في زمنٍ لم تَعُد فيه المياه مورداً طبيعيّاً، بل أداة للهيمنة والنفوذ، تحوّلت مسألة الاستفادة من الأنهار إلى ساحة صراع تتشابك فيها المصالح، وتُشهَر فيها أوراق القوّة، في ظلّ معضلة تنظيم العلاقة بين دول المنبع والمجرى والمصبّ. تؤكّد الأرقام والدراسات والتوقّعات العلميّة أنّ مَن يتأخّر في وضع خطط مائيّة استراتيجيّة سيدفع ثمناً باهظاً.
دجلة والفرات، نهرا الجوار الثلاثيّ المؤلّف من تركيا وسوريا والعراق، لم يكونا مجاري مائيّة تسقي الأرض، بل شريان حياة وأساس حضارات ضاربة في عمق التاريخ. لكنّ هذه النعمة الجغرافيّة تحوّلت إلى معضلة جيوسياسيّة بعدما باتت المياه قضيّة أمن قوميّ تتطلّب خططاً تتعدّى التنمية إلى الأمن والاقتصاد والسياسة.
نحن في زمن تشابك المصالح، حيث لم تَعُد المياه ورقة ضغط منفردة، بل جزء من معادلة أوسع تشمل التجارة والنفط والغاز والعلاقات السياسية المتداخلة. النزاع المائيّ بين تركيا وسوريا والعراق ليس خلافاً فنّيّاً، بل صراع جيوسياسيّ طويل الأمد تحكمه مفاهيم قانونيّة متباينة وأبعاد أمنيّة وبيئيّة.
على الرغم من أنّ التوتّرات تحمل أبعاداً سياسيّة وتوازنات إقليميّة، فإنّ غياب الرغبة الحقيقية في تحويل الملفّ إلى قضيّة تقنيّة تنمويّة اقتصادية هو ما يعيق أيّ تقدّم فعليّ
الفرصة الوحيدة
السؤال الجوهريّ هو: متى تخرج الدول الثلاث من منطق اعتبار مياه النهرين سبباً للتوتّر والصراع، إلى رؤيتها نعمةً جغرافيّة وركيزةً لبناء شراكة حقيقية؟
تشير الزيادة السكّانيّة مقابل تراجع الموارد المائية والهدر المستمرّ في الدول الثلاث، مع غياب تنسيق استراتيجيّ فعّال، إلى احتمالات متزايدة لأزمات مائيّة أكبر. وعلى الرغم من الحديث عن مشاريع مشتركة، لا يزال واقع التنفيذ متأخّراً عن الضرورات الميدانيّة.
تبنّت تركيا منذ الثمانينيّات استراتيجية مائيّة متقدّمة، ضمّنتها في سياستها الأمنيّة القومية منذ عام 2005، واستثمرت أكثر من 85 مليار دولار في مشاريع الريّ والسدود، وخصّصت عام 2025 وحده ميزانيّة تتجاوز 6.5 مليارات دولار لتنفيذ 321 مشروعاً جديداً. تُعامل المقاربةُ التركيّة المياهَ بوصفها جزءاً من أمنها الوطني والغذائي والطاقة.
في المقابل، لا تزال الخطط المائيّة في سوريا والعراق دون المستوى المطلوب، على الرغم من إقرار استراتيجيات وطنيّة. مؤشّرات تقلُّص الرقعة الزراعيّة، وتزايد النزوح، وتدهور البنية التحتيّة، تعكس عدم الجاهزيّة الحقيقية للتعامل مع التحدّيات المتصاعدة، لا سيما في ظلّ تغيّر المناخ ومواسم الجفاف الحادّ.
تذهب الكثير من التوقّعات إلى اعتبار أنّ الفرصة الوحيدة هي تسريع تفعيل خطط التعاون والتنسيق المائيّ، وأنّه في ظلّ غياب خطط وبرامج تعاون ثلاثيّ حقيقيّ، سيؤدّي احتمال تصاعد الأزمة إلى توتّرات أكبر قد تصعب محاصرتها وتضييق الخناق عليها.
تُفاقم الأزمة اختلاف المفاهيم القانونيّة بين الدول الثلاث: تصف تركيا النهرين بـ”المياه العابرة للحدود”، بينما تُصرّ سوريا والعراق على “النهر الدوليّ” ومبدأ تقاسم الحصص. من هنا مراجعة القناعات المعتمَدة في الدفاع عن الحقوق المائيّة ينبغي أن تكون الخطوة الأولى على طريق التغيير وتحديث السياسات والأساليب بين الدول الثلاث. فالخلافات المائيّة بين هذه الدول تذهب إلى أنّ الأزمة لم تعد أزمة علاقات سياسية أو قانونية وأمنيّة، بقدر ما باتت ترتبط بالبُعد الحياتيّ والإنمائيّ والاستخدام العلميّ والتقنيّ الصحيح للاستفادة الكبرى من هذه الثروات المائيّة المشتركة.
تذهب الكثير من التوقّعات إلى اعتبار أنّ الفرصة الوحيدة هي تسريع تفعيل خطط التعاون والتنسيق المائيّ، وأنّه في ظلّ غياب خطط وبرامج تعاون ثلاثيّ حقيقيّ
من التّوتّر إلى الشّراكة
على الرغم من بعض جهود التهدئة وتحسّن العلاقات، تبقى الاتّفاقات المائيّة هشّة، وهو ما يجعل ملفّ المياه قنبلة موقوتة في صُلب العلاقة الثلاثيّة. ويبدو أنّ السبيل الوحيد لتفادي التصعيد هو اعتماد نهج تعاونيّ يقوم على تبادل المنفعة وتقاسم المسؤوليّة.
خارطة الأولويّات المقترحة تشمل:
- تأسيس مجلس أعلى للمياه للتنسيق الثلاثيّ.
-
وضع خطط مشتركة لتقليل الهدر وتحسين استخدام المياه في الزراعة والصناعة
والتنسيق في توقيت ملء السدود وتشغيلها، إلى جانب مشاريع مشتركة للطاقة والتحلية.
- استثمار مشترك في البنية التحتيّة وتحديث شبكات الريّ.
- إنشاء لجان تحكيم أو وساطة محايدة لتسوية النزاعات.
- تبادل الخبرات والتدريب على إدارة المياه الحديثة.
- التزام مبدأ “المنفعة المشتركة وعدم الإضرار”.
إقرأ أيضاً: أنقرة والقاهرة تكتبان فصلاً جديداً في ليبيا
على الرغم من أنّ التوتّرات تحمل أبعاداً سياسيّة وتوازنات إقليميّة، فإنّ غياب الرغبة الحقيقية في تحويل الملفّ إلى قضيّة تقنيّة تنمويّة اقتصادية هو ما يعيق أيّ تقدّم فعليّ.
بين نهرين وثلاث دول وخمسة عقود من التوتّر، لا تزال المياه أداة قوّة… أو فرصة مهدورة. فإمّا أن تُبنى جسور التعاون على ضفاف دجلة والفرات، أو يُترك حوض النهرين رهينة الجفاف والتجاذبات. وحدها الإرادة السياسية الصادقة قادرة على تحويل هذا المورد من ملفّ نزاع إلى أساس شراكة وتنمية إقليميّة مستدامة.
لمتابعة الكاتب على X:
