مملكة النّهوض الكبير واستعادة الدّولة العربيّة

مدة القراءة 8 د

كانت زيارة وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان للولايات المتّحدة تاريخيّة بالفعل، ليس بسبب الشراكة الاستراتيجيّة في التنمية والتقدّم فقط، بل بسبب الخطّة السعوديّة لاستعادة الدولة العربيّة في الشرق الأوسط وما وراءه. بدأت النتائج تظهر في السياسات التنمويّة الكبرى، وفي استعادة الدولة في سورية، وتأتي بعدها الدول في لبنان واليمن… والسودان. مع عودة الدول للظهور تتراجع الميليشيات ويتراجع الإسلام السياسيّ، ويستقيم المسار إلى الدولة الوطنيّة الفلسطينيّة.

 

مرّت على المشرق العربيّ وما وراءه قرابة ثلاثة عقود وهو في حالة سقوطٍ عموديّ على مستوى سلطات الدول وبناها وأراضيها، وعلى مستوى المجتمعات التي انقسمت على نفسها وصعدت فيها الميليشيات الطائفيّة المحليّة والمستورَدة وعصابات المخدّرات والجريمة. ما بقيت دولةٌ في الجوار القريب أو البعيد إلّا تدخّلت في شؤون دوله واقتطعت لنفسها مناطق ومراكز نفوذ في إدارات الدولة وفي القرار السياسيّ. في طليعة تلك الدول والجهات إسرائيل وتركيا وإيران وأميركا وروسيا.

لماذا حصل ذلك؟ لماذا توالت هذه الانهيارات؟

لا يمكن تعليل ذلك كلّه بهجمات 11 أيلول عام 2001 واندلاع الحرب العالميّة على الإرهاب (الإسلاميّ) لأنّ تفكّك لبنان واستيلاء سورية الأسد عليه والتشارك مع إيران على أرضه وسيادته سابقةٌ على ذلك.

لكنّ الهجمات “اللادنيّة” المروِّعة كانت حاسمةً في الإعراض عن إشراك العرب في ملفّات المشرق العربيّ من جانب الأميركيّين، على الرغم من محاولات المملكة السعوديّة ومصر تجنيب العراق الغزو الأميركيّ، وعلى الرغم من مشاركة دول عربيّة في الحرب الأميركيّة على الإرهاب، وعلى الرغم من عملهم على تجنّب الانقسام الفلسطينيّ (2007).

منذ الأربعينيّات والخمسينيّات من القرن العشرين ما كان بلدٌ عربيّ يعاني مشكلةً إلّا وكان للمملكة تدخّلٌ للمعالجة والحلّ، سواء أكان ذلك المشكل دوليّاً أو تنمويّاً. حتّى في فترة الصعود الناصريّ ما كانت المملكة تتردّد في المساعدة وهمّها الاستقرار والتنمية وتجنّب الحروب والفتن الداخليّة.

العقل الاستراتيجيّ للمملكة في عهد الملك سلمان ووليّ عهده يعلم أنّ المحيط العربيّ ضروريٌّ في الرؤية الشاملة وفي الخطّة التنموية الكبرى

يُقال دائماً إنّ السياسات الخارجيّة للدول ليست سياسات إحسان وصدقات وأعمال خيريّة. لكنّها كانت كذلك مع السعوديّة. الاعتقاد أنّ الخير هو أيضاً يمكن أن يكون عملاً سياسيّاً. لنتذكّر ما فعله الملك فيصل مع مصر بعد هزيمة عام 1967.  

على كلّ حال بعد واقعة عام 2001 وغزو العراق 2003 ما عاد الأميركيّون يُصغون وفتحوا آذانهم وعيونهم لإيران وتركيا… وإسرائيل. هذه الأطراف الثلاثة أقبلت براحةٍ وفرح عند السماح لها على تفكيك المشرق العربيّ وما وراءه إلى الصومال وليبيا والسودان.

باقتراح سعوديّ أو تركيّ تشكّلت بعد عام 2003 لجنة دول جوار العراق للتوسّط في الخروج التدريجيّ للقوّات الأميركيّة، الذين كانوا يظنّون أنّهم يستطيعون ذلك عام 2006! قال العضو الإيرانيّ في اللجنة للمجتمعين في طهران عام 2005: لا تطمعوا في خروج الأميركيّين إلّا إذا توقّفتم عن مساعدة المقاومة السنّيّة! بالطبع ما كان السعوديّون يساعدون الأصوليّات المقاتلة والمتقاتلة، لكنّهم فهموا أنّ الأميركيّين يفضّلون الشراكة الإيرانيّة في العراق على الشراكة السعوديّة والأردنيّة والمصريّة!

المملكة

في عام 2010 حين فاز في الانتخابات العراقيّة بتشكيل الكتلة الكبرى إياد علّاوي وهو غير “متأيرن”، ظنّ العرب أنّ الأميركيّين سيفضّلونه على نوري المالكي، لكن حدث العكس باتّفاق الأميركيّين والإيرانيّين على المالكي. عندما جرت معاتبة الأميركيّين عام 2005 على بقاء النفوذ السوريّ وتعاظُم النفوذ الإيرانيّ بلبنان على الرغم من خروج القوّات السوريّة، قيل لهم إنّ الإيرانيّين أقدر على الوفاء بتعهّداتهم تجاه الأجانب بلبنان وتجاه إسرائيل. لكن في عام 2006 شنّ “الحزب” كما هو معروف حربه الانتصاريّة على العدوّ.

رعاية أميركا للمصالح الإيرانيّة والإسرائيليّة

يمكن تعديد عشرات الوقائع لرعاية الولايات المتّحدة للمصالح الإيرانيّة والتركيّة والإسرائيليّة بالدول العربية وعدم قبول التدخّل العربي للتهدئة والترميم. عادت هذه الأيّام أحاديث “الكيمياويّ” في عهد الأسد، وكان باراك أوباما قد اعتبر القصف بـ”الكيمياويّ” خطّاً أحمر، لكنّه سرعان ما عفا عن الأسد بعد مهاجمة الغوطة بالكيمياويّ عام 2014 إكراماً للروس وللإيرانيّين… وللإسرائيليّين الذين كانوا يريدون استمرار الأسد.

يُقال دائماً إنّ السياسات الخارجيّة للدول ليست سياسات إحسان وصدقات وأعمال خيريّة. لكنّها كانت كذلك مع السعوديّة

عندما عقد أوباما اتّفاقه مع إيران في الملفّ النوويّ عام 2015 أدرك كثيرون لماذا مكّن إيران في العراق وسورية ولبنان طوال حوالى عقد من السنين. قبل ذلك ما كان العرب يقبلون إسقاط الرئيس حسني مبارك عام 2011 خوفاً على مصر من الاضطراب، لكنّ أوباما أصرّ على ذلك، بل واستحسن استيلاء “الإخوان” على السلطة بين 2012-2013.

انتهت حقبة الاستهداف العربيّ بزيارة دونالد ترامب في ولايته الأولى عام 2017 للمملكة حيث جمع الملك سلمان بن عبدالعزيز 55 دولة عربيّة وإسلاميّة. هو يعرف ويعرف العرب الآخرون أنّ سياسات ترامب العربيّة غير سياسات أوباما والديمقراطيّين.

لم يبدأ يومها العهد السعوديّ – الأميركيّ الجديد، والدور السعوديّ في العالم العربيّ والعالم الأوسع. بدأ عهدٌ جديدٌ وواعدٌ بعد خطّة 20/30 الكبرى للتنمية الشاملة. الذهاب السعوديّ باتّجاه روسيا والصين وأوروبا كان لتلبية احتياجات الخطّة، والاشتراع لرؤيةٍ جديدةٍ  للعالم والدور. تأخّر الأمر بعض الشيء أيضاً خلال فترة التأهُّل العالميّ لأنّ إدارة جو بايدن تابعت سياسات أوباما في مخاصمة العرب الديكتاتوريّين (!) ومصادقة الإيرانيّين والأتراك الديمقراطيّين جدّاً!

المصالح المشتركة تحكم العلاقة

في رحلة ترامب الثانية إلى المملكة، ثمّ رحلة وليّ العهد السعوديّ إلى الولايات المتّحدة، صار واضحاً أنّ المصالح المشتركة هي التي تحكم العلاقة، وأنّ الاستثمارات السعوديّة الهائلة هي حاجة سعوديّة بسبب التنمية الشاملة وإرادة التقدّم التي تقطع الأنفاس، وحاجة أميركيّة ملحاحة لسياسات ترامب الهادفة إلى استعادة سياسة أميركا أوّلاً (أو “ماغا”).

تمتلك السعوديّة رؤيةً كبرى تبلورت في خطّة، وتقيم الشراكات والاتّفاقات الاستراتيجيّة على أساسٍ منها، ولأميركا أهميّة فائقة في إنفاذها في شتّى جوانبها.

تكافح المملكة العربيّة السعوديّة لاستعادة ثقافة الدولة وتقاليدها في المشرق العربيّ وما وراءه

العقل الاستراتيجيّ للمملكة في عهد الملك سلمان ووليّ عهده يعلم أنّ المحيط العربيّ ضروريٌّ في الرؤية الشاملة وفي الخطّة التنموية الكبرى. لاحظنا ذلك في منصّة جدّة للسودان وفي الرباعيّة، وفي الاندفاعة الكبرى تجاه سورية وإقناع أميركا بفكّ الحصار عنها، وقبل ذلك وبعده في الجهد الكبير لوقف حرب غزّة، والسير في مشروع الدولتين بفلسطين. هي سياساتٌ كبرى استدار العالم، وفي الطليعة الولايات المتّحدة، من أجل اللحاق بالمملكة فيها. ما نسيت المملكة العراق ولا لبنان، لكنْ دونما عودةٍ لخطوط التصادم مع طهران التي كانت عبئاً على العرب واستقرارهم وصارت عبئاً على نفسها.

استعادة ثقافة الدّولة في المشرق

تكافح المملكة العربيّة السعوديّة لاستعادة ثقافة الدولة وتقاليدها في المشرق العربيّ وما وراءه، ويتمثّل ذلك:

– في مناضلة الميليشيات المسلّحة الإيرانيّة وغيرها واستعادة وحدة الدول وسيطرتها على أرضها.

– في مناضلة تنظيمات الجريمة والمخدّرات وغسل الأموال.

– في تصويب المسار الفلسطينيّ بعد طول انحراف، بما في ذلك حماية الناس والإدارات ليس في فلسطين وحدها، بل وفي سورية ولبنان واليمن أيضاً.

– في التطلّع والعمل لإخماد الحرب في السودان واستبقاء دولته ووحدته.

– في المساعدات التنمويّة والإنسانيّة والسياسيّة، سواء في غزّة أو في اليمن. إذ ما نسي وليّ العهد اليمن الذي يعلم الأميركيّون خطورة ميليشياته على أمن الخليج والبحر الأحمر والمحيط، وقبل ذلك وبعده وحدة شعبه وأرضه.

صعدت المملكة في عهد الملك سلمان ووليّ عهده إلى الأفق العالميّ، فعاد العرب إلى الطاولة تتقدّمهم السعوديّة بالدور والمسؤوليّة

– بسبب المصالح الأميركيّة الاستراتيجيّة بالمنطقة، وتأثيرها الحاسم على إسرائيل، وسياسات ترامب السلميّة، يستعين وليّ العهد في إنفاذ برنامجه بالشراكة الأميركيّة والتوافق على المساعي المشتركة حيث يكون ذلك ضروريّاً.

ما عاد أحدٌ يستطيع تجاهل المملكة أو التغوّل على دورها في المنطقة والعالم. الإيرانيّون كثيرو الاتّصال. رأيت رجب طيّب إردوغان في مؤتمر العشرين يطبطب على كتف وزير الخارجيّة السعوديّ فيصل بن فرحان. الإسرائيليّون يفكّرون كثيراً في صفقة التبادل الكبرى: الدولة مقابل العلاقة.

إقرأ أيضاً: متى تستقر سورية في مواجهة المخاطر الكبرى؟

صعدت المملكة في عهد الملك سلمان ووليّ عهده إلى الأفق العالميّ، فعاد العرب إلى الطاولة تتقدّمهم السعوديّة بالدور والمسؤوليّة. لا نريد أن نواجه العالم ولا نقبل التغول. بل نريد أن نكون ونبقى جزءاً من العالم ونسهم في أمنه وتقدّمه.

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…

إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة

يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة. اكتسبت قيادتها الممثّلة بثنائيّ “الحزب”…

مؤتمر دعم الجيش: إعادة سلاح “الحزب” إلى سوريا..

تستعدّ باريس لتنظيم مؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ المعوّل عليه لمساعدة المؤسّسة العسكريّة في تنفيذ مهمّة حصر السلاح، حيث تدور في أجواء المؤتمر أربعة شروط يفترض…

واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

بالتزامن مع تحديد موعد ومكان الجولة الثانية من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، المقرّرة اليوم الثلاثاء  في مدينة جنيف السويسريّة، بدأت تتّضح صورة الملفّات المطروحة على…