خطّة الجيش وامتحان السّلاح: الدّولة أصل الخلاف

مدة القراءة 7 د

تجاور الابتهاج والحذر عند أكثريّة لبنان بعدما استخدمت الحكومة في جلستها الأخيرة عبارة “الترحيب” بخطّة الجيش لـ”حصريّة السلاح”، بدلاً من “إقرارها”. والابتهاج الذي ساد عند بيئة “الحزب” مردّه إلى “الترحيب”، فيما الباعث على الحذر، الذي كان عند كثرة من اللبنانيّين، هو الامتناع عن إقرار ما وضعته المؤسّسة العسكريّة من جهود لنقل لبنان الساحة إلى دولة قادرة وحدها على احتكار “العنف الشرعيّ”.

 

 

لم تكن جلسة مجلس الوزراء، التي انعقدت في الخامس من أيلول الحاليّ، جلسة عاديّة بأيّ مقياس. فالموضوع المطروح على الطاولة هو الأخطر منذ سنوات طويلة: خطّة الجيش اللبناني لـ”حصر السلاح بيد الدولة”.

لفظيّاً وعلى الورق، تبدو العبارة مألوفة. هذه العبارة هي شعارٌ يردّده السياسيون والبيانات الوزارية منذ عقود. وبمعنى أوضح منذ إقرار اتّفاق الطائف عام 1989. لكن هذه المرّة جاء الطرح من المؤسّسة العسكرية نفسها، وهو ما منح الملفّ وزناً غير مسبوق وأعاد فتح جرح الانقسام الداخليّ بسبب السلاح، المقاومة والسيادة.

ما هو أكيد أنّ النقاش في السلاح والجيش والدولة سيبقى عنوان المرحلة المقبلة، وأنّ “الوطنيّة اللبنانيّة” ستظلّ سؤالاً مفتوحاً، بقدر ما هي حاجة ملحّة

بين “التّرحيب” و”الإقرار”

على الرغم من أنّ الحكومة استخدمت عبارة “الترحيب” بالخطّة بدل “إقرارها”، إلّا أنّ إدراجها على جدول الأعمال ومناقشتها رسميّاً مثّلا تحوّلاً نوعيّاً. لقد بدا وكأنّ الحكومة، عن قصد أو عن غيره، تضع البلاد على عتبة مواجهة سياسيّة داخليّة كبرى، وتفتح الباب أمام امتحان إقليميّ ودوليّ قد يحدّد ملامح مستقبل لبنان في السنوات المقبلة.

في المداولات الوزاريّة، تجنّبت الحكومة الانزلاق نحو قرار حاسم. اكتفت بالتعبير عن “الترحيب بالخطّة” من دون المصادقة عليها لتكون “وثيقة ملزمة”. هذا الفارق في العبارات لم يكن بريئاً، بل يعكس حجم التعقيدات. الإقرار يعني الدخول مباشرة في صراع مع قوى تمتلك سلاحاً خارج إطار الدولة، وأبرزها “الحزب”. أمّا الترحيب فهو صيغة وسطيّة تُبقي الخطّة في دائرة النقاش وتؤجّل المواجهة، كأنّنا في لبنان محكومون بالبقاء في حال ترقّب خوفاً من أن يصير المؤقّت مؤجّلاً.

لكن حتّى هذا “الترحيب” حمل دلالات سياسية ثقيلة. فالمجتمع الدولي، ولا سيما الدول المانحة للجيش، قرأ الخطوة إشارةً إلى استعداد رسميّ، ولو مبدئيّاً، لمقاربة ملفّ السلاح بجدّيّة. في الداخل، تلقّفت القوى المعارضة لسلاح “الحزب” الأمر بوصفه تلكّؤاً سياسيّاً متعمَّداً. أمّا “الحزب” وحلفاؤه فاعتبروا أنّ وضع الخطّة بوصفها محلّ “ترحيب” لا يعني إلّا تراجعاً من الحكومة عن قرار جلستَي مجلس الوزراء في 5 و7 من شهر آب الماضي، ومزيداً من المماطلة بوجه “ضغوط خارجية”، ما كان ينبغي لها أن تتسلّل إلى الحياة السياسيّة اللبنانية، علماً أنّ شرط قيام الدولة هو حصر “السلاح” وقرارَيْ الحرب والسلم بيدها وحدها.

