الفصائل العراقيّة… بين القانون والخروج عنه!

مدة القراءة 7 د

مع بدء العدّ العكسيّ للعمليّة السياسيّة في العراق لإنجاز الاستحقاقات الدستوريّة، التي دخلت ضمن المهل القانونيّة التي حدّدها مجلس القضاء الأعلى بعد إعلان النتائج الرسميّة والنهائيّة للانتخابات البرلمانيّة، من المقرّر عقد أوّل جلسة للبرلمان الجديد في التاسع والعشرين من شهر كانون الأوّل 2025، لانتخاب رئيس جديد للبرلمان من المكوّن السنّيّ، ونائبين له من المكوّنين الشيعيّ والكرديّ.

 

تتسارع التطوّرات السياسيّة الساعية إلى بلورة صورة العراق الجديد، ولا سيما داخل المكوّن الشيعيّ الذي يواجه الاختبار الأوّل، نظراً لما يشكّله من ثقل أساسيّ ومؤثّر في مختلف هذه الاستحقاقات، علاوة على الصعوبات الكثيرة التي يواجهها على طريق تشكيل الحكومة الجديدة، والتي تُعدّ استحقاقاً دستوريّاً له، استناداً إلى العُرف الذي استقرّ في العراق منذ التغيير وأوّل انتخابات عام 2005.

يبدو أنّ ولادة التوافق النهائيّ بين أقطاب المكوّن السنّيّ، أو ما بات يُعرف بالمجلس الوطنيّ، على شخصيّة رئيس البرلمان الجديد، ما تزال غير واضحة. لا يزال الجدل مستمرّاً بين هذه الأقطاب في الشروط والشروط المقابلة التي يضعها كلّ طرف أو حزب داخل هذا المجلس.

تمديد المهل الدّستوريّة

إنّ عدم الاتّفاق على رئيس البرلمان قد يدفع إلى تمديد المهل الدستوريّة الخاصّة بانتخاب الرئاسات الثلاث، نتيجة ترابطها وتلازمها، فانتخاب رئيس الحكومة يستوجب انتخاب رئيس للجمهوريّة، وانتخاب رئيس الجمهوريّة يستوجب انتخاب رئيس للبرلمان، ومعه تُسجَّل الكتلة الكبرى التي تملك الأفضليّة في تسمية رئيس الوزراء.

إذا كانت التحدّيات المقبلة وضرورات الدفاع عن حقوق المكوّن السياسيّة والإداريّة والدستوريّة قد شكّلت الدافع الذي حدا بأقطاب وقيادات أحزاب المكوّن السنّيّ إلى الالتقاء تحت سقف المجلس الوطنيّ، فإنّ المؤشّرات توحي بصعوبة التوصّل سريعاً إلى اتّفاق.

ربط قادة الفصائل الذين أعلنوا هذا التحوّل قرارهم بالتكامل مع موقف المرجعيّات الدينيّة، لكن لم يوضحوا ماهيّة هذه المرجعيّات

في حين يُبدي رئيس حزب “تقدّم” ورئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي استعداده للتخلّي عن ترشيح نفسه لرئاسة البرلمان شرط أن يسحب زعيم حزب “عزم” مثنّى السامرائيّ ترشيحه، يتمسّك بحقّ حزبه في الاستحواذ على جميع المقاعد الوزاريّة الخاصّة بالمكوّن، استناداً إلى عدد المقاعد البرلمانيّة التي يملكها حزبه والبالغة 37 نائباً.

هذا مع العلم أنّ أيّ مرشّح آخر من داخل المكوّن لا يملك 25 مقعداً تؤهّله لتقديم مرشّح من صفوفه، بحسب نظام النقاط المعتمَد في توزيع الرئاسات، إذ يُحتسب 25 مقعداً لرئاسة البرلمان، فيما تُوزَّع الوزارات بواقع وزارة واحدة لكلّ 5 إلى 9 مقاعد داخل كلّ مكوّن، وفق كون الوزارة خدميّة أو سياديّة.

المشهد داخل “الإطار”

أمّا المشهد داخل المكوّن الشيعيّ، أو ما يُعرف بـ”الإطار التنسيقيّ”، فلا يبدو أكثر وضوحاً من نظيره داخل المكوّن السنّيّ. إذ لا يزال شبهَ مستبعَد حتّى الآن الاتّفاقُ على الشخصيّة المرشّحة لمنصب رئاسة السلطة التنفيذيّة.

العراق

في حين يتمسّك ائتلاف “التنمية والإعمار” بقيادة رئيس الحكومة المنتهية ولايته محمّد شياع السوداني، الذي يملك 50 مقعداً، بحقّه في الحصول على ولاية ثانية، وبحقّه في مشاركة حلفائه في الحكومة الجديدة استناداً إلى نظام النقاط المعتمَد، يتمسّك زعيم ائتلاف “دولة القانون” ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بترشيح نفسه ويمتنع عن ترشيح بديل عنه من داخل “الإطار” أو من خارجه، ولا سيما حيدر العبادي الذي يحظى بتأييد شعبيّ وسياسيّ من داخل “الإطار” وخارجه، بالنظر إلى تجربته الإداريّة والسياسيّة الناجحة. يعتبر بعض قادة “الإطار” هذا الموقف ورقةً للمساومة السياسيّة تقوم على انسحاب المالكي من السباق مقابل عدم ترشيح السوداني في الوقت نفسه.

 يشكّل ما قام به جهاز أمن الحشد الشعبي من اعتقال واثق البطاط، قائد جماعة “جيش المختار”، واعتباره تهديداً لأمن واستقرار العراق

في ظلّ حالة التعليق التي تعيشها الاستحقاقات الدستوريّة نتيجة عدم حسم أيّ من المكوّنات لخياراتها بشأن المرشّحين، يبدو “الإطار التنسيقيّ” أكثر الجهات تعرّضاً لضغوط داخليّة وخارجيّة تضعه أمام التزامات تتلاءم مع المرحلة الجديدة التي تمرّ بها المنطقة بأكملها، وليس العراق وحده. فقد دخلت واشنطن بوضوح على خطّ تسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، من خلال الشروط التي تضعها على قوى “الإطار”، وضرورة أن يمتلك رئيس السلطة التنفيذيّة برنامجاً سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً واضحاً يعالج بحزم أزمة السلاح المنفلت والخارج عن إطار الدولة والذي تستخدمه بعض الفصائل للضغط على الحكومة وفرض شراكتها والحصول على حصّتها في الدولة، وألّا يدخل في تسويات تسمح بدخول القوى والفصائل الموالية لإيران العمليّة السياسيّة والتشكيلة الحكوميّة.

التّخلّي عن الأجنحة العسكريّة

تشهد الحياة السياسيّة داخل المكوّن الشيعيّ في الأيّام الأخيرة، وتحديداً بين الفصائل المسلّحة التي تمتلك أجنحة سياسيّة شاركت في العمليّة الانتخابيّة وشكّلت غطاءً لمشاركتها في الحكومات السابقة، ظاهرةً لافتةً تتمثّل في سباق محموم بين هذه الفصائل لإعلان تخلّيها عن أجنحتها العسكريّة، ولا سيما تلك المدرجة على لوائح الإرهاب الأميركيّة، تلبيةً للدعوة التي أطلقها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان.

يأتي ذلك استناداً إلى الواقع الجديد الذي أفرزته الانتخابات، وحصول هذه الفصائل على تمثيل واسع في البرلمان يعكس حجم قواعدها الشعبيّة ومستوى التأييد الذي تتمتّع به، وهو ما يفرض عليها الانتقال إلى العمل السياسيّ والتخلّي عن السلاح، واعتماد مبدأ حصريّة السلاح بيد الدولة التي نجحت في محاربة مصادر الخطر وفرض الأمن والاستقرار.

ربّما يشكّل ما قام به جهاز أمن الحشد الشعبي من اعتقال واثق البطاط، قائد جماعة “جيش المختار”، واعتباره تهديداً لأمن واستقرار العراق وعاملاً في إثارة الفتن الطائفيّة، مؤشّراً إلى خطوات بدأت تلجأ إليها مؤسّسات متّهمة أميركيّاً بالولاء لإيران، في محاولة لإثبات تبعيّتها والتزامها توجيهات وسياسات الحكومة والقائد العامّ للقوّات المسلّحة.

مع بدء العدّ العكسيّ للعمليّة السياسيّة في العراق لإنجاز الاستحقاقات الدستوريّة، التي دخلت ضمن المهل القانونيّة التي حدّدها مجلس القضاء

انقسام الفصائل “الولائيّة”

غير أنّ اللافت في هذا التحوّل هو الانقسام الحاصل داخل هذه الفصائل، ففي حين فضّلت “كتائب الإمام عليّ” بقيادة شبل الزيدي، “كتائب سيّد الشهداء” بقيادة أبي آلاء الولائيّ، “حركة أنصار الله الأوفياء” بقيادة حيدر الغراوي و”عصائب أهل الحقّ” بقيادة قيس الخزعلي الانتقال إلى معسكر الدولة، في محاولة للالتفاف على الشروط الأميركيّة وضمان حصّتها ومشاركتها في الحكومة المقبلة، رفضت فصائل أخرى مثل “حركة النجباء” بقيادة أكرم الكعبي و”كتائب حزب الله” بقيادة أحمد محسن الحميداوي هذه الخطوة، وأعلنت تمسّكها بنهج “المقاومة” واستمراره، رافعةً مستوى التحدّي من خلال وصفها قوّات البيشمركة بالجماعة الخارجة عن القانون.

ربط قادة الفصائل الذين أعلنوا هذا التحوّل قرارهم بالتكامل مع موقف المرجعيّات الدينيّة، لكن لم يوضحوا ماهيّة هذه المرجعيّات، وهل كان القرار استجابةً لدعوة مرجعيّة النجف أم مرجعيّة طهران.

إقرأ أيضاً: القانون الذي سقط سهواً… يُسقط السّودانيّ عمداً؟

يزداد الالتباس في ظلّ توصيف هذه الفصائل بأنّها جماعات “ولائيّة” تتبع مبدأ ولاية الفقيه في إيران، وقد نشأت تاريخيّاً تحت إشراف ومواكبة وحماية قائد فيلق القدس السابق الجنرال قاسم سليماني. وهو ما يعزّز الشكوك في أنّ هذا التحوّل جاء نتيجة ارتفاع منسوب الخطر الذي تشعر به هذه الفصائل، واحتمال خسارة ما راكمته من مكاسب ومصالح في الدولة والحكومة والاقتصاد. يشير رفض فصائل ولائيّة مثل “حركة النجباء” و”كتائب حزب الله” الانضمام إلى هذا المسار حتّى الآن إلى حصول انقسامات داخل الفصائل الموالية لإيران بين جماعات فضّلت الحفاظ على المصالح وأخرى اختارت الالتزام الأيديولوجيّ والعقائديّ.

مواضيع ذات صلة

جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً…

تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال…

ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر…

إيران: عام طويل من الانتكاسات

قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق…