انتهت الانتخابات البرلمانيّة العراقيّة، ووضعت حرب التنافس بين الأحزاب والمكوّنات على الصوت الانتخابيّ أوزارها. مع إعلان المفوضيّة العامّة للانتخابات للنتائج الأوّليّة شبه النهائيّة، انتقلت العمليّة السياسيّة إلى مرحلة جديدة تتمثّل في الصراع على انتخاب الرئاسات الثلاث، ثمّ تبدأ العمليّة السياسيّة بناءً على الأوزان السياسيّة التي أفرزتها النتائج.
كشفت النتائج عن العديد من المفاجآت التي حصلت عليها التحالفات والائتلافات الانتخابيّة داخل كلّ مكوّن من مكوّنات المجتمع العراقيّ (الشيعيّ والسنّيّ والكرديّ). وربّما أبرز هذه المفاجآت كانت لدى المكوّن الشيعيّ.
المفاجآت الكبرى لدى المكوّن الشّيعيّ
1- قوّة المكوّن الشيعيّ الإجماليّة: إذ حصلت الائتلافات والتحالفات الشيعيّة مجتمعة على 197 مقعداً، متجاوزة بذلك العدد الذي حصلت عليه في الانتخابات السابقة (185 مقعداً). هذا يعني أنّ المكوّن مجتمعاً قادر على التحكّم بمسارات انتخاب الرئاسات الثلاث، ويحتاج فقط إلى التحالف مع قوى من خارج المكوّن للوصول إلى 220 مقعداً (ثلثَي البرلمان)، وهو الشرط اللازم لانتخاب رئيس الجمهورية. أمّا انتخاب رئيس البرلمان ورئيس الوزراء فيحتاج فقط إلى الأغلبيّة المطلقة (النصف زائداً واحداً).
2- تراجع تحالف السودانيّ: إذ جاءت النتيجة التي حقّقها تحالف الإنماء والإعمار بقيادة رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، بحصوله على 45 مقعداً في عموم العراق، أدنى من أقلّ التقديرات التي رجّحت حصوله على مقاعد تراوح بين 55 إلى 60 مقعداً. كان أبرز مؤشّرات هذا التراجع في نتائج بغداد، حيث كان من المرجّح أن يحصل على نحو 20 مقعداً، لكنّه حصد 15 مقعداً فقط، مقابل ثمانية مقاعد لائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي. على الرغم من فوز هذا التحالف بالمركز الأوّل على مستوى العراق، سيواجه عقبات معقّدة في نسج تحالفاته لضمان عودة السوداني إلى رئاسة الحكومة لولاية جديدة.
انتهت الانتخابات البرلمانيّة العراقيّة، ووضعت حرب التنافس بين الأحزاب والمكوّنات على الصوت الانتخابيّ أوزارها
3- أظهرت النتائج قدرة الأحزاب المحسوبة على “الحشد الشعبي” على تحسين تمثيلها داخل البرلمان. باتت هذه القوى أكثر قدرة على التأثير في مسارات تشكيل الحكومة وتركيب التحالفات والمطالبة بحصص أكبر، انطلاقاً من كونها شرطاً لا يمكن تجاوزه لتشكيل الكتلة الكبرى التي تملك الحقّ في تسمية رئيس الوزراء.
4- أثبت ائتلاف “دولة القانون” والمالكي أنّهما ما يزالان يمثّلان الرقم الصعب داخل المكوّن الشيعيّ و”الإطار التنسيقي”، باحتلال المركز الثاني على مستوى العراق، وفرض نفسيهما شريكاً لا يمكن تجاوزه. على الرغم من ذلك، فشل المالكي في الوصول إلى الهدف الذي سعى إليه، وهو أن يكون المتصدّر في انتخابات العاصمة بغداد ويمنع السوداني من تحقيق ذلك.
5- الخسارة المدوّية للقوى والأحزاب المدنيّة والتيّارات الشبابيّة المحسوبة على الحراك الشعبيّ التشرينيّ. فشلت هذه القوى في التحوّل إلى ظاهرة شعبيّة وقوّة تغيير فاعلة ومؤثّرة، بعدما كشفت تجربتها السابقة في البرلمان حجم صراعاتها الداخليّة وغرقها في منظومة الفساد والمصالح والمحاصصة.
نتائج السّوداني في بغداد
من خلال قراءة النتائج التي حصل عليها تحالف السوداني في بغداد (15 مقعداً)، يتبيّن أنّه لا يملك منها سوى سبعة أو ثمانية مقاعد خاصّة، فيما تذهب المقاعد الباقية إلى:
– حزب فالح الفيّاض: أربعة مقاعد.
– حزب أحمد الأسدي (وزير في حكومته وعن “الحشد”): ثلاثة مقاعد.
– الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ: مقعد واحد (للنائبة آلا طالباني).
– النتائج التي حقّقها تحالف السوداني في محافظتَي نينوى (4 مقاعد) وصلاح الدين (مقعدان) هي من حصّة فالح الفيّاض أيضاً.

بالتالي يمكن اعتبار أنّ مقاعد الفيّاض والأسدي والتزام آلا طالباني بتوجّهات حزبها المركزيّة تشكّل نقطة ضعف في تحالف السوداني في حال قرّر هؤلاء التزام توجّهات “الإطار التنسيقي” والتمسّك بوحدة الصف الشيعيّ. هذا يعني أنّ مقاعد السوداني “الخالصة” ستتراجع لتراوح بين 10 إلى 14 صوتاً، ما يجعله بحجم “دولة القانون” تقريباً، مع فارق أنّ المالكي أقدر على التأثير على توجّهات “الإطار التنسيقيّ” وخياراته في اختيار الرئاسات الثلاث.
كشفت هذه الانتخابات عن حجم الخسارة التي لحقت بالتيّار “الشيعيّ الوطنيّ” (التيّار الصدريّ) الذي يقوده مقتدى الصدر
نتائج المكوّنين السّنّيّ والكرديّ
-6- على الرغم من تقدّم حزب “تقدّم” بقيادة رئيس البرلمان الأسبق محمد الحلبوسي وحلوله في المركز الأوّل بين الأحزاب والقوى داخل المكوّن السنّيّ، لم يستطع الاحتفاظ بعدد المقاعد الذي كان يملكه سابقاً، وتراجع من 39 مقعداً إلى 28 مقعداً. حلّ تحالف “عزم” بقيادة مثنّى السامرّائي في المركز الثاني بواقع 15 مقعداً، وتراجع حزب “السيادة” بقيادة خميس خنجر إلى المركز الثالث بواقع 9 مقاعد.
هذا يعني أنّ الحلبوسي استطاع تكريس زعامته داخل هذا المكوّن، وبالتالي فرض نفسه شريكاً لا يمكن تجاوزه في التفاوض على رئاسة البرلمان.
أمّا نتائج المكوّن الكرديّ فلم تحمل الكثير من المفاجآت، إذ توزّعت الـ56 مقعداً التي حصل عليها هذا المكوّن بين أقطابه التقليديّين. أعاد الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ (بارتي) تثبيت زعامته في صدارة الفائزين، يليه الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ (يكتي)، وحلّ حزب الموقف (الخارج من رحم حزب التغيير “كوران”) في المركز الثالث.
خسارة التّيّار الصّدريّ وفشل المقاطعة
كشفت هذه الانتخابات عن حجم الخسارة التي لحقت بالتيّار “الشيعيّ الوطنيّ” (التيّار الصدريّ) الذي يقوده مقتدى الصدر، وأظهرت أنّ رهانه على المقاطعة لم يكن له الأثر الكبير في حجم المشاركة الشعبيّة. فقد التيّار الورقة التي طالما وظّفها في مواجهة خصومه بأنّه الجهة التي تمنح الشرعيّة للعمليّة السياسيّة.
قد ينعكس فشل المقاطعة الصدريّة سلباً على العلاقة بين مقتدى والقاعدة الشعبيّة للتيّار، من خلال تعزيز العزلة السياسيّة وابتعاده عن العمليّة السياسيّة. حتّى لو حاولت الأطراف الممسكة بالسلطة مراعاته في التقاسم الاقتصاديّ، فإنّ المطالب الشعبيّة بالتوظيف والمصالح اليوميّة مرشّحة للتفاقم، وهو ما يزيد من احتمالات حصول انشقاقات داخل صفوف هذه القواعد.
يُعتبر المستفيد الأوّل من هذه الانشقاقات قيس الخزعلي الذي يقود عصائب أهل الحقّ، بصفته ابن التيّار الصدريّ والأقرب فكريّاً وسلوكيّاً لجماعات التيّار، ولن يتردّد في استيعابهم واستخدامهم في مواجهة الصدر داخل قواعده.
العلاقة بين القوى المشكِّلة لـ”الإطار التنسيقيّ” وبين السوداني وتحالفه محكومة بموقف “الإطار” من مسألة إعادة ترشيح السوداني لولاية جديدة
“الإطار” والسّوداني: صراع على الكتلة الكبرى
العلاقة بين القوى المشكِّلة لـ”الإطار التنسيقيّ” وبين السوداني وتحالفه محكومة بموقف “الإطار” من مسألة إعادة ترشيح السوداني لولاية جديدة.
عُقد اجتماع “الإطار التنسيقيّ” الأخير قبل الانتخابات من دون مشاركة السوداني، في مؤشّر إلى أنّ الأمور وصلت إلى الانفصال. أسهم التسريب الصوتيّ للسوداني الذي ينتقد فيه المالكي في وصول الأمور إلى طريق مسدود، على الأقلّ مع المالكي، وبالتالي بات استبداله محسوماً داخل “الإطار”. ظهرت حالة التضامن داخل “الإطار” واعتماد خيار التغيير بوضوح في بيانه بعد الانتخابات من خلال دعوته إلى تشكيل “حكومة إصلاح وخدمات واستقرار”، في مقابل شعار السوداني “الإعمار والتنمية”.
