تكرِّس إسرائيل الضفّة الغربيّة ساحةً أمنيّة متفجّرة في سرديّة متلازمة لمسؤوليها وإعلاميّيها، تُصوّرها في أحيان عديدة بأنّها أكثر خطورة من إيران ولبنان وقطاع غزّة، في سرديّة تُشنّ في ظلّها العمليّات العسكريّة الواحدة تلو الأخرى في الضفّة الغربيّة.
بعد أكثر من عامين من حرب الإبادة في قطاع غزّة، والحرب على لبنان وإيران واليمن، يتبنّى الجمهور الإسرائيليّ هذه السرديّة. فقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجراه معهد أبحاث الأمن القوميّ في جامعة تل أبيب أنّ 77% من الإسرائيليّين يرون أنّ الضفّة هي أكثر منطقة مُثيرة للقلق الأمنيّ، بينما قال 74% إنّ هذه المنطقة هي إيران، و65% أشاروا إلى غزّة، و64% إلى لبنان، و37% إلى سوريا، بينما رأى 28% أنّها اليمن.
تغذّي إسرائيل سرديّة التضخيم الأمنيّ للضفّة عبر تسريبات لا تتوقّف كاعتقال خلايا مسلّحة تخطّط لتنفيذ عمليّات كبيرة، أو ضبط مصانع لتصنيع العبوات الناسفة وبنية تحتيّة عسكريّة، وتصريحات لمسؤولين أمنيّين عن وجود مؤشّرات إلى انفجار أمنيّ في الضفّة الغربيّة، وفق سيناريو مشابه للسابع من أكتوبر/تشرين الأوّل، والزعم أنّ الأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة الفلسطينيّة تتدرّب على مواجهة إسرائيل.
تكرِّس إسرائيل الضفّة الغربيّة ساحةً أمنيّة متفجّرة في سرديّة متلازمة لمسؤوليها وإعلاميّيها، تُصوّرها في أحيان عديدة بأنّها أكثر خطورة من إيران ولبنان وقطاع غزّة
فرض أمر واقع
نقلت القناة 14 الإسرائيليّة مساء الإثنين 1 كانون الأوّل عن مسؤول أمنيّ إسرائيليّ قوله إنّ الضفّة الغربيّة تشكّل الساحة الأكثر إرباكاً لأجهزة الأمن الإسرائيليّة لأنّ أسلحة خطِرة تتدفّق إلى الداخل، والتنظيمات تكتسب خبرة وثِقة، وهذه الفصائل تعلم أنّ العمليّات الصغيرة مثل الطعن أو الدهس لا تحقّق أهدافها، لذلك تستلهم من أحداث غزّة وتتمرّن على سيناريوهات واسعة النطاق، في إشارة إلى عمل على غرار السابع من أكتوبر.
تحت غطاء هذه السرديّة، تواصل إسرائيل فرض الأمر الواقع في الضفّة الغربيّة، وتكريس احتلالها العسكريّ المباشر، وتضمّ آلاف الدونمات من الأراضي عبر عمليّات عسكريّة، على غرار العمليّة التي تشنّها في محافظة طوباس ومحافظات شمال الضفّة الغربيّة منذ أيّام لمحاربة “الإرهاب”، كما أعلنت إسرائيل، ومنع إنشاء مجموعات عسكريّة مسلّحة.
هذه الادّعاءات الإسرائيليّة تفنّدها الوقائع على الأرض التي تظهر أنّ العمليّة العسكريّة تبدو أقرب إلى التدريب العسكريّ من جهة، وفرض أمر واقع والتضييق على الفلسطينيّين وجعل الحياة أكثر صعوبة من جهة أخرى.
تحرص المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة على رفد سرديّتها ببروباغاندا عسكريّة من خلال وجود المسؤولين الإسرائيليّين في مناطق الضفّة، على غرار اقتحام بنيامين نتنياهو مدينة طولكرم قبل أسابيع، واقتحام رئيس أركان الجيش إيال زامير محافظة طوباس برفقة عدد من كبار القادة العسكريّين.
بدت عمليّة “الحجارة الخمس” التي أطلقها جيش الاحتلال في طوباس ذات طابع عسكريّ استعراضيّ، وأقرب إلى تدريب عمليّ شاركت فيه طائرات مروحيّة لسلاح الجوّ ونُفّذت عمليّات إنزال جوّيّ ودُفِع بثلاثة ألوية كاملة من المشاة وأرتال من الآليّات العسكريّة، وسط فرض منع تجوال وتنفيذ سلسلة طويلة من الانتهاكات والاعتداءات على الفلسطينيّين وأملاكهم.
قال محافظ طوباس أحمد الأسعد لـ”أساس” إنّ ما تقوم به إسرائيل في الضفّة الغربيّة هو هروب إلى الأمام بسبب الوضع داخل الحكومة في إسرائيل، والخلافات المركّبة والمختلفة داخل المؤسّسة العسكريّة، إضافة إلى اقتراب موعد الانتخابات العامّة، وهي اعتبارات تنعكس على الضفّة الغربيّة.
تابع الأسعد: “الأهداف التي أعلنها جيش الاحتلال للعمليّة العسكريّة ليست حقيقيّة. الهدف الحقيقيّ هو تطبيق خطّة ضمّ الضفّة، عبر فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض وسلب المزيد منها”، إضافة إلى أهداف أخرى تتعلّق بـ”إجراء تدريبات ميدانيّة حقيقيّة للجيش لإحداث تجانس في العمل الميدانيّ، وهذا ما يفسّر الدفع بوحدات مختلفة إلى المحافظة”.
أكّد الأسعد أنّه “لا توجد على أرض الواقع أهداف عسكريّة أو أمنيّة، والعمليّات العسكريّة في الضفّة ذات أهداف سياسيّة بالدرجة الأولى تقوم على إرهاق الشعب الفلسطينيّ وخلق بيئة طاردة له لإفراغ الأرض من المواطنين، تحقيقاً لفكرة الضمّ، خاصّة أنّ منطقة الأغوار ذات أهميّة استراتيجيّة واقتصاديّة، وقد وضعتها إسرائيل على رأس أهدافها”.
بدت عمليّة “الحجارة الخمس” التي أطلقها جيش الاحتلال في طوباس ذات طابع عسكريّ استعراضيّ، وأقرب إلى تدريب عمليّ شاركت فيه طائرات مروحيّة لسلاح الجوّ
جدار فاصل؟
ضمن هذه الرؤية لتحقيق الهدف الإسرائيليّ الاستراتيجيّ المتمثّل في قضم الأغوار، كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيليّة في 2 كانون الأوّل أنّ الجيش الإسرائيليّ يعمل على إقامة جدار فصل جديد في عمق منطقة الأغوار الشماليّة، على مسافة لا تقلّ عن 12 كيلومتراً غرب الحدود الأردنيّة، في خطوة ستؤدّي إلى عزل قرى عن أراضيها الزراعيّة وقطع التواصل بينها، وفق نموذج مشابه لجدار الفصل في الضفّة الغربيّة.
ذكرت صحيفة هآرتس أنّ المشروع، الذي دخل مراحل متقدّمة من التنفيذ، يتضمّن إنشاء مقطع يصل طوله إلى 22 كيلومتراً وعرضه إلى 50 متراً في شمال الأغوار، فيما تخطّط قوّات الاحتلال لهدم جميع المنشآت والبنى التحتيّة الواقعة ضمن مسار الجدار، بما يشمل منازل وحظائر وبيوتاً بلاستيكيّة ومخازن وأنابيب مياه وآباراً ومناطق زراعيّة.
من جانبه، قال الخبير الأمنيّ، رئيس المركز الفلسطينيّ للبحوث والدراسات الاستراتيجيّة محمّد المصريّ، لـ”أساس” إنّ إسرائيل انتهزت السابع من أكتوبر لتصعيد عنفها وإرهابها في الضفّة الغربيّة، دون الحاجة إلى ذرائع، مضيفاً: “لا يوجد اليوم أيّ عمل عسكريّ أو مقاومة في الضفّة، وهو ما يجعل الدواعي الأمنيّة التي تتذرّع بها إسرائيل واهية وغير صحيحة”.
إقرأ أيضاً: سوريا المكروهة إسرائيلياً: من إدلب إلى بيت جن
أكّد المصري أنّ الهدف الأساسيّ للعمليّة العسكريّة في طوباس هو تفريغ المناطق الريفيّة الواسعة من السكّان، ودفعهم إلى النزوح إلى المدن، تمهيداً للمزيد من التوسّع الاستيطانيّ، وخاصّة أنّ الأغوار منطقة استراتيجيّة تتمسّك بها إسرائيل وأعلنت مراراً أنّها تنوي ضمّها.
أضاف المصري أنّ “إسرائيل تطمح إلى أن تحصل عسكرة للضفّة الغربيّة للترويج أنّ خطراً يحدق بها، وبالتالي استحضار السابع من أكتوبر لتكرار ما نفّذته في غزّة”، وقد بدأت بذلك من خلال تدمير المخيّمات شمال الضفّة الغربيّة، ولذلك يُتوقّع أن تحمل الأيّام المقبلة تصعيداً كبيراً.
لفت المصري إلى أنّ كلّ التحرّكات الإسرائيليّة الآن مرتبطة بدخول إسرائيل عام الانتخابات، نظراً لوجود أكثر من 750 ألف مستوطن في الضفّة يمثّلون مجمّعاً انتخابيّاً كبيراً ترغب جميع الأحزاب في جذبه إليها.
