يتوقّع خبراء المعهد الملكيّ للشؤون الدوليّة (تشاتام هاوس) أن يشكّل عام 2026 اختباراً حقيقيّاً لقدرة النظام الدوليّ على الصمود في وجه أزمات متداخلة ومتعدّدة. فالعالم يواجه شبكة من الصراعات والاختلالات تشمل الحروب المستمرّة، التنافس التكنولوجيّ، تراجع التعدّديّة الدوليّة، والاستقطاب السياسيّ داخل الدول الكبرى. ترفع هذه العوامل مجتمعةً من احتمالات عدم الاستقرار، وتُضعف آليّات الحوكمة العالميّة، وتجعل إدارة المخاطر أكثر تعقيداً.
أوروبا: هل تصمد؟
ستظلّ أوكرانيا خطّ التصدّع في أوروبا، مع اختبار دعم الاتّحاد الأوروبي بسبب التعب السياسيّ وعدم اليقين بشأن التزامات الولايات المتّحدة والضغط الاقتصاديّ. ستواجه أوروبا تحدّيات أخرى مثل تصاعد الشعبويّة، تأثير الحملة الروسيّة على بلغاريا، ومعارضة التحوّل الطاقيّ، إضافة إلى ضرورة الموازنة بين التجارة مع الصين وتوفير التقنيّات. ستكون قمّة المجتمع السياسيّ الأوروبيّ في يريفان محطّة مهمّة لاختبار قدرة أوروبا على تنويع تحالفاتها الاستراتيجيّة وتعزيز الأمن الإقليميّ.
أوكرانيا: استمرار حرب الاستنزاف
بعد أربع سنوات من الغزو الروسيّ الشامل، لا تزال أوكرانيا غارقة في حرب استنزاف طويلة دون أفق واقعيّ لتسوية تفاوضيّة، فهدف فلاديمير بوتين المتمثّل بالسيطرة الكاملة على أوكرانيا يجعل أيّ اختراق دبلوماسيّ غير مرجَّح، حتّى مع محاولات التفاوض التي يقودها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لذلك سيكون عام 2026 بمنزلة معركة حاسمة للصمود، وستحتاج أوكرانيا إلى نحو 100 مليار دولار من الدعم العسكريّ والماليّ في عام 2026 استعداداً لحرب طويلة الأمد وتوسيع إنتاج الأسلحة المحلّيّ والحفاظ على تفوّقها التكنولوجيّ. ومع تزايد عدم اليقين بشأن التزام الولايات المتّحدة، ستكون قدرة أوروبا على التحوّل من “تحالف الراغبين” إلى “تحالف القادرين” مسألة حاسمة. وعلى الرغم من وجود قروض أوروبيّة وآليّات تابعة لحلف الناتو، لا تزال فجوات التمويل كبيرة. وقد يشكّل مؤتمر الناتو في أنقرة في تمّوز 2026 لحظة محوريّة بالنسبة لضمانات الأمن الأوكرانيّة المستقبليّة.
يتوقّع خبراء المعهد الملكيّ للشؤون الدوليّة (تشاتام هاوس) أن يشكّل عام 2026 اختباراً حقيقيّاً لقدرة النظام الدوليّ على الصمود في وجه أزمات متداخلة ومتعدّدة
بريطانيا: توازن صعب في عالم منقسم
لا تزال المملكة المتّحدة تسير على حافة الهاوية بين أوروبا والولايات المتّحدة. فبينما عزّزت حكومة حزب العمّال العلاقات الدفاعيّة مع الشركاء الأوروبيّين، تباطأ التقدّم بسبب الخلافات التمويليّة وعدم الاستقرار السياسيّ الداخليّ. ويُحدّ من هامش المناورة المتاح لبريطانيا تصاعد الشعبويّة وضعف الدعم الشعبيّ والقيود الماليّة. ومع تراجع وضوح الالتزام الأميركيّ بأمن أوروبا، تسعى لندن إلى تعميق التعاون الدفاعيّ الأوروبيّ قبيل قمّة الاتّحاد الأوروبيّ – المملكة المتّحدة في 2026، لكنّ الانقسامات السياسيّة والضغوط الماليّة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا تعقّد هذه الجهود.
الصّين وآسيا: اشتداد التّنافس الاستراتيجيّ
تظلّ العلاقات الأميركيّة الصينيّة متوتّرة. فبينما يرى ترامب أنّ بكين شريك تجاريّ استراتيجيّ، لا يزال الرئيس الصينيّ شي جين بينغ مقتنعاً بأنّ واشنطن تهدف إلى احتواء الصين على المدى الطويل. وستُعزّز الخطّة الخمسيّة الخامسة عشرة للصين مساعيها نحو الاكتفاء الذاتيّ التكنولوجيّ، لا سيما في مجال أشباه الموصلات والتصنيع المتقدّم. وسيُشكّل هذا التنافس ملامح السياسة العالميّة وسيتمثّل في استضافة القوّتين قمّتين رئيستين في عام 2026، إلى جانب الدور الدبلوماسيّ المتنامي للهند. وفي أماكن أخرى من آسيا، تسعى دول مثل بنغلاديش ونيبال إلى تجديد سياسيّ بعد انتفاضات قادها الشباب، بينما تواجه اليابان وكوريا الجنوبيّة استقطاباً داخليّاً في ظلّ موازنة دقيقة بين الولايات المتّحدة والصين.
من يربح الانتخابات النصفية؟
يدخل الرئيس الأميركيّ ترامب عام 2026 مع تصريحات جريئة، لكنّه الآن يواجه واقع تنفيذها. في هذا العام، الذي يصادف الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتّحدة، ستُختبر قيادته في الحفاظ على الهُدن الهشّة وإدارة العلاقات المتوتّرة مع بكين وقيادة اقتصاد عالميّ متقلّب. تشكّل الذكرى السنويّة لتولّيه المنصب في 20 كانون الثاني أولى المحطّات المهمّة، وتليها إعادة التفاوض في تمّوز على أكبر اتّفاق تجاريّ في أميركا الشماليّة بين الولايات المتّحدة وكندا والمكسيك، ثمّ الانتخابات النصفيّة في تشرين الثاني التي قد تمنح الديمقراطيّين السيطرة على مجلس الشيوخ أو النوّاب، وهو ما يحدّ من سلطة الرئيس.
ستوضح زيارة ترامب المخطَّطة لبكين في الربيع هل يتّفق الطرفان الاستراتيجيّان على تسوية جديدة. ومن غير المرجّح أن تحلّ مبادراته مع بوتين الحرب في أوكرانيا، وقد يضعف الفشل في هذه الملفّات رغبته في التفاوض المباشر.
بينما عزّزت حكومة حزب العمّال العلاقات الدفاعيّة مع الشركاء الأوروبيّين، تباطأ التقدّم بسبب الخلافات التمويليّة وعدم الاستقرار السياسيّ الداخليّ
أميركا اللاتينيّة: فنزويلا تستعدّ
تواجه المنطقة عاماً انتخابيّاً مضطرباً مع استمرار الاستقطاب السياسيّ. شهدت تشيلي فوز اليمين المتطرّف، بينما تنتظر بيرو وكولومبيا انتخابات رئاسيّة مهمّة. وتحدّد الانتخابات البرازيليّة في تشرين الأوّل مستقبل الرئيس لولا دا سيلفا، وتأثير السياسات الأميركيّة على استقرار المنطقة سيظلّ كبيراً، خاصّة مع تهديدات ترامب بإزاحة الرئيس نيكولاس مادورو.
الاقتصاد العالميّ: مرونة أم تصحيح؟
على الرغم من المخاوف، استوعب الاقتصاد العالميّ إلى حدٍّ ما سياسات ترامب الجمركيّة العدوانيّة. ويرجَّح ارتفاع النموّ بنحو 3% في عام 2026، مدعوماً بالاستثمار في الذكاء الاصطناعيّ، ضعف الدولار وتخفيف السياسات الماليّة في أوروبا. مع ذلك، قد لا تدوم هذه المرونة. وتشمل المخاطر تصحيحاً حادّاً في السوق، عدم استقرار الائتمان الخاصّ واستمرار ضعف الطلب المحلّيّ في الصين. وقد يواجه ترامب قيوداً مؤسّسيّة من المحاكم أو من الكونغرس الأميركيّ المنقسم بعد انتخابات التجديد النصفيّ إلى جانب تنامي تعاون دوليّ للحفاظ على نظام تجاريّ مفتوح عبر إصلاح نقطة الارتكاز منظّمة التجارة العالميّة.
الذّكاء الاصطناعيّ: فجوات أوسع
يواجه الذكاء الاصطناعيّ تحدّياتٍ جسيمة في عام 2026. ومن المتوقّع حدوث تقلّباتٍ في السوق نتيجةً للضجّة الإعلاميّة التي تُقابلها نتائج متفاوتة. في الاقتصادات المتقدّمة، قد يتأثّر ما يصل إلى 60% من الوظائف خلال العقد المقبل، وهو ما يُفاقم اضطرابات سوق العمل وعدم المساواة. تهيمن الولايات المتّحدة والصين على تطوير الذكاء الاصطناعيّ، وهو ما يُوسّع الفجوة مع الدول ذات الدخل المتوسّط والمنخفض، ويدفع العديد من الدول إلى السعي نحو الاستقلال التكنولوجيّ. ويُقدّم استثمار الهند في البنية التحتيّة الرقميّة العامّة نموذجاً واعداً. وقد يؤدّي إلى نفوذ أكبر تركيزُ الصين على سيادة الدول ودعم الجنوب العالميّ، متحدّيةً القيادة الأميركيّة في هذا المجال.
الصّحّة العالميّة: موارد أقلّ
يدخل التعاون الصحّيّ العالميّ عام 2026 مُنهَكاً بفعل انخفاض المساعدات وانسحاب الولايات المتّحدة من المؤسّسات المتعدّدة الأطراف. ولا تزال المفاوضات الرئيسة بشأن الوصول العادل إلى مسبّبات الأمراض والتدابير الطبّيّة المضادّة عالقة، مع اقتراب الموعد النهائيّ في أيّار 2026. وتُهدّد الانقسامات السياسيّة التقدُّم المُحرَزَ، في حين تُهدّد اتّفاقات ترامب الصحّيّة الثنائيّة بتقويض الحلول المتعدّدة الأطراف. وسيختبر اجتماع رفيع المستوى للأمم المتّحدة في أيلول استعداد قادة العالم لالتزام إصلاحات جوهريّة.
الأمن النّوويّ: تزايد حالة عدم اليقين
يواجه الاستقرار النوويّ إحدى أخطر لحظاته. وقد يؤدّي انتهاء معاهدة ستارت الجديدة في شباط 2026 إلى ترك الولايات المتّحدة وروسيا بدون ضوابط رسميّة على التسلّح لأوّل مرّة منذ أكثر من 50 عاماً. وفي الوقت نفسه، يُعقّد التوسّع النوويّ الصينيّ السريع التوازن الاستراتيجيّ. بينما يثير تقدّم البرنامج النوويّ الإيرانيّ وتصريحات ترامب بشأن استئناف التجارب النوويّة الأميركيّة مخاطر إضافيّة، وتزيد تقنيّات مثل الذكاء الاصطناعيّ والحوسبة الكميّة من مخاطر الحوادث وسوء التقدير.
يواجه الاستقرار النوويّ إحدى أخطر لحظاته. وقد يؤدّي انتهاء معاهدة ستارت الجديدة في شباط 2026 إلى ترك الولايات المتّحدة وروسيا بدون ضوابط رسميّة على التسلّح لأوّل مرّة منذ أكثر من 50 عاماً
المناخ: من الوقاية إلى التّكيّف
تلقي عرقلة الولايات المتّحدة للاتّفاقات الدوليّة المتعلّقة بالمناخ بظلالها على العالم. وقد أبرز مؤتمر الأطراف الثلاثين في البرازيل تحوّلاً عالميّاً نحو التكيّف مع تغيّر المناخ بدلاً من التخفيف من آثاره، وهو ما يعكس تزايد الوعي لمخاطر المناخ على الأمن الاقتصاديّ والوطنيّ. وبينما يُتوقّع تقدّم جهود إزالة الكربون القطاعيّة، سيعمّق نقص التمويل المناخيّ التوتّرات بين الدول المتقدّمة والنامية، وسيشتدّ التنافس على المعادن والموارد الحيويّة، الأمر الذي سيعزّز التنافسات الجيوسياسيّة المرتبطة بانتقال الطاقة.
إفريقيا: ساحة التّنافس على المعادن
سيُحدَّد مستقبل إفريقيا في عام 2026 من خلال التنافس على المعادن الحيويّة لانتقال الطاقة، وهو ما يُتيح فرصاً اقتصاديّة إلى جانب المخاطر السياسيّة. تبرز دول الخليج بكونها مستثمرة رئيسة على المدى الطويل في جميع أنحاء القارّة. النموّ الاقتصاديّ متفاوت، والنزاعات تستمرّ، لا سيما في السودان، بالتسبّب بأزمات إنسانيّة هائلة. ستتصاعد الاحتجاجات التي يقودها الشباب المطالِب بالمساءلة، وستتأثّر الانتخابات في العديد من البلدان بضغوط الأجيال من أجل الإصلاح.
إقرأ أيضاً:
القانون الدّوليّ: أزمة ثقة متفاقمة
يواجه القانون الدوليّ أزمة صدقيّة، إذ تدفع المعايير المزدوجة، خاصّة في غزّة وأوكرانيا، العديد من دول الجنوب العالميّ بعيداً عن المعايير التي تقودها الدول الغربيّة. تهدف تحالفات جديدة، مثل مجموعة لاهاي، إلى محاسبة الدول القويّة من خلال المحاكم الدوليّة. وسيكون السؤال: هل كانت المؤسّسات القانونيّة العالميّة قادرة على الصمود أمام تصاعد النزعة الأحاديّة، حماية المبادئ الإنسانيّة وكبح استخدام القوّة؟
لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا
