فرنسا المرتبكة: أغلبية الأقليات العشوائية

مدة القراءة 6 د

لقد استعادت الإدارة الفرنسية عبر آلة الزمن مرحلة الجمهوريّة الرابعة. يظلّل شبحها القبّة الفرنسيّة. تعزّزت بعد الانتخابات النيابيّة الأخيرة قوّة الجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة بطريقة سلبيّة، إذ حجبت عنها الأغلبيّة الاستقراريّة الضامنة التي تريح الجمهوريّة الخامسة، واستُبدلت الأقليّة المؤسّساتيّة المعارضة بالعشوائيّات البرلمانية. انتشرت فيها الكتل الحزبيّة التقليديّة والوازنة والصغيرة كالفطريّات غير النافعة. جميعهم أقليّة. ويحسب كلّ فريق نفسه أكثريّة، ويريد تنفيذ سياسته. طغى على الواقع الباريسيّ مبدأ الشيوع البرلمانيّ السلبيّ. أنتج بدوره ما يسمّى بالإمساك التشريعيّ، فأدخل البلاد في مزيد من الفوضى السياسيّة واللاستقرار والعقم التنفيذيّ. أضعف الحكومات، وقصّرعمرها، وجعل منها كبش الفداء الدائم. أضحت تولد ميتة، وتُدفن حتّى قبل الولادة.

 

 

علقت المؤسّسات الفرنسية في متاهة الأزمات السياسيّة التشريعية والتنفيذية، وكأنّها فقدت روحيّة التواصل فيما بينها. أضعف التسرّع إنتاجيّة سلطتها المحليّة وجعلها أقرب إلى الرتابة السلطويّة القاصرة. أُلبست هذه الفترة من الجمهوريّة الخامسة ملابس الجمهورية الرابعة، في وقت ينتظر الشعب الفرنسيّ من هيكله الديمقراطيّ الجاهزيّة في مواجهة التحدّيات المستقبليّة التي أسقطت الجمهوريّة الرابعة وأسّست بدورها الجمهوريّة الخامسة. فكيف سيتمّ حلّ الاستعصاء الحكوميّ والدستوريّ؟ وهل تكون الإدارة الفرنسيّة أمام عتبة الجمهوريّة السادسة؟

دخلت الإدارة الفرنسيّة مرحلة أزمة مزدوجة وغير مسبوقة. تعيش حالة انفصام دستوريّ، فهي في مرحلة الجمهوريّة الخامسة، فيما تتناسب سلوكيّاتها مع قواعد الجمهوريّة الرابعة

ثقافة الأغلبيّة

قامت الجمهوريّة الخامسة على قاعدة ثقافة الأغلبيّة. تنتهج هذه السرديّة ثنائيّة الاستقطابات الائتلافيّة بين الأكثريّة الحاكمة والأقليّة المعارضة تحت مظلّة اليمين واليسار. لكنّها لم تكن حكراً على أيّ ازدواجيّة حزبيّة في الحياة السياسيّة. انتهج الرئيس ماكرون نموذج الوسطيّة المتحكّمة. وسلك مبدأ التسويات. اعتمد في البداية على المعارضين من اليمين واليسار وجمهور المتردّدين والمستقلّين.

نجحت طريقته في الفترة الأولى. أضعفت الأحزاب التقليديّة من اليمين واليسار كالاشتراكي والجمهوري. إلّا أنّ هذه التقنيّة لم تتمكّن من الصمود، فبدأت بالتراجع، والسبب الجوهريّ أصل تكوين المزاج الفرنسيّ، الذي لا يستسيغ التسويات. فتحت هذه الوقائع الكوّة إلى حالة تمثيليّة مركّبة في البرلمان. كسرت ثنائيّة التمثيل التقليديّة بين اليمين واليسار، وقضت على سيطرة الجمهوريّين والاشتراكيّين. يتجاوز عدد الكتل السياسية اليوم بأطوار ما كان عليه الحال في فترة الجمهوريّة الرابعة، وهو ما يجعلها بحاجة إلى الاستحكام إلى أسلوب التسوية والتوافقيّة المكروهتَين مع تجذّر حكم الأغلبيّة المجرّدة.

تشبه المرحلة الحاليّة فترة الحكم الفرنسيّة الممتدّة من انتهاء الحرب العالميّة الثانية في عام 1946، إلى بداية الجمهوريّة الخامسة في عام 1958. كانت عصر الجمهوريّة الرابعة الذي شهد تبدّل أكثر من عشرين حكومة في غضون عقد من الزمن. فيما يشهد على عهد ماكرون ثماني حكومات إلى الآن والتاسعة على الطريق، مع معدّل عدّة أشهر لكلّ حكومة. استبدلت مرحلة الدستور الرابع المشهورة بالانقسامات الثلاثيّة الشيوعيّة والديغوليّة واليمينيّة بالمشهديّات الممزّقة والمتشظّية التي شلّت الجمهوريّة الخامسة، حيث تفتقر الجبهة الشعبيّة إلى التنظيم، لكنّها ناقمة ومعادية للنظام. يرافقها التجمّع الوطني اليمينيّ بمنطق الحقد على العهد الماكرونيّ. ويلعب اليمين المتطرّف على وتر الانتخابات النيابيّة أو حتّى الرئاسيّة المبكرة. فيما برز العديد من الأحزاب الصغيرة التي تلعب على القطعة والتحالفات المرحليّة.

قدّم سيباستيان ليكورنو استقالة حكومته الأقصر خدمة في تاريخ الجمهوريّة الخامسة بعد ساعات من ولادتها. ولا تكمن المشكلة في شخصه ولا حتّى الذين سبقوه، بل في اتّساع الفجوة بين منطق الحكومة و”الحوكمات” بنتيجة مباشرة لتقاطعات الظروف المحليّة الفرنسيّة والخارجيّة الأوروبيّة والدولية. أُدخلت عاصمة الأنوار إلى مسرح مختلف من الاضطرابات البرلمانيّة. وقعت السلطة التنفيذية الفرنسية ضحيّة صلاحيّات رئاسيّة قويّة مفتقرة إلى الأكثريّة النيابيّة، معزِّزة لحكمه الإجرائيّ، وسطوة سلبيّة لجمعيّة وطنيّة فاشلة وغير محدّدة الهويّة التنظيميّة. وهو الأمر نفسه مع تصلّب برلمان الجمهوريّة الرابعة بوجه الإليزيه وعرقلة مسيرة الحكومات.

تشبه المرحلة الحاليّة فترة الحكم الفرنسيّة الممتدّة من انتهاء الحرب العالميّة الثانية في عام 1946، إلى بداية الجمهوريّة الخامسة في عام 1958

إشارات سلبيّة

مهّد التعديل الدستوريّ الخامس لإجراءات مختلفة تضمن سيرورة العمل التنفيذي مع رقابة برلمانية متوازنة، من خلال تقليل سطوة الجمعيّة الوطنيّة، وبالتالي إراحة القوّة القانونيّة التنفيذيّة. ساهم تهشيم ثنائيّة الأغلبيّة والأقليّة الحاكمة في النيل من هيبة المؤسّسة التنفيذيّة الفرنسية. وضع هذا الحال قصر ماتينيون في حرج دائم نتيجة الحرب الدائرة بين قصرَي الإليزيه والبوربون، فتدحرجت سبحة تكليف وتشكيل الحكومات، وكثرت سكاكين حجب الثقة من البرلمان، وهو أمر غير مسبوق.

يخسر الإليزيه المعركة الإجرائيّة بطريقة غير مباشرة لمصلحة الجمعيّة الوطنيّة مع تضييع السلطة التنفيذيّة هيبتها ومكانتها بسبب طلب حجبها الثقة بطريقة شخصيّة. لكنّها إشارات سلبيّة بسبب دور النوّاب السلبيّ في تشكيل السياسات، ولا تدلّ على عودة برلمانيّة حيويّة.

دخلت الإدارة الفرنسيّة مرحلة أزمة مزدوجة وغير مسبوقة. تعيش حالة انفصام دستوريّ، فهي في مرحلة الجمهوريّة الخامسة، فيما تتناسب سلوكيّاتها مع قواعد الجمهوريّة الرابعة. ويلوح من بعيد الانسداد والخمول الدستوريّ والعجز الوظيفيّ الإجرائيّ. لكن ما زالت أبواب الحلول مفتوحة، حيث يحظى الرئيس الفرنسيّ بصلاحيّة دستوريّة كبيرة تجعله صمام أمان. ويمتلك شرعيّة انتخابيّة ولديه قوّة حلّ البرلمان وجدارة تشغيل سلطة الطوارئ الاستثنائيّة.

إقرأ أيضاً: إيران ما بعد خطة ترامب: خسائر بالجملة

انتهت الجمهوريّة الرابعة بسبب حالة اللاستقرار الداخليّ وأزمة الجزائر الخارجيّة. يتكرّر هذا الأمر اليوم مع حالة عدم ثبات داخليّة وأزمة أوكرانيا الخارجيّة. يتمشّى الرئيس ماكرون منفرداً على ضفاف نهر السين للتأمّل والتركيز، وهذا المشي عادة وهواية قديمتان له، خاصّة عندما يكون في ظرف حسّاس. فهل يتحضّر لقرار رئاسيّ حاسم وجريء وتاريخيّ؟ هل يحلّ الجمعيّة الوطنيّة ويدعو إلى انتخابات نيابيّة جديدة؟ هل يكلّف شخصيّة جديدة التشكيل؟ وهل تكون فرنسا على موعد مع الجمهوريّة السادسة؟.

مواضيع ذات صلة

لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…

تبدو كلّ دولة في المنطقة، باستثناء لبنان، مستعدّة للذهاب بعيداً من أجل خدمة مصالحها وحلّ مشاكلها الداخليّة حماية لنفسها وللنظام الحاكم فيها، بغضّ النظر عن…

تركيا والسعوديّة وباكستان: ثلاثيّ إعادة التّوازن الإقليميّ؟

ليس التحالف الثلاثيّ الذي يدور الحديث عنه بين تركيا والمملكة السعوديّة وباكستان فكرة حالمة أو طرحاً نظريّاً وحسب، بل يندرج في إطار فرصة استراتيجيّة محتملة…

معاناة الغزّيّين… بؤس لا يتوقف

في زمن حرب الإبادة على غزّة التي وصلت إلى منتصف عامها الثالث، وبموازاتها حرب التصفية السياسيّة في الضفّة، لم تخفَ على الفلسطينيّين والعرب أيّ تفصيلةٍ…

اليمين الرّاديكاليّ للأوروبين: نحن قادمون

من الواضح من استطلاعات الرأي المنشورة حديثاً أنّ حظوظ اليمين المتطرّف في السلطة زادت بصفة نوعيّة في معظم الدول الأوروبيّة، بما فيها تلك الديمقراطيّة العريقة. في فرنسا،…