لو قُدِّر لأحد من شهداء غزة أن يعود للحياة في هذه اللحظة، ربما كان ليهتز قلبه بين الفرح والبكاء. يرى الدخان يتصاعد من بين أنقاض منازل لم تزل حيّة في ذاكرته، ويستمع إلى أصوات تحاكي صمت الموت نفسه، ثم يقال له إنّ كل ما يحدث مجرد خيال أو رواية من نسج الإعلام، لابتسم بمرارة. فلو كان هناك خيال يوازي الواقع لكان ما يراه أبعد من كل ما تخيله أي كاتب أو فنان. لكن الواقع أثبت مرة أخرى أنّ الكوارث حين تتعانق مع السياسة تصبح أعمق من أي قصة، وأقسى من أي سرد.
إن ما يحدث في غزة ليس مجرد صراع مسلح، بل هو تجسيد لخراب القيم وذوبان الروادع الأخلاقية، كما لو أنّ التاريخ كله قرر أن يعيد نفسه على شكل مأساة مكثفة. فالمدن تتحول إلى أطلال، والوجوه المألوفة تتحول إلى رموز للغربة داخل الأرض نفسها. وفي كل مرة تنزل قذيفة، يُولد سؤال عن الإنسانية، عن سبب استمرار الألم، وعن كيف يمكن للقتل أن يصبح ممارسة يومية بلا دم، بلا وازع، بلا سؤال.
سياسياً، يبدو المشهد كأنّه إعادة توزيع للقوة على الأرض، وتحكّم في الوعي الدولي والإقليمي، حيث تُوظف الحرب ليس فقط لفرض إرادة عسكرية، بل أيضاً لتثبيت تحالفات، وابتكار ضغوط دبلوماسية، وفرض سرديات على الرأي العام العالمي. كل طرف يحاول أن يستخدم المعاناة الإنسانية كورقة في لعبة كبرى، تجعل من القتل أداة، ومن الصمود السياسي استراتيجية. هنا، السياسة تتشابك مع المأساة بطريقة تجعل الإنسان في غزة لا يُحتسب سوى كمتغيّر في معادلة القوة.
ما يحدث في غزة ليس مجرد صراع مسلح، بل هو تجسيد لخراب القيم وذوبان الروادع الأخلاقية، كما لو أنّ التاريخ كله قرر أن يعيد نفسه على شكل مأساة مكثفة
منذ حمورابي وشريعته، وحتى أقصى ما بلغه الفكر الإنساني من قوانين ومواثيق، كان السن مقابل السن، والعين مقابل العين، والبادئ هو الأظلم. واليوم، يبدو أنّ التاريخ يتكرر، لكن بأسلوب أكثر تعقيداً ودهاء، يحوّل الأخوة إلى أعداء، والتوأم إلى خصوم، والحيز الإنساني إلى ساحة نزاع لا تهدأ. كل قصف، كل فقدان، كل صرخة هي تجسيد لشيء أكبر من الحرب نفسها: إنّها صرخة الإنسان المتخلى عنه في مواجهة قوى تتجاوز إدراكه، وقوى تحاول توظيف مأساة الآخرين لتحقيق أهداف سياسية.
لا خطوط بين الحقيقة والوهم
لقد عرف العرب في تاريخهم الطويل حروب الإخوة والأعداء، وظلم الأقرباء، والاستنجاد بالغريب ضد القريب. لكن غزة اليوم تمثّل مستوى آخر من الرمادية، حيث لا خطوط فاصلة بين الحقيقة والوهم، بين العدالة والظلم، بين الحلم والكوابيس. حتى الطفل الذي يرى السماء تتلون بالأحمر ويستمع لصوت انفجار قريب يشعر بالأسى العميق لأنّ العالم من حوله أصبح مرتعاً للصدمة المتكررة، ومسرحاً لموت لا يرحم.
في كل زاوية من زوايا هذه الحرب، هناك الإنسان الذي يحاول البقاء، والتاريخ الذي يحاول التكرار، والسياسة التي تتفنن في إخفاء الحقيقة وراء أوراق مزخرفة من الدبلوماسية. وبين هذا وذاك، يبقى الغزيون محتجزين بين أمل ضئيل ويأس عميق، يحلمون بأن يكون هناك من يوقف المأساة، وأن يعود الليل الذي ينام فيه الأطفال هادئاً، لا يملؤه صدى القصف والانفجار.
الخيال الذي حاول جورج أورويل وغيره استشرافه عن “الديستوبيات” البشرية لا يقارب حجم الواقع هنا. فالواقع في غزة يتجاوز كل تصوراتنا عن الظلم والتدمير والتشريد، ويؤكد مرة أخرى ما قاله أرنست فيشر: “الخيال أحياناً واقع بالغ الكثافة والتركيز، خصوصاً حين تتراجع منظومات القيم وكل الروادع والكوابح، سواء كانت قانونية أو أخلاقية”. وهنا، في غزة، يصبح الخيال ضوءاً شحيحاً وسط الظلام الكثيف، يحاول تفسير ما يحدث لكنه عاجز عن الوصول إلى قلب الألم.
لنقف لحظة مع الأرقام التي تحاول أن تخفي وراءها معاناة حقيقية: عدد القتلى، الجرحى، المنازل المهدمة، الأطفال الذين فقدوا والديهم، الأسر التي تشردت بين الحدائق والشوارع، والطرق التي لم تعد سوى أنقاض تحمل صدى الماضي والحاضر معاً. كل رقم هنا ليس مجرد إحصاء، بل هو حكاية إنسان، وجه مأساة، وحلم مفقود. إننا نقرأ الإحصاءات، ولكن ما يصدمنا ليس الرقم بحد ذاته، بل ما يحمله من ثقل روحاني وأخلاقي ووجودي.
حتى اللحظة، يبدو أن ما حدث وما يحدث سيظل متكرراً ما لم تُغير العقول قبل الخراب. ومن لم يستطع تغيير عقله، قال نيتشه، لن يغير شيئاً في هذا العالم. وهذا ما يجعل غزة ليست مجرد صراع سياسي، بل اختباراً للضمير الإنساني، ومسرحاً للسياسة الواقعية التي تحاول التلاعب بالقوة والضعف على السواء.
إقرأ أيضاً: الضّفّة الغربيّة… الثّابت الإسرائيليّ الوحيد!
محاولات تجميل الخراب
في كل محاولة دولية للتهدئة، يظهر التباين بين الحرص على الاستقرار السياسي والإصرار على فرض التوازنات الإقليمية على حساب المدنيين. فالوساطات غالباً ما تكون محاولة لتجميل الخراب وتأجيل الحساب، وليس لإنهاء المعاناة. ومع ذلك، يبقى السؤال: كم من دماء يجب أن تسيل؟ وكم من قصص يجب أن تُكتب، قبل أن يدرك العالم أنّ الإنسان ليس مجرد رقم في معادلة، بل قلب ينبض وعقل يحلم وروح تصارع من أجل البقاء؟
غزة اليوم، بهذا المعنى، ليست مجرد أرض أو مدينة، بل مرآة لمستقبل الإنسانية، ومشهداً لا يمكن للخيال وحده تفسيره، وميداناً تكشف فيه الحرب عن وجه السياسة الحقيقية، عن طمع القوى، وعن صمود الإنسان أمام المأساة المستمرة.
