السُنّة يقلبون الطاولة السويسرية

مدة القراءة 5 د

“الأصدقاء والأحبة،

بعد مساء الخير،

نظراً لاضطرار بعض المشاركين في التغيّب لأسباب خاصة، وبعد إجراء مشاورات مع الجميع دون استثناء، تقرّر تأجيل الاجتماع الذي كان مقرراً يومي الجمعة والسبت 12-13، إلى موعد آخر يتم التوافق عليه بالتشاور معكم جميعاً”.

 

بهذه الرسالة أقفل الدكتور خلدون الشريف ملف الاجتماع الثالث للحراك السويسري الذي دعا إلى مناقشة بنود من وثيقة الطائف. ولأنّ الثالثة الثابتة، تبدو مغامرة الدكتور خلدون السويسرية لمناقشة اتفاق الطائف في محطاته الثلاث منذ العام 2022 انتهت إلى غير رجعة في جولتها الثالثة بالضربة القاضية عندما قلب النواب السُنّة المدعوون فيصل كرامي وأحمد الخير ابراهيم منيمنة، الطاولة السويسرية كل واحد منهم بعذر. وحده الدكتور الشريف أراد تصديق أعذارهم ليس اقتناعاً بحيثياتها بل تمسكاً بعدم اعلان وفاة المبادرة السويسرية كما يطلق عليها.

في احتفالية اتفاق الطائف في مطلع تشرين الثاني 2022 التي جرت في قصر الأونيسكو. توجه الدكتور الشريف إلى الوزير نهاد المشنوق قائلاً: “أنت قلبت الطاولة علينا”، قاصداً الدعوة للعشاء في السفارة السويسرية الذي تمّ الغاؤه. فأجابه المشنوق على مسمع السفير السعودي وليد البخاري الداعي إلى الاحتفال: “أكيد، لأن السُنّة لا يجلسون على طاولة بحث دستوري قبل حلّ مشكلة السلاح”.

يُحسب للدكتور خلدون الشريف أنه لا يكل ولا يمل في البحث عن ثقب إبرة لايجاد مكان له على طاولة الكبار

طموح مشروع وخيارات خاطئة

يُحسب للدكتور خلدون الشريف أنه لا يكل ولا يمل في البحث عن ثقب إبرة لايجاد مكان له على طاولة الكبار. هو يملك بعض مواصفات الحضور السياسي والثقافي، إلا أنّ المثل الشعبي الذي يقول: “زواج وزوجناك حظ من وين بدي جبلك؟” ينطبق عليه. ولأنّ غلطة الشاطر بألف غلطة، اختار هذه المرة ومنذ اكتوبر 2022 البحث في اتفاق الطائف ليحقق طموحاته وأحلامه، وهو خيار خاطئ بالشكل والتوقيت لعدة أسباب أهمها:

  • من حيث الشكل، يشكّل اتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية، الثابتة الوحيدة الضامنة لحفظ البلد واستقراره الدستوري والسياسي والديني، وأي تفكير باستبداله يشكل مغامرة بغياب المظلة العربية والدولية التي رعته. فمن أتى به اجماع عربي ودولي غير مسبوق لا يمكن أن يذهب به إلا اجماع مماثل وفي اتفاق الدوحة خير مثال حيث انهار بمجرد انهيار اصحاب المغامرة ومحورهم؟
  • من حيث التوقيت، جاءت الدعوة لهذا الاجتماع غير حكيمة وغير مدروسة كالدعوة الى عشاء السفارة السويسرية في أكتوبر 2022. فكيف يدعى لعشاء كهذا والساحة السياسية تعيش فراغاً سياسياً مع الفشل بإنتخاب رئيس للجمهورية؟ وتأتي الدعوة اليوم في خضم استحقاق مصيري هو حصرية السلاح بيد الدولة دون غيرها من الميليشيات والدويلات.

ليلة القبض على اللقاء الثالث

ما بين الدعوة لعشاء السفارة السويسرية عام 2022 والدعوة لاجتماع بيروت 12 كانون الاول 2025، تمكن الداعون الى اللقاء من تمرير اجتماع قصر الأمير أمين في بيت الدين على غفلة من حراس الطائف والدستور. إلا أن تهريب لقاء على التلة الشوفية لا يمكن أن يمر بأزقة المدينة فكيف إن كانت هذه المدينة هي بيروت بكل ما تعنيه من رمزية وصلابة وتاريخ من الصمود بوجه كافة الشاريع السياسية المربكة والمرتبكة والاحتلالات البائدة الاسرائيلي منها وغير الاسرائيلي؟ بتدبير بيروتي وعزيمة وطنية قلبت الطاولة السويسرية قبل انعقادها.

الموقف السنّي الحاسم من رفض الحراك السويسري ترافق مع رسالة حاسمة من القوات اللبنانية للمنظمين مفادها “لا نقاش في هذه المرحلة لأي ملف غير ملف حصرية السلاح بيد الدولة”. الساعة السويسرية توقفت عقاربها قبل أن يرتديها أصحابها.

من حيث الشكل، يشكّل اتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية، الثابتة الوحيدة الضامنة لحفظ البلد واستقراره الدستوري والسياسي والديني

التبرير المستنسخ

عندما أسقط عشاء السفارة السويسرية عام 2022، دافع المنظمون والداعون اليه عن أنفسهم بالقول: “العشاء حُمّل أكبر من حجمه”. بعد ثلاث سنوات بالتمام والكمال عاد الداعون الى المقولة ذاتها “اللقاء حُمّل أكبر من حجمه” يرون أن الحملة على اللقاء هي وجهة نظر سياسية بالرغم من أن اللقاء كما يصفونه هو نقاش تقني حول الاليات التنفيذية لاتفاق الطائف من مجلس شيوخ الى الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية وقانون الانتخاب، وليس حواراً حول تعديل اتفاق الطائف والعياذ بالله كما يقولون. هو برأيهم عصف فكري سياسي لتطبيق الطائف.

إقرأ أيضاً: من المسجد الحرام إلى المسجد الأمويّ

التبريرات في عالم الفقه والسياسة لا تسقط الارتكاب كما تقول مرجعية سنيّة بارزة. أي كلام عن الصيغة التي صاغها اتفاق الطائف في هذه المرحلة هو سلوك مشبوه لصرف النظر عن أولوية أساسية تعنون هذه المرحلة دولياً وعربياً ومحلياً وهي حصرية السلاح بيد الدولة. الأولوية اليوم واحدة لا تحتمل التأجيل أو الالتباس: تفكيك الدويلة، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة القرار الوطني من خارج منطق المساومات الرمادية. فالدول لا تُبنى بالمبادرات الملتبسة، ولا بالأفكار المعزولة عن توقيتها، بل بالشرعية، وبالدولة، وبمؤسساتها وحدها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً…

تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال…

ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر…

إيران: عام طويل من الانتكاسات

قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق…