لا تُحصى الأبعاد التي تتعدّى هدف اغتيال قادة “حماس” في العاصمة القطرية، حتّى لو فشل تحقيقه. من قناعة كُثر بأنّ أحد الأهداف طرح الدور القطريّ في العلاقة مع الإسلام السياسي، إلى اعتبار آخرين أنّ الرسالة موجّهة إلى دول الخليج قاطبة تتقدّمها السعوديّة، بسبب تمسّكها بحلّ الدولتين، تكثر الخلاصات. تحت عنوان الاستضعاف الإسرائيلي والتجاهل الأميركي للموقف والمصالح العربية حيال الجنون الإسرائيلي وفظاعاته في غزّة والضفّة، يعتقد البعض بأنّ الضربة تتوِّج نهجاً للتحالف الأميركي الإسرائيلي، يطرح على القمّة العربية الإسلامية الاستثنائية في الدوحة غداً وبعده، تحدّي استدراك ما يفوق الاستضعاف والتجاهل.
سيكون صعباً على دونالد ترامب تبرئة نفسه من الضلوع في قصف إسرائيل قطر، بعدما اكتشف رجال الإدارة فداحة العملية التي ارتكبها بنيامين نتنياهو وتأثيرها السلبيّ حيال أميركا في المنطقة.
كيف فضح نتنياهو النأي بالنّفس الأميركيّ
بدت محاولة واشنطن النأي بنفسها عن ضرب عاصمة عربيّة بعيدة، وتحديداً خليجيّة حليفة، ومكلَّفة من قبلها بالوساطات في الشرق الأوسط وخارجه، أحدثها في شأن حرب غزّة، أقرب إلى “التخبيص” والارتباك على أعلى المستويات في الدولة العظمى. ولا داعي لاستعادة الوقائع التي تدحض محاولة ترامب نفي علاقته بالعمليّة، من وجود قاعدة “العيديد” على الأرض القطريّة، إلى ما قاله نتنياهو عن إبلاغ الأميركيّين بها، ثمّ ادّعائه أنّه قرار إسرائيلي صرف لمساعدة ترامب على إبعاد التهمة عنه، انتهاءً بتناقض تصريحات الأخير بين توقّعه أن يؤدّي اغتيال قادة “حماس” إلى خلق “فرصة” للسلام، ثمّ إعلانه أنّه غير مسرور بحصولها.
مهما يكن من تبريرات ترامب، فإنّ نتنياهو بفجاجته لم يراعِ حرَج الأوّل حين ردّ على انتقادات أميركية للضربة بالقول إنّه يفعل الشيء نفسه الذي قامت به أميركا حين احتلّت أفغانستان والعراق ردّاً على تفجير “القاعدة” البرجين في 11 أيلول 2001. ومثلما أحرجت الضربة واشنطن تجاه دول الخليج والدول الإسلامية والعربية، فإنّها أحرجتها في مجلس الأمن حين فرضت عدم تسمية إسرائيل في بيان الإدانة الذي صدر عنه.
سيكون صعباً على دونالد ترامب تبرئة نفسه من الضلوع في قصف إسرائيل قطر، بعدما اكتشف رجال الإدارة فداحة العملية التي ارتكبها بنيامين نتنياهو وتأثيرها السلبيّ حيال أميركا في المنطقة
استهداف قطر بالذّات.. والأبعاد الاستراتيجيّة
يكشف كلّ ذلك أنّ الحدث جلل وله أبعاد استراتيجيّة ويستبطن رسائل سياسية جوهريّة تعدّدت القراءات لمراميها التي استدعت ردّة فعل خليجية سريعة ودعوة عاجلة إلى قمّة عربية إسلاميّة في الدوحة:
1- إذا كانت واقعة قصف عاصمة عربيّة بعيدة لم تحصل منذ قصف إسرائيل المفاعل النووي العراقي القريب من بغداد عام 1981، فإنّ تبرير تكرارها قصف العاصمة اليمنيّة صنعاء جرى على مدى السنة الماضية لأنّ الحوثيين دخلوا حرب إسناد غزّة. يأتي قصفها دمشق في سياق صراعها مع النفوذ التركي في سوريا، ولتطويع الحكم الجديد فيها كي يسلّم بالحزام الأمنيّ الواسع على حدودها ولإسقاط اتّفاق فصل القوّات لعام 1974 تمهيداً لاتّفاق سلام لدمشق شروط عليه. فما مبرّر قصف الدوحة البعيدة أكثر من ألفَي كيلومتر عن حدودها؟ في الردّ على هذا السؤال يسرد المتابعون لخفايا الموقفين الأميركي والإسرائيلي جملة أسباب لاستهداف الدولة التي تحتضن أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة أبرزها:
ويتكوف أصابته شرارات الضّربة
- تتّهم أوساط أميركية متضامنة مع إسرائيل الدوحة بتمويل التحرّكات الطلابيّة والشبابية المناوئة للحملة العسكرية الإسرائيلية على غزّة، وأنها تموّل بعض الرموز الإسلامية في أميركا. وهي تحرّكات وقف ترامب ضدّها بعنف فسجن رموزها وطرد بعضهم. لم تشفع لقطر وساطتها مع “حماس”، ولا استثماراتها في الاقتصاد الأميركي ولا الطائرة الهديّة التي قدّمتها لترامب. وفي واشنطن من يدعو إلى إنهاء الدور التمويليّ لقطر لحركات إسلامية في أنحاء أخرى في العالم.
- يصيب استهداف قطر بشراراته الوسيط الأميركي موفد الرئيس إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف المعروف بأنّه رجل أعمال ومطوّر عقاريّ جمع جزءاً من ثروته في الاستثمار في قطر، والمسجّل في الخارجية الأميركية أنّه يمثّل اللوبي الأميركي للدوحة.
- تدعم قطر الحكم الجديد في سوريا بالتعاون الوثيق مع تركيا. ويذهب البعض إلى أنّ إسرائيل استغلّت انزعاج دول عربيّة من الدور القطريّ في بلاد الشام وفي ساحات إقليمية مشتعلة.
على الرغم من أنّ تصاعد الاعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية لن يفضي إلى قيامها، يقضّ تسجيل هذا الاعتراف مضجع إسرائيل مستقبلاً، إذا سنحت ظروف تحقيقه
التّصويب على السّعوديّة والاعتراف بالدّولة
2- بصرف النظر عن استهداف قطر بالذات، يرى مراقبون أنّ بعدها الاستراتيجيّ الأوّل هو استهداف الموقف العربي، السعوديّ خصوصاً، الذي يرهن أيّ تطبيع محتمل مع إسرائيل بالاعتراف بدولة فلسطين. لم يكن عن عبث أن كرّر رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مرّتين بعد ساعتين من الضربة أنّها تستهدف دول الخليج برمّتها. تشير إلى ذلك ردّة فعل وليّ العهد السعوديّ الفوريّة مقرونة بكلامه عن غزّة وحقّ الفلسطينيّين بدولة مستقلّة، ومسارعة رئيس دولة الإمارات محمّد بن زايد لزيارة الدوحة متضامناً، ثمّ استدعاء السفير الإسرائيلي في أبو ظبي.
تقود المملكة العربية السعوديّة حملة لهذا الغرض تتبلور في المؤتمر الدوليّ حول فلسطين برئاسة وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجعلت اليمين الإسرائيلي مذعوراً. الرفض الأميركي لهذا الخيار كرّسه الفيتو الأميركي المتكرّر في مجلس الأمن وصولاً إلى حجب تأشيرات دخول الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس ووفده إلى نيويورك للحؤول دون حضورهم مؤتمر حلّ الدولتين في 22 أيلول.
على الرغم من أنّ تصاعد الاعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية لن يفضي إلى قيامها، يقضّ تسجيل هذا الاعتراف مضجع إسرائيل مستقبلاً، إذا سنحت ظروف تحقيقه. تعهّد نتنياهو غداة قصف الدوحة، ردّاً على كلمة وليّ العهد السعودي، بـ”ألّا تكون هناك دولة فلسطينية.. سنفي بوعدنا بألّا تكون هناك دولة فلسطينية، هذا المكان لنا”.
إقرأ أيضاً: استهداف لـ”الحركة” أم لـ”الاستثناء” القطري؟
تحدّيات القمّة العربيّة الإسلاميّة
قد تكون للحديث صلة بعد هذه العجالة بشأن أبعاد الضربة وتفاعلاتها، ومنها آثار الدور الأميركي المكشوف والمستتر فيها على الشعوب العربية والإسلامية. وهي آثار قد تكرّر السؤال الأميركي الذي طُرح بعد 11 أيلول: “لماذا يكرهوننا؟”.
لكنّ السؤال الملحّ يبقى كيف يمكن أن تتبلور “الصحوة” العربية الإسلامية في قمّة الدوحة المزدوجة، وفق الإشكالية التي أثارها “أساس” بالأمس: إمّا الرضوخ لجنون السيطرة الإسرائيلية أو مواجهة هذا الجنون.
لمتابعة الكاتب على X:
