واشنطن تعيد صياغة مقاربتها السّودانيّة؟

مدة القراءة 7 د

هل كان انفصال جنوب السودان حتميّاً أم غياب قادة بارزين مثل جون غارانغ مهّد الطريق لذلك؟ وكيف لعبت التدخّلات الإقليميّة والدوليّة دوراً في فرض واقع الانفصال؟ وهل تتعلّم واشنطن من تجربة جنوب السودان لتعيد صياغة سياساتها تجاه الخرطوم؟ وما هي حدود التدخّل الأميركيّ اليوم بين حماية وحدة السودان ومنع الانهيار الكامل، وبين قبول واقع تقسيم فعليّ على الأرض؟

 

 

عام 2003 التقيتُ الزعيم الراحل لـ”الحركة الشعبيّة لتحرير السودان” جون غارانغ في القاهرة، على هامش اجتماعاته مع المسؤولين المصريّين لبحث مسار مفاوضات “نيفاشا” ودور القاهرة في دعم وحدة السودان. تلك المفاوضات التي تُوِّجت باتّفاق سلام أنهى أطول حرب أهليّة في إفريقيا بين شمال السودان وجنوبه، فشلت لاحقاً في تحقيق هدفها الأكبر: الحفاظ على السودان دولةً موحَّدةً بعد عام 2011.

يعتقد كثيرون في الشمال والجنوب أنّ غارانغ، الذي قضى في حادث سقوط طائرته قبل أشهر من الاستفتاء، لو بقي على قيد الحياة، لواجه خيار الانفصال بشدّة

حلّ وسط

في ذلك اللقاء سألته مباشرة: هل تُشكِّل مفاوضات “نيفاشا” مقدّمةً للانفصال؟ وهل يؤيّد غارانغ استقلال جنوب السودان؟ جاء جوابه حاسماً في رفض الانفصال على نحو قاطع. قال لي: “اسم التنظيم الذي أقوده هو الحركة الشعبيّة لتحرير السودان… كلّ السودان وليس جنوبه فقط. رؤيتي واضحة: سودان جديد موحَّد، قائم على المواطنة بلا تمييز، يُنهي هيمنة المركز ويُعيد بناء الدولة، دولة علمانيّة غير قائمة على الدين أو العِرق، وتوزيع عادل للسلطة والثروة”.

أضاف أنّ الانفصال ليس حلّاً بل نتيجة لفشل الدولة السودانيّة، وأنّه وافق على مبدأ تقرير المصير في نيفاشا كحلٍّ وسط، لكنّه راهن على أنّ الجنوبيّين سيختارون الوحدة إذا تحسَّنت شروط المواطنة. وبعد توقيع الاتّفاق عام 2005 أعلن أنّه سيعمل على جعل الوحدة خياراً جاذباً.

يعتقد كثيرون في الشمال والجنوب أنّ غارانغ، الذي قضى في حادث سقوط طائرته قبل أشهر من الاستفتاء، لو بقي على قيد الحياة، لواجه خيار الانفصال بشدّة أو على الأقلّ لخفَّف اندفاع الجنوبيّين نحوه.

أمّا الزعيم الإسلاميّ الراحل الدكتور حسن الترابي، قائد “ثورة الإنقاذ”، فقد كرّر لي في لقاءات خاصّة أنّ الانفصال لا يخدم مصلحة الجنوبيّين. كان يؤكّد أنّ الشمال أغنى اقتصاديّاً، وأنّ دولة الجنوب الحبيسة لا تملك منفذاً بحريّاً إلّا عبر الشمال، وأنّ الانفصال سيقود إلى صراعات قبليّة بين الدينكا والنوير والشلك. وهو ما وقع فعلاً بعد الاستقلال، إذ غرقت البلاد في موجات دامية من الاحتراب القبليّ، واضطرّت جوبا إلى التنازل للخرطوم عن جزء كبير من عائدات النفط مقابل استخدام ميناء بورتسودان.

تهدف إعادة تقديم هذه الشهادات اليوم إلى التأكيد أنّ انفصال جنوب السودان لم يكن خياراً حتميّاً ولا رغبةً راسخةً لدى أبرز قادة الجنوب أو الشمال، بل كان نتاج مسارٍ معقَّدٍ من الإخفاقات الداخليّة والتدخّلات الإقليميّة والدوليّة.

مهّد الغياب القسريّ والمريب لغارانغ الطريق للانفصال. وصول سلفا كير، الأكثر ميلاً للحكم الذاتيّ والأقلّ حماسة للوحدة، سرَّع العمليّة

كيف مهّد غياب غارانغ لانفصال الجنوب؟

مهّد الغياب القسريّ والمريب لغارانغ الطريق للانفصال. وصول سلفا كير، الأكثر ميلاً للحكم الذاتيّ والأقلّ حماسة للوحدة، سرَّع العمليّة. وعمّقت حكومة الخرطوم فشلها في إدارة التنوّع، وفرضت هويّةً دينيّة على بلدٍ متعدِّد، وطبّقت الشريعة على جنوبيّين يُشكِّل الأرواحيّون 66% منهم، مقابل 17% مسيحيّين و17% مسلمين. هذا التنافر بين “السودان الجديد” و”دولة الإنقاذ” جعل مشروع الوحدة شبه مستحيل.

على الرغم من أهميّة كلّ ذلك، لم يكن ليُصبح الانفصال واقعاً من دون سند خارجيّ كبير. فبعد نهاية الحرب الباردة، تغيّر السياق الدوليّ، وأصبحت الولايات المتّحدة والدول الأوروبيّة أكثر دعماً لحقّ تقرير المصير لأسباب جيوسياسيّة ودينيّة. وجدت واشنطن في الجنوب ورقة ضغط على النظام الإسلاميّ في الشمال، وشجّعت، مع الكنائس الأميركيّة وإسرائيل، بيئة دوليّة مائلة للانفصال عبر:

  • فرض عقوبات اقتصاديّة قاسية على الخرطوم.
  • دعم الحركة الشعبيّة سياسيّاً ودبلوماسيّاً وتحويلها إلى شريك دوليّ معترف به.
  • الترويج إعلاميّاً لصراع فيه “شمال مسلم يضطهد جنوباً مسيحيّاً – إفريقيّاً”.
  • توفير دعم لوجستيّ غير مباشر عبر أوغندا وكينيا وإثيوبيا.
  • هندسة اتّفاق نيفاشا بطريقة تجعل تقرير المصير حتميّة سياسيّة عبر وجود جيشين منفصلين طوال الفترة الانتقاليّة.
  • إنشاء حكومة جنوبيّة شبه مستقلّة قبل الاستفتاء، ودعم مؤسّساتها وتهيئتها لممارسة الحكم.
  • دفع إدارة باراك أوباما بقوّة نحو الاستفتاء، وإجبار الخرطوم على القبول بنتائجه مسبقاً، والاعتراف السريع بالدولة الوليدة.

لماذا السّودان وليس الأكراد؟

لماذا سمحت واشنطن بانفصال جنوب السودان ولم تسمح بذلك في كردستان العراق و”روجافا” في سوريا؟

لأنّ تقسيم السودان لا يغيّر خرائط الشرق الأوسط، فيما استقلال الأكراد سيشعل الإقليم كلّه. فالأكراد موزّعون على أربع دول محوريّة: العراق، سوريا، تركيا وإيران، ومنحهم دولة سيعني مواجهة مباشرة مع تركيا، وتعقيد الصراع مع إيران، وشلل العراق، وانهيار توازنات الطاقة. لذا الفصل الكرديّ خطّ أحمر دوليّاً. أميركا تريد الأكراد شركاء، لا دولة مستقلّة.

إلى ذلك سيكون النفط السودانيّ، خارج سيطرة الخرطوم، خسارة للصين ومكسب لحلفاء واشنطن، بينما نفط كردستان مرتبط بالبنية التحتيّة العراقيّة والتركيّة والغربيّة، واستقلال الأكراد سيخلق فوضى في أسواق الطاقة العالميّة. فهل تُشجّع واشنطن على تقسيم جديد للسودان؟

قد يُبطئ نجاح واشنطن في فرض حظر فعليّ على السلاح زخمَ “الدعم السريع” ويمنح الجيش بقيادة عبدالفتّاح البرهان فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، لكنّ تطبيق الحظر يواجه عقبات كبيرة

هل تُعيد واشنطن النّظر في أخطائها؟

تجربة جنوب السودان لم تكن ناجحة: دولة غارقة في حرب أهليّة، غير مستقرّة، وفقيرة، وانتقلت تدريجاً إلى النفوذ الصينيّ. لذلك تميل واشنطن اليوم إلى منع انهيار السودان، لا إلى تقسيمه مجدّداً.

شهد الموقف الأميركيّ أخيراً تحوّلاً لافتاً، مع دعوة وزير الخارجيّة ماركو روبيو إلى تحرّك دوليّ لقطع إمدادات السلاح عن “قوّات الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتّي” وتحميلها مسؤوليّة التصعيد، وفرض عقوبات على قادتها. يشير هذا الموقف إلى رغبة أميركيّة في التأثير على موازين القوى لوقف الحرب، لا لإعادة إنتاج سيناريو الانفصال.

إقرأ أيضاً: سقوط “الأبيض” يرسم مستقبلاً سودانيّاً أسود

قبل هذا التصريح الذي أدلى به روبيو في كندا على هامش اجتماعات مجموعة السبع، كانت واشنطن تعتبر الجيش السوداني و”الدعم السريع” طرفين متساويَين في المسؤوليّة عن الحرب، لكنّها باتت تميل إلى موقف أكثر صرامة ضدّ “الدعم السريع” بعد مجازر الفاشر.

قد يُبطئ نجاح واشنطن في فرض حظر فعليّ على السلاح زخمَ “الدعم السريع” ويمنح الجيش بقيادة عبدالفتّاح البرهان فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، لكنّ تطبيق الحظر يواجه عقبات كبيرة: هشاشة الدولة، تعدّد أطراف التهريب وتضارب مصالح القوى الإقليميّة.

إذا لم تتغيّر موازين القوى جذريّاً، فقد تميل واشنطن إلى قبول التقسيم الواقعيّ (de facto) لا التقسيم الرسميّ، على غرار ما يجري في ليبيا وسوريا: سلطة مركزيّة ضعيفة، وأقاليم مستقلّة فعليّاً بلا اعتراف.

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…