معركة سياسيّة مفتوحة

كان على رئيسَيْ الجمهوريّة والحكومة ألّا ينسيا أنّ لدى اللبنانيّين تمارين عدّة على اختلاط التوقّع وانقلاب القرارات على نفسها وعلى أصحابها. فالكثرة من اللبنانيّين محقّة في حذرها من “قرار الترحيب” لأنّها تخشى أحداثاً سابقة عرفوها وخبروها. في ثورة “14 آذار” ما كادوا يصفّقون لخروج الوصاية السورية حتّى أحكمت إيران ولايتها عليهم. وربّما آن أوان القول الصريح لرئيسَي الجمهوريّة والحكومة إنّ “الترحيب” جعلهما بلا داخل يُعوَّل عليه.

منذ نهاية الجلسة، اندلعت معركة التصريحات. فريق سياسي يرفع لواء “الدولة القويّة” رأى أنّ اللحظة مؤاتية لاستعادة القرار السياديّ وإنهاء ازدواجيّة السلاح، وما كان على مجلس الوزراء أن “يُرحّب” بالخطّة، بل الذهاب إلى “إقرارها”.

على الرغم من أنّ الحكومة استخدمت عبارة “الترحيب” بالخطّة بدل “إقرارها”، إلّا أنّ إدراجها على جدول الأعمال ومناقشتها رسميّاً مثّلا تحوّلاً نوعيّاً

في المقابل، حذّرت قوى أخرى في مقدَّمها “الحزب”، من أنّ أيّ مسعى لحصر السلاح بالقوّة سيجرّ البلاد إلى صدام داخليّ وربّما إلى انهيار ما بقي من مؤسّسات. وبين الموقفَين، يقف الجيش نفسه في موقع شديد الحساسيّة: يطرح الخطّة بصفته الضامن الوحيد لوحدة الكيان، لكنّه يدرك أنّ تنفيذها من دون توافق وطنيّ سيكون شبه مستحيل.

البعد الإقليميّ والدّوليّ

لا يمكن فصل النقاش اللبناني عن السياق الإقليمي. المواجهة بين إيران والولايات المتّحدة والحرب في غزّة والاضطراب المستمرّ على الحدود الجنوبيّة، كلّها عوامل تجعل ملفّ السلاح في لبنان جزءاً من لوحة أكبر.

من هنا، لم يكن غريباً أن تبدي عواصم عربيّة وغربيّة اهتماماً استثنائيّاً بما جرى في مجلس الوزراء. شجّع بعضها على المضيّ قدماً في الخطّة، فيما أبدت إيران في جرائدها علناً خشية من أن تؤدّي الخطوة إلى انفجار داخليّ إذا لم ترافقها حلقات حوار من أجل إقرار استراتيجية دفاعيّة مصحوبة بضمانات سياسيّة واضحة.

ترى الدول الحليفة والصديقة للبنان أنّ تقوية الجيش لا تنفصل عن التزام سياسيّ حقيقيّ لحصر السلاح بيده. لكنّ هذه الدول نفسها تعرف أنّ الواقع اللبناني شديد التعقيد. أمّا طهران  فهي تترقّب ما إذا كان لبنان سيتحوّل إلى ساحة اختبار جديدة للصراع الإيراني ـ الأميركي، أم سينجح في حماية نفسه عبر صيغة لبنانيّة داخلية.

أزمة “الوطنيّة اللّبنانيّة”

لكن خلف كلّ هذا الجدل السياسي والأمنيّ، يطفو سؤال أعمق: ما معنى “الوطنيّة اللبنانيّة” أصلاً؟ منذ إعلان “لبنان الكبير” عام 1920، لم يتّفق اللبنانيّون على تعريف جامع لهذا المفهوم. هل الوطنيّة هي الولاء لفكرة الدولة المركزيّة وحدها؟ أم تتجسّد في التنوّع الطائفي الذي يُعتبر في آنٍ معاً مصدر غنى وسبب انقسام؟ هل هي مرتبطة بالحياد عن صراعات المنطقة أم بالمشاركة في “المقاومة” ضدّ إسرائيل؟ وهل يمكن للّبنانيّ أن يكون وطنيّاً وهو يضع ولاءه الطائفي أو الإقليمي فوق ولائه للدولة؟

تطرح الخطّة العسكريّة لحصر السلاح هذه الأسئلة بقوّة جديدة. المعادلة بسيطة: لا يمكن قيام دولة قويّة من دون حصريّة السلاح. لكن هل كلّ اللّبنانيّين متّفقون على أنّ “الدولة” هي المرجعيّة الوحيدة؟ أم جزء من الهويّة الوطنيّة بُني تاريخيّاً على قبول ازدواجية السلطة بين الدولة والمجتمع الأهليّ أو الطائفة؟

أسئلة أمام اللّبنانيّين

في هذا السياق، تبدو الخطّة العسكرية بمنزلة مرآة تعكس أزمة الهويّة الوطنيّة أكثر ممّا تقدِّم حلّاً تقنيّاً. حتّى لو امتلك الجيش القدرة اللوجستية على جمع السلاح، يبقى الشرط الأهمّ الاتّفاق السياسي والثقافيّ على تعريف “الوطنيّة اللبنانيّة”.

لم تكن الجلسة الحكوميّة الأخيرة حدثاً عاديّاً عابراً، بل هي لحظة مفصليّة وضعت لبنان أمام خيارين: إمّا السير في مسار طويل وصعب نحو بناء دولة حقيقيّة، أو البقاء في منطقة رماديّة تُدار بالتوازنات الهشّة والتسويات المؤقّتة.

إقرأ أيضاً: تحالف عون- برّي يُنقذ “الحزب” من سلام..

لكنّ ما كشفته الجلسة أيضاً هو أنّ المشكلة ليست في التقنيّة أو في القدرة العسكرية فقط، بل في المعنى نفسه: ماذا يعني أن تكون لبنانيّاً؟ وأيّ وطن يريد اللبنانيّون أن يبنوه بعد مئة وخمس سنوات على إعلان الكيان؟

حتّى الآن، يبدو أنّ الجواب لم يُحسم بعد. لكنّ ما هو أكيد أنّ النقاش في السلاح والجيش والدولة سيبقى عنوان المرحلة المقبلة، وأنّ “الوطنيّة اللبنانيّة” ستظلّ سؤالاً مفتوحاً، بقدر ما هي حاجة ملحّة.

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

فنزويلّا البداية في “عقيدة ترامب” الجديدة

لم يمرّ على الولايات المتّحدة رئيسٌ أكثر وضوحاً من دونالد ترامب. قال بصريح العبارة إنّه يريد استعادة “النفط المسروق” في فنزويلّا. تلك هي المرّة الأولى…

دول القرار ودول الأدوار: اليمن نموذجاً

في اجتماعات التحرير في موقع “أساس ميديا”، كان الناشر الوزير السابق نهاد المشنوق، وخلال النقاشات السياسية والتحريرية، حريصاً على توضيح ثابتة أساسية للزملاء في كيفية…

الإمبراطور فتح باب تغيير الأنظمة.. أسرع مما نتوقّع

العالم على أعتاب تحوّلات معرفية هائلة، ستعكس حكماً “هويّتها” على شكل الإمبراطورية التي تحكم الكوكب. وستقدّم ترامب كإمبراطور ذي تجرية غير مسبوقة في “السيطرة على…

اعتقال مادورو: الدّلالات الجيوسياسيّة

لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو في كراكاس سابقة في تاريخ علاقات الولايات المتّحدة بالمحيط الأميركيّ. سبق لواشنطن أن تدخّلت عسكريّاً في عدّة بلدان من القارّة…