في زمنٍ تتقلّص فيه المدن الكبرى تحت ثقل اللامساواة والهويّة المنغلقة، يطلّ زهران ممداني الفائز بمنصب عمدة مدينة نيويورك وجهاً جديداً للعصر، يحمل في ملامحه خرائط ثلاث قارّات، وفي سيرته تداخل بين الجنوب العالميّ والغرب المتخم بالأسئلة.
هو ابنُ مفكّرٍ إفريقيٍّ ومخرجةٍ هنديّة–أميركيّة، وزوجُ فنّانةٍ سوريّة، ويجسّد صورة الجيل الذي لا يبحث عن نقاء الأصل بل عن عدالة الحاضر. ليس وصولُه إلى رئاسة بلديّة نيويورك حدثاً انتخابيّاً فقط، بل اختبارٌ ثقافيٌّ لقدرة العالم على تقبّل هويّةٍ هجينةٍ تعيد تعريف معنى الانتماء في زمنٍ مضطربٍ ومفتوحٍ على التغيّر.
فعلها زهران ممداني. فعلها وحده دون دول وعواصم عربيّة وإسلاميّة كثيرة، حتّى دون عواصم العالم الثالث المغرّدة خارج السرب الأميركيّ. بالنسبة لكثيرين، بينما كانت المعركة ولا تزال مندلعةً هنا، في بلادنا وعلى أرضنا وبلحمنا الحيّ، من غزّة إلى طهران، مروراً ببيروت ودمشق وبغداد واليمن والدوحة، أتى النصر من هناك، من أميركا، وتحديداً من عاصمة الإمبراطوريّة الأميركيّة الاقتصاديّة.
انتظرناها من الشرق، فأتت من الغرب. انتظرناها في غزّة ولبنان واليمن وقطر وإيران، فأتت من عقر دار الإمبرياليّة والرأسماليّة والاستعمار والعالم الحرّ والغرب… وبلاد “الكفر”.
رجلان (دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو) هزما شعوباً وبلاداً وجيوشاً وأحزاباً ومجتمعات وعواصم، هزمهما رجل واحد، رجل داكن البشرة، مسلم، شيعيّ، إفريقيّ، آسيويّ واشتراكي، يُدعى زهران ممداني.
فعلها زهران ممداني. فعلها وحده دون دول وعواصم عربيّة وإسلاميّة كثيرة، حتّى دون عواصم العالم الثالث المغرّدة خارج السرب الأميركيّ
زُهران ممداني: ابن العالم الذي أعاد تعريف المدينة
وُلد زُهران كوامي ممداني عام 1991 في كمبالا، عاصمة أوغندا، في بيتٍ تتقاطع فيه ثلاث قارّات وثقافات متباينة. والده محمود ممداني، المفكّر الإفريقيّ البارز وعالم الاجتماع من أصولٍ هنديّة غوجاراتيّة، يُعدّ من أبرز من نظّر لمسألة ما بعد الاستعمار والهويّة في إفريقيا. أمّا والدته ميرا ناير، فهي المخرجة الهنديّة ــ الأميركيّة المعروفة، التي حوّلت الكاميرا إلى مرآة للمنفى والحنين والعدالة.
من هذا التزاوج بين الفكر والسينما، بين التحليل والخيال، وُلد وعيٌ مبكرٌ لدى زهران، الذي حصل على الجنسيّة الأميركيّة عام 2018، لكون العالم ليس سلسلة من الحدود، بل شبكة من القصص المتداخلة. فهو هاجر مع عائلته في طفولته إلى نيويورك، المدينة التي تشبه قارّة صغيرة تضمّ لغاتٍ ولهجاتٍ وجالياتٍ لا حصر لها. نشأ في أحياء كوينز، بين أبناء المهاجرين والطبقة العاملة، وهناك تفتّح وعيه السياسيّ على فكرة العدالة الاجتماعيّة بوصفها تجربة يوميّة لا شعاراً. درس الاقتصاد والسياسة في جامعة كونيتيكت، ثمّ انخرط في العمل الميدانيّ دفاعاً عن حقّ السكن وضدّ التمييز الطبقيّ، قبل أن يُنتخب عام 2020 نائباً في جمعيّة ولاية نيويورك ليصبح من أبرز وجوه الجناح التقدّميّ في الحزب الديمقراطيّ.
عام 2025، شكّل فوزه بمنصب عمدة نيويورك مفصلاً تاريخيّاً في السياسة الأميركيّة: فها هو شابٌّ من أصول إفريقيّة ــ آسيويّة ــ مسلمة يتسلّم مفاتيح المدينة التي طالما اعتُبرت رمز الحداثة الغربيّة. لم يكن الحدث فوزاً انتخابيّاً وحسب، بل إعلان تحوّل ثقافيّ عميق داخل مجتمعٍ بدأ يعيد النظر في مفهوم الانتماء والمواطنة.
زوجته راما دوجي فنّانة سوريّة ـ أميركيّة من الجيل الجديد، تعمل في مجالات الرسوم المتحرّكة والفنّ التشكيليّ. تعكس أعمالها المزيج بين الحنين والمنفى والبحث عن لغة بصريّة للذاكرة. تجمعها بزوجها نظرةٌ إلى العالم ترى في الفنّ والسياسة وجهين لعملٍ واحد: مقاومة النسيان.
في صورتهما المشتركة يتجلّى المعنى الأوسع للعالم الجديد: عائلة تعبر القارّات والأديان واللغات، وتعيد تعريف فكرة “المدينة” بمكانٍ للعيش المشترك لا رمزٍ للهيمنة. وزهران ممداني ليس سياسيّاً صاعداً وحسب، بل تعبيرٌ عن هويّة هجينة تجرؤ على أن تقول للعالم إنّ الاختلاط ليس تهديداً، بل هو مستقبل الإنسانيّة ذاتها.
ليس زهران ممداني اليوم سياسيّاً صاعداً، بل تجسيدٌ لميلاد هويّة مدنيّة جديدة. هويّة هجينة، متمرّدة، تُعيد تعريف معنى الانتماء في زمنٍ يتراجع فيه العالم إلى حدودٍ ضيّقة، بينما هو يتقدّم نحو أفقٍ أكثر رحابة وإنسانيّة. لقد خرج مركّباً إلى العالم: لا شرقيّاً تماماً ولا غربيّاً، لا من أبناء الشمال ولا من الجنوب، بل ابن الهامش الذي قرّر أن يدخل إلى قلب المدينة ليُعيد تعريفها.
شهادة زهران ممداني العلميّة هي بكالوريوس في الآداب (دراسات إفريقيّة) من كليّة بودوين. ولغاته التي يتقنها هي: الإنكليزيّة، الهنديّة-الأورديّة، البنغاليّة، الإسبانيّة، اللوغنديّة، والعربيّة. أمّا مهنته فهي: سياسيّ، ومستشار إسكان، ومغنّي راب، وناشط اجتماعيّ وفنّان وكاتب ومشجّع متعصّب لنادي أرسنال الإنكليزي ومحبّ للمصارعة. وقد خرج إلى الأميركيّين من الحزب الديمقراطيّ – “الاشتراكيّين الديمقراطيّين”.
لا تصلح مبادئ برنامج ممداني الانتخابيّ لمدينة نيويورك فحسب، بل هي منشودة في مختلف عواصم العالم ومدنه، باستثناء جزء ضئيل منها يتعلّق بدعم “حقوق مجتمع الميم عين”
مسار ومسيرة
حين بلغ زهران من العمر خمس سنوات، انتقلت عائلته إلى كيب تاون في جنوب إفريقيا. وحين بلغ سبع سنوات انتقلوا إلى أميركا واستقرّوا في نيويورك. والده الأكاديميّ محمود ممداني خرّيج هارفرد، وصاحب كتاب “المسلم الجيّد… المسلم السيّئ”. تخرّج في مدرسة برونكس الثانويّة للعلوم وحصل على بكالوريوس في دراسات السود من كليّة بودوين في ولاية مين عام 2014.
عمل مستشاراً للإسكان وبجانب عمله كان يمارس هواياته الكثيرة التي تراوح من الرياضة والفوتبول والكريكيت إلى الكتابة والسينما.
دخل عالم السياسة باكراً، إذ خاض انتخابات تجريبيّةً طلابيّةً في المرحلة المتوسّطة كان فيها مرشّحاً مستقلّاً، ودعا إلى مناهضة الحروب والمساواة في الحقوق واستثمار الأموال في التعليم بدلاً من الجيش. في مدرسة برونكس الثانويّة للعلوم في حيّ كينغزبرغ هايتس، شارك في تأسيس أوّل فريق كريكيت، وخاض انتخابات نائب رئيس الهيئة الطلابيّة دون أن يحالفه الحظّ. إلى ذلك، كان عضواً مؤسّساً لفرع منظّمة “طلّاب من أجل العدالة في فلسطين” في مدرسته. وكان يكتب بانتظام في صحيفة الكلّيّة “ذا بودوين أوريانت”، ويتناول في مقالاته قضايا السياسة والثقافة والرياضة. عام 2014، كتب مقالاً دعا فيه إلى الانضمام إلى مقاطعة إسرائيل.
لاحقاً، في نيويورك، عمل مديراً لحملات انتخابيّة، ثمّ فاز في انتخابات عام 2020 بعضويّة جمعيّة الولاية وأُعيد انتخابه دون منافسة في 2022 و2024.
أمّ المعارك
افتتح معركته الانتخابيّة في تشرين الأوّل 2024، حين أعلن ترشّحه لمنصب عمدة مدينة نيويورك. فاز على الحاكم السابق للمدينة أندرو كومو في الانتخابات التمهيديّة الديمقراطيّة في حزيران 2025، ثمّ في الانتخابات العامّة في 4 تشرين الثاني الجاري، بنسبة 50.4% من الأصوات، متغلّباً أيضاً على مرشّح الحزب الجمهوريّ كورتيس سليا، ليصير أوّل مسلم وأميركي من أصل هنديّ يتولّى منصب عمدة نيويورك، وأوّل عمدة من أصول أوغنديّة، وثاني اشتراكيّ ديمقراطيّ بعد ديفيد دينكنز، وأوّل عمدة من جيل الألفيّة منتخب للمدينة وأصغر عمدة للمدينة منذ قرن. وهو سابع عمدة مهاجر منتخب في تاريخ المدينة منذ عام 1834.
لممداني مواقف لا يمكن القفز فوقها في ما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة، ولا ينفكّ يثير جدلاً واسعاً بآرائه، إذ يدعم حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات
ممداني وفلسطين
لممداني مواقف لا يمكن القفز فوقها في ما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة، ولا ينفكّ يثير جدلاً واسعاً بآرائه، إذ يدعم حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات المعروفة بـBDS، معلناً بلا خوف أو تردّد أنّ معاداة الصهيونيّة لا تُعدّ شكلاً من أشكال معاداة الساميّة. وتعهّد بالامتثال لمذكّرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائيّة الدوليّة والقاضية باعتقال بنيامين نتنياهو إذا زار الأخير مدينة نيويورك.
إلى ذلك، قدّم ممداني عام 2023 مشروع قانون بعنوان “ليس بأموالنا: قانون إنهاء تمويل نيويورك لعنف المستوطنين الإسرائيليّين”، وينصّ على حظر المنظّمات الخيريّة المسجّلة في الولاية من تقديم التبرّعات للجهات التي تدعم المستوطنين الإسرائيليّين غير الشرعيّين في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة.
عام 2023، شارك ممداني في إضراب عن الطعام لمدّة خمسة أيّام دعماً لوقف إطلاق النار الفوريّ ومعارضة دعم الرئيس بايدن لإسرائيل في حربها في غزّة. وفي عام 2024 أقام إفطاراً لوقف إطلاق النار في غزّة خلال شهر رمضان. إلى ذلك، صرّح أكثر من مرّة بأنّ لإسرائيل الحقّ في الوجود كدولة تقوم على “المساواة في الحقوق”.
محمّد الصّغير
يمثّل ممداني حرفيّاً النقيض التامّ لدونالد ترامب. فالرجلان على طرفَي نقيض، عرقيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً ومن شتّى النواحي. ترامب من ذوي “الرقاب الحمر” ومن كبار أصحاب رؤوس الأموال، وجمهوريّ ويمينيّ. أمّا ممداني فداكن البشرة، مهاجر، اشتراكيّ، ديمقراطيّ، ينحدر والداه من أصول هنديّة، فوالده مسلم كجراتيّ وُلد في بومباي ونشأ في أوغندا، بينما والدته هندوسيّة بنجابيّة. إلى ذلك وُلد جدّاه في تنزانيا. وهو في أميركا “محمّد الصغير”، كما أطلق عليه النائب الجمهوريّ آندي أوغلز، داعياً إلى سحب الجنسيّة منه.
أمّا ترامب فوصفه بالشيوعيّ وهدّد باعتقاله وحجب التمويل عن مدينة نيويورك إذا رفض الامتثال للترحيل الجماعيّ الذي ينفّذه، داعياً إلى فرض سيطرة الحكومة الفدراليّة على مدينة نيويورك حال فوزه.
أمّا هو فلم يتوانَ عن انتقاد الحزب الديمقراطيّ “الذي سمح بإعادة انتخاب دونالد ترامب” و”فشل في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة بغضّ النظر عن هويّتهم أو أصولهم”.
لمتابعة الكاتب على X:
