خلص المسؤولون اللبنانيّون، استناداً إلى ما سمعوه من الموفدين الذين توافدوا إلى بيروت، إلى أنّ إسرائيل لن توسّع حربها على لبنان قبل 31 كانون الأوّل المقبل. غير أنّ أيّاً من هؤلاء الموفدين لم يقدّم ضمانة حقيقيّة تمنع اندلاع الحرب بعد هذا التاريخ. في هذا السياق، تدعو أوساط سياسيّة السلطة اللبنانيّة إلى التفكير خارج الأطر التقليديّة، في حال تعثّرت الجهود مع إسرائيل وإيران لبدء تنفيذ اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة مطلع العام المقبل. فيما عاد إلى التداول بقوّة طرحٌ يقضي بأن يعلن لبنان تعليق تنفيذ القرار الدولي 1701 ما دام الطرفان المعنيّان يمتنعان عن التزام تنفيذه.
لبنان مُعفى من توسيع الحرب حتّى آخر السنة؟ كان آخر الموفدين الدوليّين الذين أوحوا بذلك مستشارة الرئيس الفرنسيّ آن كلير لوجاندر والجانب الأميركيّ. لكنَّ وفاء لبنان بالتزامه حصر السلاح وسحبه من “الحزب”، وفق المرحلة الأولى لخطّة الجيش التي تشمل جنوب نهر الليطاني، سيحتاج إلى التدقيق في ما أُنجز، والانتقال إلى شمال نهر الليطاني.
ينصّ اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة بالنسبة إلى الوسطاء الدوليّين على العمليّة “بدءاً من جنوب الليطاني”. لا لبس لدى المجتمع الدوليّ وإسرائيل، وحتّى السلطة اللبنانيّة، في أنّ هذا يعني استكمالها شماله، وأنّ التثبّت من إتمام المرحلة الأولى يتبعه حتماً سحب السلاح في لبنان كلّه.
لذلك وزّعت خطّة الجيش استكمالها على 4 مناطق باقية. يُفترض أن يبدأ فوراً التنفيذ فيها، خلافاً لتفسير “الحزب” الذي حصرها في الجنوب. وتُرجّح معلومات “أساس” أن تكون لوجاندر أبلغت قيادة “الحزب”، حين التقتها، بأنّ انتهاء المرحلة الأولى لا يُعفي شمال الليطاني. وتبلّغ بذلك كبارُ المسؤولين اللبنانيّين.
خلص المسؤولون اللبنانيّون، استناداً إلى ما سمعوه من الموفدين الذين توافدوا إلى بيروت، إلى أنّ إسرائيل لن توسّع حربها على لبنان قبل 31 كانون الأوّل المقبل
التّنسيق الفرنسيّ – الأميركيّ – السّعوديّ وسقطات “الحزب”
هنا الامتحان المقبل، ابتداءً من مطلع عام 2026، الذي يصرّ عليه الموفدون، وقد حرّك الجانبُ الفرنسيّ محرّكاته في هذا الاتّجاه، في ظلّ التهديدات الإسرائيليّة بالويل والثبور وبعملٍ عسكريّ وشيك. ويزداد التشديد على هذا المسار بعد تنسيقٍ مكثّف مع الجانب الأميركيّ عبر التواصل مع مورغان أورتاغوس، ومع الجانب السعوديّ عبر موفد المملكة الخاصّ إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان، وذلك في محاولة حثيثة لتجنيب لبنان “القدر” الإسرائيليّ المقبل.
حجّة تل أبيب هي قيام إيران و”الحزب” بإعادة ترميم بنيته العسكريّة التحتيّة جنوب الليطاني (وشماله). ولا تتوانى قيادة “الحزب” والمسؤولون في طهران عن “تدعيم” هذه الحجّة بشكل شبه يوميّ، مع “عنتريّاتٍ” مقابلة لتهديدات تل أبيب. هذا على الرغم من أنّ الوسط السياسيّ اللبنانيّ رأى في حديث الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم عن أنّ المستوطنات الإسرائيليّة آمنة، تطميناً للجانب الإسرائيليّ. فـ”الحزب”، كلّما سعى إلى استنباط الحجج لرفضه سحب سلاحه، يقع في سقطاتٍ تعاكس تلك الحجج.
قال قاسم في كلمته في 11 الشهر الجاري: “إسرائيل لم تتمكّن من جرّ المقاومة أو لبنان إلى تبادلٍ (لإطلاق النار) يؤدّي إلى إعطاء ذريعة لإسرائيل بأنّه لم يُنفَّذ الاتّفاق، وبالتالي أمن المستوطنات كان موجوداً بشكل عاديّ وطبيعيّ، ولا تستطيع إسرائيل أن تدّعي أنّ أمنها مُعرّض للخطر”.