هناك شبه إجماع والتزام بين قوى “الإطار التنسيقيّ” على الذهاب إلى الجلسة الأولى للبرلمان بموقف موحّد، سواء في ما يتعلّق بالشخصيّة المرشّحة لرئاسة البرلمان، أو في ما يتعلّق بتشكيل الكتلة الكبرى (التي ستكون أوّل خطوة رسميّة بعد انتخاب رئيس البرلمان).
سيذهب “الإطار التنسيقيّ” إلى الكتلة الكبرى بعدد مقاعد يصل إلى 152 (من مجموع 197، بعد إسقاط 45 مقعداً لتحالف السوداني في حال لم يحافظ عليها متماسكة)، وبالتالي سيكون بحاجة إلى 13 صوتاً ليصل إلى الأغلبيّة المطلقة (165 صوتاً)، التي يمكن أن تتحقّق بالتحالف مع طرف سنّيّ أو الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ.
من خلال قراءة النتائج التي حصل عليها تحالف السوداني في بغداد (15 مقعداً)، يتبيّن أنّه لا يملك منها سوى سبعة أو ثمانية مقاعد خاصّة
صعوبة تشكيل السّوداني للكتلة الكبرى
يبدو من الصعب على السوداني وتحالفه تشكيل تحالف مع قوى وأحزاب من مكوّنات أخرى تسمح له بتشكيل الكتلة الكبرى وإسقاط كتلة “الإطار” لعدّة اعتبارات:
– سيتمسّك “الإطار” بحقّه بالتسمية باعتباره الكتلة الأكبر تمثيلاً للمكوّن الشيعيّ.
– أيّ تحالف يعقده السوداني مع قوى كرديّة (بارتي بـ29 صوتاً) وسنّيّة (تقدّم بـ28 مقعداً) لن يكون قادراً على الوصول إلى رقم يتجاوز 103 مقاعد، وهو رقم لا يسمح له بامتلاك حتّى الثلث المعطّل الذي يحتاج إلى 110 أصوات، علاوة على الكتلة الكبرى.
– لا يترك هذا الواقع للسوداني لإعادة فرض نفسه خياراً متجدّداً لتولّي رئاسة الحكومة سوى الرهان على تحقيق خرق داخل صفوف “الإطار التنسيقيّ” والتحالف مع بعض أطرافه وإقصاء ائتلاف دولة القانون – المالكي. وهو ما قد يعني ذهاب المالكي والتحالفات التي قد ينسجها مع المكوّنات الأخرى إلى خيار الثلث المعطِّل. لكنّ الأجواء العامّة داخل القوى الشيعيّة تتمسّك بضرورة الحفاظ على وحدة هذا المكوّن، ولذا ستواجه القائم بمحاولة تفكيك هذا البيت بإمكان عزله.
– لا بدّ من الإشارة إلى موقف المرجعيّة التي تتمسّك بمبدأ التوافق والإجماع، خاصّة بعدما تصدّت لدعوات المقاطعة الصدريّة. وقد ظهر ذلك عبر رسالة غير مباشرة تؤكّد موقفها الداعم للعمليّة الديمقراطيّة ومحاربة الفساد ومعالجة السلاح المتفلّت، بالإضافة إلى توجيه رسالة لمقتدى الصدر بأنّه لا يملك الحقّ في التحدّث باسمها أو باسم الحوزة الدينيّة.
يبدو من الصعب على السوداني وتحالفه تشكيل تحالف مع قوى وأحزاب من مكوّنات أخرى تسمح له بتشكيل الكتلة الكبرى
المواقف الدّوليّة والإقليميّة
الطرف الإيرانيّ: التزم عدم الظهور بشكل المتدخّل أو المؤثّر على الحراك الانتخابيّ داخل البيت الشيعيّ أو لدى المكوّنات الأخرى، وفضّل البقاء على الحياد تحت سقف الحفاظ على وحدة البيت الشيعيّ، وموافقته على ما يتّفق عليه إجماع القوى الشيعيّة. ويجري تعاطيه مع الساحة العراقيّة تحت سقف الحفاظ على ما يملك من أوراق دون استثارة الطرف الأميركيّ، لقطع الطريق على أيّ مواجهة سياسيّة على هذه الساحة قد تؤدّي إلى خسارته.
إقرأ أيضاً: الانتخابات العراقية: احتدام شيعي وصراع سنيّ على الزعامة
الطرف الأميركيّ: أبدت الإدارة الأميركيّة عدم اعتراض على دخول الفصائل والأحزاب المقرّبة من إيران إلى البرلمان، مقابل قطع الطريق على عودتها إلى السلطة التنفيذيّة والمشاركة في الحكومة. النتائج التي خرجت بها الانتخابات قد تدفع واشنطن إلى التروّي لمعرفة طبيعة التحالفات التي ستتشكّل، ومدى إمكان التوصّل مع هذه القوى إلى تفاهمات تلبّي الشروط الأميركيّة، قبل الذهاب إلى الخيار التصعيديّ الذي قد يقلب الطاولة ويعيد إنتاج دورة عنف وعدم استقرار جديدة في العراق.
