علّق أحد الاصدقاء ساخراً على فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك: “انتظرنا أن يخرق الأميركيّون اللوائح الشيعيّة في الانتخابات النيابيّة، فاخترق الشيعة الأميركيّين في انتخابات نيويورك”.
لم يكن زهران ممداني مرشّحاً يمثّل شريحة من الناس في مدينة لا تمتلك ملامح بشريّة، مدينة لا يعرف أحدٌ فيها أحداً، فلا علاقات اجتماعيّة ولا عصبيّات من أيّ نوع من الأنواع، مدينة يهرول الناس في شوارعها كي لا يفوّتوا موعداً محدّداً في العمل أو الجامعة أو المستشفى.
قارّة برجل
مثّل ممداني بالشكل خارطة أقرب إلى خارطة قارّة بأكملها. والده مفكّر “ماويّ” له الكثير من المؤلّفات. قدِم من القارّة الإفريقّية حيث قاتل مع الثوّار الشيعة ضدّ نظام الحكم في أوغندا. أمّا والدته فأصولها هنديّة. حرصت على تعليم ولدها اللغة الأورديّة لغة أجدادها. زوجته سوريّة ذات هوى عروبيّ فلسطينيّ، دفعته لتعلّم اللغة العربيّة. أمّا هو فمهاجر أميركيّ. عندما سُئل عن الزيارة الأولى للخارج التي سيقوم بها بعد فوزه قال: “سأبقى في نيويورك. هذه مدينتي وانتُخبت لأهتمّ بها وبسكّانها”.
لا يختلف المضمون عند ممداني كثيراً عن الشكل. هو مزيج ثقافات وتراكمات حضاريّة يشبه وجبة الدجاج الأميركيّة الشهيرة KFC التي تفتخر في كلّ إعلاناتها بالقول: “KFC الخلطة السحريّة”.
والده محمود ممداني مقاتل ومفكّر وفيلسوف. توصّل في أحد كتبه إلى أنّ الإسلام المتطرّف ليس مسؤولاً عن أحداث 11 أيلول 2001، بل رأى في ما حصل نتاجاً طبيعيّاً لنهاية الحرب الباردة.
موهوم من يعتقد أنّ انتصار زهران ممداني يمثّل انتصاراً للمسلمين الشيعة، أو للعرب والهنود أو الأفارقة
شقيقته محجّبة، فيما هو شيوعيّ “ماويّ” لا يلين ولا يستكين. أمّا والدة زهران ميرا ناير فقد لجأت إلى الكاميرا لتكون أداة للتذكير والنضال. لم تؤمن بالبندقيّة التي حملها زوجها في أوغندا، فاتّجهت إلى الصورة والفيلم تدعو إلى السلام والعدالة.

المرأة في حياة زهران هي نموذج المرأة المناضلة السلميّة. لذلك اختار الزواج بالسوريّة راما دواجي التي أُعجبت في صغرها بـ”حكايات كليلة ودمنة لابن المقفّع”، وعندما كبرت قرّرت تحويل هذه الذاكرة إلى أفلام متحرّكة وقصص تحقّق النضال والمقاومة، تماماً كما فعل ابن المقفّع مع الحاكم العبّاسيّ. وقفت إلى جانب أوجاع غزّة وآلامها هي التي تتكوّن جيناتها من لوعة التهجير والنزوح. تنحدر عائلتها الدمشقيّة من أصول تركيّة، والدواجي في القاموس هو مربّي الجمال. هاجرت عائلتها من عنتاب إلى سوريا فكان الاستقرار في دمشق، حيث استقر الكثير من التركمان كانوا في رحلات وقوافل الحجّاج أيّام السلطنة العثمانية. ولأنّها لا تريد أن تكون نهايتها كنهاية ابن المقفّع مثالها الأعلى تزوّجت عام 2024 بزهران وخاضت معه معركة البقاء على قيد الحياة السياسيّة في انتخابات عمدة نيويورك، لأنّ صناعة المستقبل أفضل دواء للاستمرار على قيد الحياة السياسيّة.
أوهام النّصر
موهوم من يعتقد أنّ انتصار زهران ممداني يمثّل انتصاراً للمسلمين الشيعة، أو للعرب والهنود أو الأفارقة. اعتادت أميركا الظواهر من مارتن لوثر كينغ عام 1964، مروراً بمحمد علي كلاي عام 1974، وصولاً إلى باراك أوباما عام 2009، وانتهاء وليس نهاية مع زهران ممداني.
المنتصر في معركة زهران ممداني هي الفكرة الأميركيّة ومعها مدينة نيويورك. والمنهزم في هذه المعركة هو نحن
“البطل الفرد” في الثقافة الأميركيّة هو أصل الحكاية وكلّ الحكاية. الخليط العرقيّ والفكريّ الذي تضمّه الولايات المتّحدة الأميركيّة يجعل من الصعوبة بمكان الركون إلى قصّة جماعيّة. دائماً القصّة في الرواية الأميركيّة هي قصّة فرد واحد كما البطل في الأفلام الأميركيّة هو بطل واحد، كـ”رامبو” و”روكي”. دائماً يدور الحديث في الكتاب والسينما والتلفزيون عن الرجل المنقذ الذي يخرج من بين الرماد ليعيد الأمور إلى نصابها.
المنتصر في معركة زهران ممداني هي الفكرة الأميركيّة ومعها مدينة نيويورك. والمنهزم في هذه المعركة هو نحن، الشعوب التي تفكّر في السياسة بمنطق “التيمّم”، الذي يُستعاض فيه عن الماء بالتراب، فلا يزيل التراب ما علق بالجسد ولا يؤدّي وظيفة الماء، لكنّه يحقّق شرطاً من شروط الطهارة من أجل الصلاة.
إقرأ أيضاً: نيويورك: من 11 أيلول إلى عمدةٍ مسلم مهاجر
سار زهران ممداني في كلّ شارع وزقاق. لم يترك رصيفاً في نيويورك. خاطب الجميع وناقش الجميع وجرؤ على الجميع. إلّا أنّ سرّه تختصره كلمة واحدة هي “التواضع”. تواضع للناس فانتخبوه عمدة لهم، وقالوا لا بأس بعمدة يساريّ شيعيّ طالما تواضع لنا.
لمتابعة الكاتب على X:
