“الحزب” يريد تطويع “الطّائف”

مدة القراءة 9 د

ثمّة خلط في المصطلحات، بين حقّ المقاومة، وبين سلاح المقاومة. يستند “الحزب” إلى الأوّل، لتبرير التمسّك بالثاني. الفرق نوعيّ بين الأمرين. حقّ الدفاع عن النفس، معترف به حتّى في نصّ إعلان وقف إطلاق النار بعد الحرب الأخيرة. لكنّ استعمال العنف المشروع تحتكره الدولة، ومنه حقّ الدفاع، وردّ العدوان، من أيّ جهة، كما هو متعارَف عليه، في القوانين السارية في العالم.

السؤال المطروح من “الحزب”، أو الإشكاليّة التي يناور حولها: هل توجد دولة أصلاً، حتّى نسلّم لها السلاح، ونأتمنها على ردع العدوان؟

 

اهتمام مفاجئ بتطبيق الطّائف

من تأويل إعلان وقف النار مع إسرائيل العام الماضي، إلى محاولة تأويل اتّفاق الطائف لعام 1989. هي استراتيجية جديدة لصياغة سرديّة دستوريّة جديدة، تعوّض خسارة السرديّة الاستراتيجيّة السابقة. لا يكفي القول إنّ المقاومة انتصرت عندما لم تنهزم، أو عندما لم تتحقّق أهداف العدوّ، لا سيما حين يرتفع الغطاء الرسميّ عن سلاح المقاومة، خارج إطار الدولة، وبالضدّ من البيان الوزاريّ الذي ينصّ على حصريّة السلاح بيد الدولة.

من تأويل إعلان وقف النار مع إسرائيل العام الماضي، إلى محاولة تأويل اتّفاق الطائف لعام 1989. هي استراتيجية جديدة لصياغة سرديّة دستوريّة جديدة

في الأيّام القليلة المنصرمة، ظهر اهتمام مفاجئ باتّفاق الطائف وتطبيقاته وتأويلاته، والذي كان أساس التعديلات الدستوريّة، وقيام الجمهوريّة الثانية كما يقول الخبراء الدستوريّون. وذلك في سياق استراتيجية “الحزب” لإعادة إنتاج مشروعيّة المقاومة، من باب إعادة إنتاج اتّفاق الطائف، وإعادة إنتاج الدولة. وذلك لدوافع ثلاثة:

  • وقف إطلاق النار مع إسرائيل في 27 تشرين الثاني العام الماضي، الذي ينصّ على تطبيق القرار الدوليّ 1701 الصادر عام 2006، ربطاً بالقرارات الدوليّة السابقة ذات الصلة، التي تشدّد على نزع سلاح الميليشيات وحصره بالدولة وأجهزتها.
  • غياب حقّ المقاومة عن البيان الوزاريّ للحكومة الحاليّة، وهي العبارة التي كانت ترد في كلّ بيانات حكومات ما بعد اتّفاق الطائف، بصِيَغ مختلفة. هذا الغياب هو نتيجة مباشرة للحرب الإسرائيليّة وللضغوط الدبلوماسيّة المترافقة معها.
  • افتقاد الحزب لظهيره السوريّ، الذي كان وصيّاً فعليّاً على تطبيق الطائف، وإن كان من باب معاونة القوّات اللبنانيّة الشرعيّة على الانتشار في كلّ المناطق، فكان تطبيق الاتّفاق وفق تشويهات وتحريفات محدّدة، وملائمة لدمشق. لكن بعد اضطرار بشّار الأسد إلى سحب جيشه من لبنان عقب اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري عام 2005، بات “الحزب” وريث تلك الوصاية عمليّاً.

تبدّل كلّ ذلك جذريّاً مع ما جرى العام الماضي في الصراع العسكريّ مع إسرائيل، وما أعقبه من سقوط النظام السوريّ في 8 كانون الأوّل الماضي، وتحوُّل طبيعة هذا النظام من حليف لـ”الحزب” إلى عدوّ له.

في الأيّام القليلة المنصرمة، ظهر اهتمام مفاجئ باتّفاق الطائف وتطبيقاته وتأويلاته، والذي كان أساس التعديلات الدستوريّة، وقيام الجمهوريّة الثانية

مسار جديد انطلق في 4 تشرين الأوّل

بدأ المسار الجديد، مع خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم في 4 تشرين الأوّل الماضي، عندما قال إنّ “اتّفاق الطائف ليس وجهة نظر، وليس مطيّة لموازين القوى”. لكن في 6 الشهر الجاري، وردت في الكتاب المفتوح الموجّه إلى الرؤساء الثلاثة، عبارة مفتاحيّة بالغة الأهميّة، وهي: “بصفتنا، (أي الشيعة، ويتكلّم “الحزب” باسم الشيعة كلّهم هنا)، مكوّناً مؤسّساً للبنان الذي التزمناه وطناً نهائيّاً لجميع أبنائه، نؤكّد حقّنا المشروع في مقاومة الاحتلال والعدوان”.

استند “الحزب” إلى هذه الصفة لتشريع وجود المقاومة، بغضّ النظر عن الدولة ومؤسّساتها. بل إنّه عاد إلى لحظة ما قبل التأسيس، وهذه القفزة النوعيّة لـ”الحزب”، لم يسبق أن قام بها من قبل، وهي غير معهودة في التفكير الدستوريّ، وخارج إطار الدولة، حيث لا اعتبار للفاعلين خارجها، في القانونين الداخليّ أو الدوليّ.

في اليوم نفسه، نشر موقع قناة “المنار”، مراجعة لاتّفاق الطائف، تحت عنوان: “الطائف والسيادة المفقودة: لبنان بين وصايات الماضي والتحوّلات الراهنة“. في اليوم التالي، نظّم مركز الدراسات والأبحاث في المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى، ندوة بعنوان “تطبيق اتّفاق الطائف… إخفاقات وتحدّيات“، تحدّث فيها قانونيّون وسياسيّون من مختلف الانتماءات، عن ظروف اتّفاق الطائف، وعثرات التطبيق. خرجت توصيات، على رأسها الدعوة إلى عقد حوار برعاية رئيس الجمهوريّة، من أجل تطبيق الاتّفاق كلّه.

لكنّ اللافت في مراجعة “المنار”، هو التوسّع في النظريّة أو السرديّة الدستوريّة الجديدة، التي يتولّاها الشيخ نعيم، بحيث يرى أنّ الطائف ليس وثيقة لتقسيم السلطة بين الطوائف وحسب، بل إطار سياسيّ محدود نجح في إنهاء الحرب وإرساء توازن داخليّ بين الفصائل اللبنانيّة.

لكنّ الطائف لم يُعَدّ ليكون أداة لتعطيل المشروع الوطنيّ أو قمع الحقّ في الدفاع عن لبنان، بل يجب فهمه كجزء من مشروع أوسع يشمل السيادة والاستقلال الوطنيّ. بنظره، هو لم يؤسّس الاتّفاق لنظام سياسيّ مستقرّ أو منتج. بدل أن يطلق مرحلة إصلاح مؤسّساتي حقيقيّ، كرّس منطق المحاصصة الطائفيّة كآليّة لإدارة الدولة، وهو ما حوّله من اتّفاق لإنهاء النزاع إلى صيغة تعيد إنتاجه بصور مختلفة، كما ارتبط بناء الدولة بمصالح محليّة ودوليّة متشابكة.

يؤكّد الشيخ نعيم أنّ المقاومة اللبنانيّة ليست مخالفة لاتّفاق الطائف، مع أنّه ينصّ صراحة على قيام الدولة القويّة القادرة المبنيّة على أسس الوفاق الوطنيّ، بما يؤدّي إلى بسط سلطة الدولة على كلّ الأراضي اللبنانيّة، بعد نزع سلاح الميليشيات اللبنانيّة وغير اللبنانيّة.

يعتبر قاسم أنّ المقاومة تعكس حقّ لبنان في الدفاع عن نفسه وحماية أرضه، وتشكّل جزءاً لا يتجزّأ من تحقيق توازن القوى الواقعيّ في الداخل اللبنانيّ. تلك نقطة خطيرة، حين يعتبر المقاومة أداة التوازن الواقعيّ في الداخل، ليس فقط للدفاع عن لبنان.

الطائف لم يُعَدّ ليكون أداة لتعطيل المشروع الوطنيّ أو قمع الحقّ في الدفاع عن لبنان، بل يجب فهمه كجزء من مشروع أوسع يشمل السيادة والاستقلال الوطنيّ

التّعديل يجمّد التّأويل

لهذا، يرى أنّ الطائف قابل للتأويل في بعض بنوده بما يخدم تعزيز الوحدة الوطنيّة، والحقّ في الدفاع والمقاومة، من دون المساس بتوازن الطوائف أو صلاحيّات المؤسّسات الدستوريّة. هو لا يريد الدخول في التعديل، بل في التأويل، وفق موازين القوى في الداخل. لماذا؟ لأنّ التعديل يجمّد التأويل.

أمّا التأويل، فصيرورة مستمرّة. يشرح مقال “المنار”، أنّ الهدف هو خلق توازن ديناميكيّ بين نصوص الطائف والواقع الوطنيّ بعد التحرير عام 2000، وأنّه مع انتصار المقاومة في الجنوب في ذلك العام، تغيّرت معادلات القوّة على الأرض.

الطائف، الذي صاغ إطاراً سياسيّاً قائماً على التوازنات التقليديّة، لم يواكب هذه التحوّلات، وهو ما خلق فجوة بين المعادلة السياسيّة التي افترضها الاتّفاق والمعادلة الميدانيّة التي فرضتها المقاومة، في ظلّ غياب الدولة ومؤسّساتها، عن مهمّة الدفاع عن لبنان. يضيف المقال بُعداً مهمّاً، عن الدور السوريّ في هذا المجال: “في التسعينيّات، كان الوجود السوريّ عاملاً أساسيّاً في تنفيذ نصوص الطائف وضبط التوازنات الداخليّة. مع انتهاء الوجود العسكريّ السوريّ، حلّت محلّه ضغوط خارجيّة وسياسات ماليّة دوليّة، وهو ما كشف محدوديّة قدرة الدولة على اتّخاذ قرارات مستقلّة، بينما استمرّت المحاصصة كأداة لتعطيل الدولة وتثبيت نفوذ الفئات التقليديّة”.

لا وجود لدولة لبنانيّة حقيقيّة إذاً، مع عدم تنفيذ الطائف، ومع افتقاد الدور السوري للنظام السابق.

تشريع المقاومة وأكثر

لكنّ ما الذي يريده “الحزب” من المناورة السياسيّة الجديدة؟ هل يريد تعديل اتّفاق الطائف، وإعادة توزيع السلطة على الطوائف الكبرى بما يضمن مكانة الشيعة في السلطة التنفيذيّة من داخل الدستور أم تأكيد حقّ المقاومة كمؤسّسة قانونيّة أساسيّة داخل النظام اللبنانيّ فقط؟ أم الاثنين معاً؟

من الملاحظات على اتّفاق الطائف وتعديلاته الدستوريّة، وتطبيقاته اللاحقة منذ عهد الرئيس إلياس الهراوي (1989-1998):

  • أنّ المطلب الشيعيّ الرئيس، كان إلغاء الطائفيّة السياسيّة، وهو ما لم يتحقّق.
  • أنّ الإنجاز الأساسيّ للاتّفاق، وهو جعل السلطة التنفيذيّة بيد مجلس الوزراء مجتمعاً، ظلّ موضع نزاع مع موقع رئيس الجمهوريّة في النظام، مع عدم تسليم المسيحيّين بتقليص صلاحيّات الرئيس، ومحاولة استردادها بطريقة أو أخرى.
  • أنّ الحاصل من هاتين المسألتين، هو هيمنة السلطة التشريعيّة (البرلمان) على السلطة التنفيذيّة، بطريقتين: حرمان السلطة التنفيذيّة من صلاحيّة حلّ البرلمان كيفيّاً واعتباطيّاً، وتعاظم النفوذ السياسيّ لرئيس البرلمان نبيه برّي، لا سيما مع تشكيل حكومات الوفاق الوطني، بحيث لا تحكم الأغلبيّة منفردة، وتعزّز هذا الاتّجاه بفرض الثلث المعطّل في تشكيلة الحكومات، منذ اتّفاق الدوحة عام 2008.

إقرأ أيضاً: وحدة “العبر الاستراتيجية” بين “الحزب” و”الحركة”

مع حصول “الحزب” على قرار الحرب والسلم، بدعم سوريّ أوّلاً، ثمّ بتفوّقه العسكريّ ثانياً، بات الشيعة هم صانعي القرار السياسيّ والعسكريّ من داخل المؤسّسات وخارجها. الآن، هذا كلّه بات مهدّداً بالزوال، وخاصّة إن تخلّى “الحزب” عن سلاحه، وأمسكت الدولة بالقرار في الميدان بشكل كامل.

هذا ما يستدعي من منظور “الحزب”، إعادة النظر باتّفاق الطائف، بتعديله مثلاً، بحيث يضمن رسميّاً حصّة الشيعة داخل النظام، فلا تقتصر على رئاسة السلطة التشريعيّة من دون الإضافات والملحقات، أو في الأقلّ، تطبيق الاتّفاق كاملاً، وأهمّ ما فيه البدء بإلغاء الطائفيّة السياسيّة.

إلّا أنّ الإشكاليّة التي يطرحها الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم، هي من خارج الصندوق تماماً، فهو لا يقايض بين تسليم السلاح، واستطراداً تقوية الدولة لتكون هي المسؤولة فعلاً، ضمن الحدود الدوليّة المعترف بها دوليّاً، وضمان دور الشيعة في النظام اللبنانيّ بوصفهم طائفة كبيرة، بل يريد تأويل اتّفاق الطائف كما هو، بما يضمن بقاء المقاومة، كما كانت قبل الحرب الأخيرة، وأكثر.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@HishamAlaywan64

مواضيع ذات صلة

تساقط المدن

كانت هناك مدينتان تحملان اسم طرابلس. الأولى في ليبيا، والثانية في لبنان. وللتمييز بينهما سميت الأولى طرابلس الغرب، والثانية طرابلس الشام. أما لماذا ليس طرابلس…

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…