على الرغم من الضجيج الذي يملأ الساحات حول مشروع قانون الانتظام الماليّ، سيكتشف اللبنانيّون، بكلّ أسف، أنّ هذا القانون الذي طال انتظاره لم يعد كافياً لإعادة الحياة إلى النظام المصرفيّ، وبالتالي إلى الاقتصاد اللبنانيّ.
فيما يتلهّى اللبنانيّون بمحاولة تقدير الخسائر التي ستلحق بكلّ منهم إذا أبصر هذا القانون النور، سوف يتبيّن مع الوقت أنّ المشكلة أكبر من الادّخارات والودائع. المشكلة الكبرى هي في فقدان الثقة بالنظام المصرفيّ اللبنانيّ، وخصوصاً مع التأخّر غير المبرَّر في إصدار التشريعات اللازمة للحدّ من الانهيار.
ألف باء الائتمان والتمويل: النظام المصرفيّ يعني الثقة.
على الرغم من الضجيج الذي يملأ الساحات حول مشروع قانون الانتظام الماليّ، سيكتشف اللبنانيّون، بكلّ أسف، أنّ هذا القانون الذي طال انتظاره لم يعد كافياً لإعادة الحياة إلى النظام المصرفيّ
لبنان ليس مغرياً
الطريقة الوحيدة لاستعادة الثقة بالمصارف اللبنانيّة هي إعادة النظام إلى صورته الجنينيّة وتوليده من جديد، بدعم بعض المصارف العربيّة والدوليّة الكبرى. فنحن بحاجة إلى فتح مصارف عربيّة وأجنبيّة ولو قليلة العدد لكي تخدم الاقتصاد اللبنانيّ وتعيد وصله بأبواب التجارة والتمويل في العالم، ما دامت مصارف لبنان القائمة غير قادرة على تأدية هذه المهمّة الحيويّة في المدى المنظور.
ليست إعادة تكوين نظامنا المصرفيّ على يد المصارف غير اللبنانيّة جديدةً في تاريخ لبنان الماليّ، فالصناعة المصرفيّة في لبنان وُلدت في أواسط القرن التاسع عشر على يد “البنك العثمانيّ” المملوك من مستثمرين فرنسيّين، وذلك بتشجيع من السلطنة العثمانيّة التي أدركت أهمّيّة المصارف في تمويل الاقتصاد. ولم تساهم المصارف الأجنبيّة مساهمة كبيرة في مرحلة الانتداب، ثمّ الاستقلال، في تنمية القطاع الماليّ فحسب، بل في تنمية الاقتصاد اللبنانيّ ككلّ، وساعدته على بناء جسر عريض له مع مراكز الاقتصاد العالميّ.
في الثلاثينيّات والأربعينيّات من القرن الماضي كان الاقتصاد اللبنانيّ يتوسّع ويتطوّر على يد المصارف المملوكة من غير اللبنانيّين، مثل بنك سوريا ولبنان والشركة الجزائريّة وبنكو دي روما والبنك العربيّ. وقتها كان القطاع المصرفيّ اللبنانيّ عبارة عن بيوت مال عائليّة صغيرة تتقن الخدمات الماليّة البدائيّة والربا.
تطوّرت المصارف اللبنانيّة كثيراً بعد صدور قانون النقد والتسليف، أواخر عهد الرئيس فؤاد شهاب، وتعزّزت حصّتها في السوق إبّان الحرب الأهليّة. في العقدين الأخيرين أدركت المصارف الأجنبيّة أنّ لبنان سائر إلى الإفلاس بسبب تمركز الودائع في مصرف لبنان والتوسّع في إقراض الدولة، فأخلت الساحة “للمصارف الوطنيّة”… وللانهيار.
المشكلة أنّ لبنان ليس مغرياً في الوقت الحاضر لاستقطاب المصارف الخارجيّة بسبب أزمته المالية، وبسبب أوضاعه السياسيّة والأمنيّة المضطربة وضعف القانون فيه ومؤسّسة القضاء، وأيضاً، بل خصوصاً، بسبب وجود سلطة رديفة تستقوي بسلاحها غير الشرعيّ وترفض تسليمه للدولة تطبيقاً للدستور واتّفاق الطائف والقرارات الدوليّة واتّفاق وقف التعدّيات الموقَّع مع العدوّ الإسرائيليّ.
الطريقة الوحيدة لاستعادة الثقة بالمصارف اللبنانيّة هي إعادة النظام إلى صورته الجنينيّة وتوليده من جديد، بدعم بعض المصارف العربيّة والدوليّة الكبرى
الحكومة مسؤولة؟
ربّما يمكن حلّ هذه العقدة بالاتّصالات الدوليّة والدبلوماسيّة مع بلدان تُبدي تعاطفاً مع لبنان مثل المملكة العربيّة السعوديّة وفرنسا وقطر. فمن المفيد أن تبذل الحكومة اللبنانيّة جهوداً مع هذه البلدان لفتح فروع في بيروت لمصارفها الكبرى، أو إقناعها بالاستحواذ على نسبة من أسهم المصارف اللبنانيّة القائمة بعد أن يجري تقويم هذه المصارف وفقاً لمشروع قانون الانتظام الماليّ الذي أحالته الحكومة إلى البرلمان. والشيء بالشيء يُذكر، فإنّ نجاح الحكومة في إقرار مشروع “الانتظام الماليّ واسترداد الودائع” هو نجاح نسبيّ لها لأنّ المشروع وضع حدّاً لهدر الوقت بلا مبرّر على مدى ستّ سنوات دون إقرار قانون يوضح مصير أموال المودعين، بل مصير القطاع المصرفيّ والنظام المصرفيّ بأسره.
لكن من الواضح أنّ انطلاقة مشروع القانون متعثّرة وطريقه محفوفة بالألغام لأنّ معظم الكتل النيابيّة تنتظر وصوله إلى مجلس النوّاب لكي تنقضّ عليه وتشبعه نقداً وتشريحاً وملاحظات، بالتزامن مع اعتراضات المصارف والنقابات المهنيّة وجمعيّات المودعين.
إقرأ أيضاً: نقل معاكس للثروة: استعادة 30% من القروض المسددة بالليرة
الأمل أن تسود لغة العقل والمسؤوليّة خلال مناقشة المجلس النيابيّ للمشروع، فيتمّ تشذيبه وتعديله وتحريره من عيوبه العديدة، على أن يتمّ إقراره بالنتيجة بالتوافق مع الحكومة التي أقرّته وسط انقسام واضح في صفوفها.
الحكومة مسؤولة عن ثغرات القانون لأنّها لم تسنده إلى أرقام ومعطيات واضحة فأصبحت الوعود التي يتضمّنها للمودعين، المنكوبين، احتمالات ورهانات في الهواء.