وجد المراقبون أنّ “تطمين” قاسم على أمن المستوطنات حجّةٌ معاكسة لقوله السابق إنّ احتفاظه بالسلاح عنصرُ قوّةٍ للبنان في وجه العدوانيّة الإسرائيليّة، في وقت يمتنع عن استخدامه ضدّ استمرار انتهاكات تل أبيب القاتلة والمدمّرة المتواصلة منذ سنة للاتّفاق.
وجد المراقبون أنّ “تطمين” قاسم على أمن المستوطنات حجّةٌ معاكسة لقوله السابق إنّ احتفاظه بالسلاح عنصرُ قوّةٍ للبنان في وجه العدوانيّة الإسرائيليّة
بقاءُ الاحتلال يعيق إنجاز المرحلة الأولى
لكنّ الموفدين، ومنهم رعاة الاتّفاق، الذين يسلّمون بصحّة حجّة لبنان الرسميّ و”الحزب” القائلة إنّ إسرائيل لم تنفّذ ما عليها بالانسحاب خلال 60 يوماً من وقف النار، يقفون عاجزين عن تبرير استمرار هذا الانتهاك الفاضح.
ينزع الانسحابُ من “الحزب” حجّته من جهة، ويسهّل للجيش انتشاره وصولاً إلى الحدود الدوليّة وتشديد إجراءاته في تلك المنطقة من جهة ثانية. بقاءُ الجيش الإسرائيليّ في التلال التي يحتلّها وبناؤه جداراً في مناطق اعتبرتها “اليونيفيل” لبنانيّة، سيوقِع الجيش في مأزق عدم استكمال تنفيذ ما التزمه جنوباً، في 31 كانون الأوّل المقبل، على الرغم من نشره 9,000 جنديّ هناك. وهو ما لا ينسجم مع المديح المتواصل من أميركا وفرنسا والأمم المتّحدة، الأعضاء في لجنة “الميكانيزم”، لِما أنجزه.
توثيق إنجاز الجيش
يستبق الموفدون الدوليّون انتهاء مهلة تنفيذ المرحلة الأولى بالتهيّؤ للمرحلة المقبلة كالآتي:
- على لبنان أن يُوثّق ما أنجزه من حصر السلاح بيد الدولة، وربّما على قوّات الأمم المتّحدة (اليونيفيل) أن تقوم بهذا العمل التوثيقيّ المفصّل.
- ما تسرّب إلى البعض من فحوى محادثات لوجاندر يفيد بأنّ إظهار لبنان لتنفيذ التزاماته، وتوثيق “اليونيفيل” لهذه الخطوات عبر مواكبتها دوريّات الجيش، سيمنحان فرنسا حجّة أقوى لإقناع الدول المانحة بتقديم الدعم المطلوب للمؤسّسة العسكريّة، استناداً إلى لائحة الاحتياجات التي تضعها القيادة لاستكمال سحب السلاح شمال الليطاني. ويبدو أنّ التنسيق الفرنسيّ–السعوديّ أفضى إلى استعدادٍ سعوديّ لمنح تقويمٍ إيجابيّ لِما يحقّقه الجيش على الأرض.
إقرأ أيضاً: نهاية نظام الإقطاع السّياسيّ
تعتقد أوساط سياسيّة لبنانيّة أنّ خروج لبنان من المأزق مطلع العام يحتاج إلى تطوّرٍ مزدوج:
- الأوّل: أن يتمكّن وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان من إقناع الرئيس دونالد ترامب، عند طرح أزمة لبنان، بالضغط على إسرائيل كي تنسحب مقابل إجراءات الجيش جنوباً، كي يستكملها شمالاً.
- الثاني: أن تقتنع إيران، جرّاء اختراقٍ ما في حوارها المفترض مع أميركا، بإعفاء “الحزب” من التشدّد في رفض سحب سلاحه لجعله ورقة بيدها.
بالموازاة، يزداد في بعض الأوساط السياسيّة الحديث عن اقتراح “تجميد” أو “تعليق” لبنان الرسميّ تنفيذَه القرار 1701، الذي قيل إنّ قائد الجيش اللواء رودولف هيكل اقترحه أثناء عرضه التطوّرات جنوباً على مجلس الوزراء، بسبب عدم انسحاب إسرائيل. وسواء صحّ نفي مصادر وزاريّة ذلك أم لا، تعتقد هذه الأوساط أنّها قد تكون خطوة تقلب الطاولة وترمي المعضلة بوجه إيران وأميركا، وبوجه إسرائيل بحجّة مسؤوليّتها عن عدم تنفيذ هذا القرار منذ عام 2006.
لمتابعة الكاتب على X:
