من أهمّ الأعياد اليهوديّة عيد “البوريم”، وهو عيد النجاة من محاولة طردهم من إيران في عهد الإمبراطوريّة الأخمينيّة (Achaemenid). حدث ذلك في القرن الخامس قبل الميلاد، أي قبل ألف سنة من بعثة رسول الله محمّد، ومن ظهور الإسلام.
اختار الملك أحشويروش، الذي كانت مملكته تمتدّ من الهند إلى الحبشة (إثيوبيا)، زوجة جديدة له تُدعى إستير. لم يعرف الإمبراطور في ذلك الوقت أنّها كانت يهوديّة، فقد كانت تحرص على إخفاء يهوديّتها منذ سنوات طويلة، حتّى وهي على عرش الإمبراطوريّة. غير أنّ والدها بالتبنّي مردخاي، وكان متشدّداً في إيمانه، لم يشأ المحافظة على السرّ، فأفشى نبأ يهوديّة ابنته بالتبنّي “الإمبراطورة”.
جُنّ جنون الإمبراطور، وخاصّة بعدما اعترفت زوجته بيهوديّتها، ولم يعتبر نفسه ضحيّة خدعة مشينة أمام شعبه الإيرانيّ فحسب، بل أمام شعوب إمبراطوريّته الواسعة. ولذلك قرّر الانتقام. ولكن كيف؟ اقترح عليه وزيره الأوّل هامان طرد اليهود من إيران والتخلّص منهم.
النّجاة الأولى
لو أنّ الإمبراطور وافق على الفكرة لكان ذلك أوّل إقصاء لليهود في التاريخ، لكن حدث العكس. كان الإمبراطور محبّاً لزوجته اليهوديّة التي اعترفت له بسرّ يهوديّتها مع ولائها له زوجاً وإمبراطوراً. فكانت النتيجة أن خضع الإمبراطور لإغواء زوجته، وبدلاً من طرد اليهود أمرَ بإعدام كبير الوزراء هامان، ونُفّذ أمر إعدامه شنقاً، ونجا اليهود من أخطار الانتقام والتهجير. ولذلك يحتفلون حتّى اليوم بهذه المناسبة على أنّها تجسّد النجاة الأولى من الإدانة ومن محاولة التهجير الجماعيّ.
لا يذكر التاريخ شيئاً عن ذرّية الإمبراطور الإيرانيّ من زوجته اليهوديّة. كلّ ما هو معروف وثابت هو أنّ الوجود اليهوديّ في إيران لم ينقطع منذ ذلك الوقت حتّى اليوم
يحتفل اليهود اليوم بعيد “البوريم” فيما يزور رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو واشنطن للحصول على إذن من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بشنّ حرب جديدة على إيران. هدف إسرائيل من الحرب هو تدمير البنية التحتيّة للصناعة النوويّة الإيرانيّة.
لا يذكر التاريخ شيئاً عن ذرّية الإمبراطور الإيرانيّ من زوجته اليهوديّة. كلّ ما هو معروف وثابت هو أنّ الوجود اليهوديّ في إيران لم ينقطع منذ ذلك الوقت حتّى اليوم. ولكن لا يُعرف هل ولاء اليهود للدولة الإيرانيّة، الجمهوريّة الإسلاميّة وريثة الإمبراطوريّة الأخمينيّة، أو لإسرائيل التي تدّعي تمثيل الإرادة الإلهيّة بوجودها.
مردخاي القرن؟
وظّف رئيس حكومة إسرائيل مرّتين هذه المناسبة في مشروعه السياسيّ. كانت المرّة الأولى في عام 2012 مع الرئيس الأميركيّ الأسبق باراك أوباما عندما قدّم له مخطوطاً عن قصّة أوّل محاولة لطرد اليهود من إيران، وذلك خلال مناقشة مخطّط تجريد إيران من أيّ قدرات نوويّة (علميّة أو عسكريّة).
كانت المرّة الثانية مع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين عندما قال له: “اليوم هناك محاولة لدى الورثة الفرس لتدمير الدولة اليهوديّة”. وقال له أيضاً إنّ الإيرانيّين يعلنون ذلك، ويكتبون هذه النوايا على الصواريخ التي يطلقونها على إسرائيل.
إقرأ أيضاً: إسرائيل تلعب بالخرائط ومصر تواجه التّطويق
منذ ذلك الوقت تحوّلت واقعة عدم تهجير اليهود من إيران إلى عيد، وهو العيد اليهوديّ الوحيد الذي صنعه البشر لا الإله (التوراة). ذلك أنّ عدم تهجير اليهود حوّل المعاناة إلى فرح، والخوف إلى اطمئنان.
يعتقد نتنياهو اليوم أنّه يستطيع أن يجدّد ذلك بليّ الذراع النوويّ لإيران. ويقوم هذا الاعتقاد على أنّ غياب الإرادة الإلهيّة المباشرة يتطلّب المبادرة الإنسانيّة المباشرة، وهو ما يخطّط نتنياهو للقيام به. ولذلك يقول للرئيس الأميركيّ ترامب إنّ الله اختاره ليلعب دور مردخاي القرن الحادي والعشرين ليؤدّيا معاً هذه المهمّة المقدّسة. فهل ينطلي الأمر على الرئيس الأميركيّ في ليلة الميلاد المجيد؟
