أعادت حرب 1973 بعض التوازن الذي خسره العرب في 1967، ولم تكن تداعياتها أقلّ وطأة ممّا أفرزته الحروب السابقة. بعد 1973 أصبح جنوب لبنان ساحةً وحيدةً للنزاع العربيّ–الإسرائيليّ، وسار حلفاء الأمس كلٌّ في طريقه: مصر باتّجاه معاهدة سلام مع إسرائيل في 1979، فيما اتّجهت سوريا منذ 1974 نحو الهدوء الكامل في الجولان الذي ضمّته إسرائيل في 1981.
في جنوب لبنان مواجهات عسكريّة بين التنظيمات الفلسطينيّة وإسرائيل، وفي الداخل حروب الميليشيات وامتداداتها الخارجيّة. سرعان ما وقع الصدام بين سوريا ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة في 1976. ثمّ جاء الاجتياح الإسرائيليّ الأوّل في 1978، تبعه الثاني الأوسع نطاقاً في 1982. وبين الاثنين مواجهة محدودة بين إسرائيل وسوريا في 1981.
قبل ذلك، ضربت إسرائيل مطار بيروت ودمّرت 13 طائرة أواخر 1968 ردّاً على خطف طائرة إسرائيليّة قامت بها “الجبهة الشعبيّة” انطلاقاً من لبنان. الاعتداء الصاعق الذي أرادته إسرائيل إنذاراً رادعاً سقط مع إقرار اتّفاق القاهرة وانطلاق الكفاح المسلّح من لبنان. احتدمت المواجهات مجدّداً في 1978 بعدما قامت مجموعة فلسطينيّة أتت عبر البحر من لبنان بتنفيذ عمليّة داخل إسرائيل أدّت إلى قتل وجرح عشرات المدنيّين. ردّت إسرائيل باجتياح واسع واحتلّت الجنوب وأنشأت “الحزام الأمنيّ” بكلّ مستلزماته العسكريّة وسواها. أمّا القرار الأمميّ 425 الداعي إلى انسحاب إسرائيل فظلّ حبراً على ورق.
تبقى الدولة الملاذ الأخير. خيار الدولة حمله الإمام موسى الصدر للتصدّي للحرمان ولحماية الناس من العدوان، وأوصى به الإمام محمّد مهدي شمس الدين صوناً لأمان الجميع في لبنان
نعمة ونقمة؟
بعد التحوّل في موازين القوى جرّاء اتّفاق كامب ديفيد، استعدّت إسرائيل لمواجهة منظّمة التحرير في لبنان، آخر معاقلها الحرّة. التزمت الفصائل الفلسطينيّة وقف إطلاق النار مع إسرائيل بوساطة أميركيّة في 1981 وسعت إلى ألّا تعطي الذرائع لعمليّة عسكريّة إسرائيليّة واسعة، مثلما حاولت الدولة اللبنانيّة بعد 1967 وفشلت. لكن سرعان ما أتت الذريعة بعد محاولة اغتيال سفير إسرائيل في لندن على يد تنظيم أبي نضال المنشقّ عن منظّمة التحرير. أخرج اجتياح 1982 الفصائل الفلسطينيّة من لبنان، ثمّ أخرجت سوريا “فتح” من طرابلس في 1983، وظلّت أوضاع الجنوب على حالها.
انطلقت مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ بعد 1982 على يد أطراف متعدّدة، لا سيما الحزب الشيوعيّ والحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. بعد انتهاء الحرب في 1990، انحصرت المقاومة بـ”الحزب” بدعم سوريّ–إيرانيّ. تواصلت المواجهات إلى أن أجبر “الحزب” إسرائيل على الانسحاب عام 2000.
في تلك المرحلة كان للتحرير وجهان: “نعمة” تجلّت بانسحاب إسرائيل، و”نقمة” رأتها سوريا ومؤيّدوها مع اشتداد المطالبة بانسحاب الجيش السوريّ. تصدّر المشهد الجديد البطريرك صفير وتمّ إنشاء “لقاء قرنة شهوان” الذي التقى مع التوجّه الذي أطلقه العماد ميشال عون منذ مطلع التسعينيّات. انسحب الجيش السوريّ عام 2005 مع تزايد المعارضة الداخليّة وتوسّعها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومع تردّي العلاقات السوريّة–الأميركيّة جرّاء تفاقم الحرب في العراق.
بعد عام 2000، رفعت المقاومة لواء تحرير مزارع شبعا ومحيطها من الاحتلال. بدت الأوضاع مستقرّة، إلى حين اندلاع حرب 2006. صمد “الحزب” واندحرت إسرائيل ولم تتحرّر مزارع شبعا. جاء القرار الأمميّ 1701 وانتشر الجيش في الجنوب للمرّة الأولى منذ منتصف السبعينيّات.
انخرط “الحزب” في الحرب السوريّة، بينما استعدّت إسرائيل للمواجهة المرتقبة من لبنان، إلّا أنّها أتت من غزّة. كانت عمليّة “طوفان الأقصى” فردّت عليها إسرائيل بالإبادة الجماعيّة. ومع حرب الإسناد بدّلت إسرائيل قواعد الاشتباك وحوّلت التكنولوجيا أداة قتل واغتالت القادة، واستعادت ليس فقط القدرة على الحركة بل حرّية الحركة العسكريّة في لبنان وسوريا.
حسابات الماضي ولّى زمنها. فلا إسرائيل على طريق الزوال، وأولويّة إيران مصالحها الذاتيّة، و”الرأسماليّة المتوحّشة” في تنافس بين أميركا والصين الشيوعيّة
الملاذ الأخير
بعد نصف قرن من الحروب، تخلّلها التحرير من احتلال أفرزته المواجهات بين المقاومة الفلسطينيّة وإسرائيل، لم يبقَ من معادلات الماضي سوى الشعارات والوعود. في الماضي جاءت مضامين السيادة على المقاس وبتفهّم إقليميّ ودوليّ. لكنّ ما كان جائزاً بالأمس لم يعد متاحاً اليوم.
خلافاً للواقع الفلسطينيّ حيث المواقف الإسرائيليّة متباينة، كان سياق الاستهداف الإسرائيليّ في لبنان واحداً: نشأت حرب شاملة مع المنظّمات الفلسطينيّة في 1982 وأخرى مماثلة مع “الحزب” في 2024. في لبنان دولة قائمة وإن مكبّلة، خلافاً لحالة اللادولة في فلسطين. أمّا المقاومة الشعبيّة فهي جائزة عندما تنتفي البدائل، أي عندما يكون الاحتلال شاملاً للأرض والشعب، مثلما كانت حال الجزائر وفيتنام فيما مضى وفرنسا زمن الاحتلال النازيّ.
إقرأ أيضاً: الشّيعة أهل عقل وأهل بصيرة
حسابات الماضي ولّى زمنها. فلا إسرائيل على طريق الزوال، وأولويّة إيران مصالحها الذاتيّة، و”الرأسماليّة المتوحّشة” في تنافس بين أميركا والصين الشيوعيّة. وحده لبنان في دائرة الخطر والمقاومة في مأزق، إذ إنّ تجنّب إعطاء الذرائع لإسرائيل وصفة للجمود، والعمل العسكريّ قفزة في المجهول. اعتداء إسرائيل على قطر بلا مبرّر فيما الاعتداء على لبنان بالمقارنة يسهل تبريره ودعمه. المقاومة المجدية تكون بالالتفاف الوطنيّ وليس بالرهان على الوقت الذي تتحكّم به اعتبارات تتجاوز الواقع اللبنانيّ، وآخرها اتّفاق “حماس”–إسرائيل.
تبقى الدولة الملاذ الأخير. خيار الدولة حمله الإمام موسى الصدر للتصدّي للحرمان ولحماية الناس من العدوان، وأوصى به الإمام محمّد مهدي شمس الدين صوناً لأمان الجميع في لبنان.
*استاذ جامعي وسفير سابق
