تشويق ونصفها الآخر استعادة واضحة لاستعراض قوّة عظمى، وفرضت سؤالاً صارخاً: في زمن صعود المنافسين وهشاشة الأعراف الدبلوماسيّة، هل يستطيع أيّ زعيم، في أيّ مكان، أن يطمئنّ إلى أنّه بمنأى عن الاستهداف؟

 

 

نُفّذت العمليّة في الثالث من كانون الثاني 2026، وأُعلنت من قبل الرئيس دونالد ترامب. وشملت ضربات جوّيّة منسّقة على منشآت فنزويلّيّة حسّاسة، وغارة برّيّة أفضت إلى اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس. قدّمتها واشنطن بوصفها إجراءً لإنفاذ القانون يستهدف لوائح اتّهام قديمة تتعلّق بـ”الإرهاب المخدّراتيّ”، لكنّها تمثّل في الواقع أكبر تدخّل عسكريّ أميركيّ مباشر ضدّ رئيس دولة منذ عقود. تشير العمليّة النوعيّة إلى تحوّل بنيويّ في موازين القوّة العالميّة، وستكون لها تأثيرات كبيرة على الدبلوماسيّة، وانعكاسات على أميركا اللاتينيّة وخصوم الولايات المتّحدة.

انشطار العالم؟

تستحضر الغارة ذكرى الغزو الأميركيّ لباناما عام 1989 واعتقال مانويل نورييغا، لكنّها تجري في سياق مختلف جذريّاً: عالم متعدّد الأقطاب تتحدّى فيه الصين وروسيا صراحةً الهيمنة الأميركيّة. وبدل أن تدشّن نظاماً عالميّاً جديداً بالكامل، تبدو العمليّة إعادة تأكيد قسريّة لاستعداد واشنطن للتحرّك الأحاديّ عندما ترى مصالحها مهدَّدة، وتختبر حدود سيادة الدول كما نصّ عليها ميثاق الأمم المتّحدة، وقد تُسرّع تفكّك النظام الدوليّ لما بعد 1945.

في عتمة الليل فوق كراكاس، تسلّلت وحدات كوماندوس أميركيّة نخبويّة إلى قصر الرئيس الفنزويلّيّ لتخرج بعد ساعات بالغنيمة القصوى: نيكولاس مادورو، الرجل القويّ في فنزويلّا الذي طالما تحدّى واشنطن

أنصار الخطوة، ومنهم شرائح من المعارضة الفنزويلّيّة، يُصوّرونها ضربة متأخّرة ضدّ الاستبداد وحكم العصابات. في المقابل، يرى منتقدوها سابقة خطِرة قد تشجّع قوى كبرى أخرى على تجاهل السيادة متى خدمها ذلك. غياب انهيار فوريّ أو إعادة اصطفاف شامل يوحي بالاستمراريّة أكثر من القطيعة. غير أنّ الخطوة قد تعمّق الانقسامات القائمة، دافعةً العالم أقرب إلى انشطار على طريقة الحرب الباردة بين كتلة تقودها الولايات المتّحدة وأخرى تتمحور حول “بريكس”.

أصدرت روسيا والصين وإيران إدانات قاسية ووصفت ما جرى بالعدوان وانتهاك القانون الدوليّ، فيما أبدت دول أوروبيّة وأميركّية لاتينيّة حذراً أو قبولاً ضمنيّاً. يتجاوز عتباتٍ قانونيّةً بعينها توصيفُ واشنطن للعمليّة بأنّها “تسليم قضائيّ” لا “غزو”، لكنّه يفتح باب الاتّهامات بالنفاق والاستثنائيّة.

على المدى الأبعد، يُرجَّح أن يتعمّق تآكل الثقة بالمؤسّسات المتعدّدة الأطراف. فقد تتحوّل ملفّات لا ترتبط مباشرة بالأزمة، كالمناخ والتجارة والهجرة، إلى رهائن سياسيّة، مع تشدّد مواقف الخصوم وازدياد منسوب المواجهة. وقد تشجّع هذه السابقة قوى أخرى على اعتماد سياسات التدخّل خارج حدودها، وهو ما يفاقم هشاشة النظام القانونيّ الدوليّ ويُسرّع تفكّكه.

جاءت ردود الفعل في أميركا اللاتينيّة منقسمة بحدّة، كاشفةً وربّما مُعمِّقة لشقوق إقليميّة قديمة. رحّبت حكومات يمينيّة بإزاحة نظام تعتبره مصدر عدم استقرار وضغوط هجرة. في المقابل، شجبت إدارات يساريّة الخطوة باعتبارها إفراطاً إمبرياليّاً يعيد إلى الواجهة مظالم تاريخيّة من التدخّل الأميركيّ.

تذكيرٌ صارخ

من المرجّح أن تتشكّل ديناميّة إقليميّة جديدة: دول مصطفّة مع واشنطن قد تحصد نفوذاً إضافيّاً وتعاوناً أمنيّاً أوثق، فيما قد تُسرّع أخرى تنويع شراكاتها نحو الصين أو روسيا أو أوروبا. في المقابل، قد يتنامى السخط داخل حركات شعبويّة وقوميّة. أمّا في أميركا الوسطى، فأيّ تراجع قصير الأمد في الهجرة الفنزويلّيّة قد يقابله قلق متزايد من تكرار سيناريوهات مشابهة ضدّ قادة غير محبوبين لكن منتخبين.

أصدرت روسيا والصين وإيران إدانات قاسية ووصفت ما جرى بالعدوان وانتهاك القانون الدوليّ، فيما أبدت دول أوروبيّة وأميركّية لاتينيّة حذراً أو قبولاً ضمنيّاً

شركاء مادورو الأقرب سيواجهون خسائر استراتيجيّة واقتصاديّة فوريّة:

  • إيران: فقدان حليف مناهض لواشنطن في نصف الكرة الغربيّ يعقّد مساعي طهران إلى مواجهة العقوبات وبسط النفوذ. يُتوقّع تعزيز التنسيق مع روسيا وربّما ردود غير متماثلة في ساحات أخرى.
  • الصين: انكشاف بكين الماليّ الكبير في فنزويلّا، خصوصاً عبر صفقات النفط مقابل القروض، أصبح موضع شكّ. أيّ اضطراب في الإنتاج الفنزويلّيّ يربك حسابات أمن الطاقة، وقد يدفع الصين إلى إعادة تقويم المخاطر في دول أخرى غير مستقرّة سياسيّاً.
  • كوبا: اعتماد هافانا على نفط فنزويلّيّ مدعوم بات مهدّداً بشدّة، وهو ما يفاقم أزمة اقتصاديّة خانقة أصلاً. وسترفع سابقة تغيير النظام بالقوّة على مقربة من شواطئها منسوب الإحساس بالهشاشة لدى القيادة الكوبيّة.

قد تسعى هذه الدول معاً إلى تنسيق ضغط دبلوماسيّ مضادّ، بما يرسّخ الانقسامات الأيديولوجيّة العالميّة.

أمّا على المستوى الداخليّ، فقد أثار اعتقال نيكولاس مادورو انقساماً عميقاً في السياسة الأميركيّة، معزِّزاً الاستقطاب الحادّ بين الجمهوريّين والديمقراطيّين. يرى الجمهوريّون، بقيادة شخصيّات بارزة مثل ماركو روبيو وتوم كوتون، في العمليّة انتصاراً جريئاً ضدّ دكتاتور متّهم بالإرهاب المخدّراتيّ يعكس قيادة ترامب الحاسمة ووفاءه بوعوده، وقد لقي ترحيباً حماسيّاً من الجالية الفنزويلّيّة الكبيرة في جنوب فلوريدا التي طالما طالبت بإسقاط النظام.

إقرأ أيضاً: احتجاجات إيران: ترامب يدعو نتنياهو للتّريّث..

في المقابل، أدان الديمقراطيّون الخطوة بشدّة، واصفين إيّاها بغير القانونيّة وغير المصرّح بها من الكونغرس، محذّرين من مخاطرها على الأرواح الأميركيّة، ومطالبين بجلسات استماع، مدعومين باستطلاعات سابقة تكشف معارضة أغلبيّة الأميركيّين لأيّ تدخّل عسكريّ في فنزويلّا، وهو ما قد يُلحق ضرراً بشعبيّة ترامب إذا تصاعد الجدل في شرعيّتها الدستوريّة.

بانتظار اتّضاح تداعيات اعتقال الزعيم الفنزويلّيّ بهذه الطريقة على العلاقات الدوليّة، تلقّى العالم تذكيراً صارخاً: حتّى أكثر القادة ترسّخاً قد يكونون أقرب إلى المتناول ممّا يتصوّرون.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

فنزويلّا البداية في “عقيدة ترامب” الجديدة

لم يمرّ على الولايات المتّحدة رئيسٌ أكثر وضوحاً من دونالد ترامب. قال بصريح العبارة إنّه يريد استعادة “النفط المسروق” في فنزويلّا. تلك هي المرّة الأولى…

دول القرار ودول الأدوار: اليمن نموذجاً

في اجتماعات التحرير في موقع “أساس ميديا”، كان الناشر الوزير السابق نهاد المشنوق، وخلال النقاشات السياسية والتحريرية، حريصاً على توضيح ثابتة أساسية للزملاء في كيفية…

الإمبراطور فتح باب تغيير الأنظمة.. أسرع مما نتوقّع

العالم على أعتاب تحوّلات معرفية هائلة، ستعكس حكماً “هويّتها” على شكل الإمبراطورية التي تحكم الكوكب. وستقدّم ترامب كإمبراطور ذي تجرية غير مسبوقة في “السيطرة على…

اعتقال مادورو: الدّلالات الجيوسياسيّة

لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو في كراكاس سابقة في تاريخ علاقات الولايات المتّحدة بالمحيط الأميركيّ. سبق لواشنطن أن تدخّلت عسكريّاً في عدّة بلدان من القارّة…