في الثالث من أيلول، شهدت بكين عرضاً عسكريّاً ضخماً بدا للوهلة الأولى استعراضاً للقوّة وحسب، لكنّه في الواقع كان إعلاناً صاخباً عن ولادة تحالف جديد يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي. تحت مظلّة الرئيس الصيني شي جين بينغ، اجتمع فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون ليؤكّدوا أنّ زمن “محور الاضطراب” قد بدأ. إنّه تحالفٌ قائمٌ على المصالح لا على الأيديولوجية، تتغذّى أطرافه من دعم إيرانيّ متزايد وتتعقّد معادلاته مع التوازنات الهنديّة الموزّعة بين واشنطن وموسكو.
يضع هذا المشهد الولايات المتّحدة أمام اختبار غير مسبوق: هل تستطيع إدارة دونالد ترامب أن تصوغ استراتيجية ذكيّة تجمع بين الردع العسكري والضغط الاقتصادي والدبلوماسية المرنة، وتستفيد من التناقضات داخل هذا المحور، قبل أن تفرض القوى الصاعدة وقائع جديدة على الأرض؟
وصف محلّلون غربيّون هذا التحالف بـ”محور الاضطراب”، لِما يمثّله من تحدٍّ مباشرٍ للنفوذ الأميركي، خصوصاً مع تزايد التعاون العسكريّ والدفاعيّ، والتقارب الاقتصادي، وتكثيف الخطاب المناهض للغرب.
مع إرسال كوريا الشمالية آلاف الجنود لدعم روسيا في حربها في أوكرانيا، وتوفير موسكو مظلّة دعم لبرنامج بيونغ يانغ النووي، وتعزيز بكين شرايين الحياة الاقتصادية لكلٍّ من موسكو وبيونغ يانغ، يبرز المحور الثلاثيّ كلاعب يهدّد الاستقرار في منطقتَي الهندي والهادئ وأوروبا.
مصالح متبادَلة… وثغرات
لا يقوم هذا المحور على وحدة أيديولوجيّة صلبة بقدر ما يقوم على مزيج من المصالح المتبادلة. روسيا الغارقة في أوكرانيا تستفيد من الدعم العسكري الكوريّ الشمالي وخطوط الإمداد الصينية، بينما تجد بيونغ يانغ في موسكو مظلّة نوويّة وتكنولوجيّة تعزّز موقعها الإقليمي. أمّا الصين فترى في هذا التنسيق أداة استراتيجيّة للضغط على واشنطن وإعادة تشكيل النظام الدولي بما يخدم مصالحها.
يمكن تحويل القمم الثلاثيّة بين واشنطن وطوكيو وسيول إلى تحالف دفاعيّ رسميّ يردع مغامرات بيونغ يانغ
مع ذلك، تظهر ثغرات داخليّة واضحة: بكين قلقة من طول أمد الحرب الروسيّة في أوكرانيا وتداعياتها الاقتصادية، وتتحفّظ على استفزازات بيونغ يانغ المتكرّرة التي قد تشعل نزاعاً في شبه الجزيرة الكوريّة. تمنح هذه الانقسامات واشنطن فرصاً للاستفادة منها بذكاء.
لا يمكن إغفال البعد الإيراني في المعادلة. عزّزت طهران تعاونها العسكري والاقتصادي مع موسكو وبكين، مقدِّمةً ممرّات حيويّة للطاقة ومشاركة في تطوير منظومات دفاعية متقدّمة، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة. في الخليج والبحر الأحمر، تستخدم إيران هذا النفوذ لزيادة الضغط على طرق التجارة العالمية وابتزاز خصومها الإقليميّين، وهو ما يفرض على واشنطن تكثيف وجودها العسكري والدبلوماسي هناك.

أمّا الهند فتمثّل ورقة توازن أساسيّة في هذا الصراع. تحتفظ نيودلهي بعلاقات تاريخية عميقة مع موسكو في مجالات الطاقة والدفاع، وتسعى في الوقت نفسه إلى توسيع تعاونها مع واشنطن لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ، خاصّة عبر تحالف الرباعيّة (Quad). لكنّ العلاقة الأميركية – الهندية لا تخلو من توتّر. إذ أثارت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على الصادرات الهندية خلافات تجارية حادّة، دفعت نيودلهي إلى التلويح بتعميق تعاونها مع شركاء آخرين مثل روسيا ودول جنوب شرق آسيا.
تعتمد الاستراتيجية الأميركية أوّلاً على تعزيز تحالفاتها التقليدية وتوسيع نطاقها. ستسعى واشنطن إلى تكثيف التعاون مع حلفاء آسيا عبر الرباعيّة (Quad) وتحالف AUKUS، وتطوير برامج المناورات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباريّة، خصوصاً تلك المتعلّقة بالصواريخ الكوريّة الشمالية والتوسّع الصينيّ في بحر الصين الجنوبيّ.
تحالفات دفاعيّة مقابلة
في شرق آسيا، يمكن تحويل القمم الثلاثيّة بين واشنطن وطوكيو وسيول إلى تحالف دفاعيّ رسميّ يردع مغامرات بيونغ يانغ ويحدّ من أيّ طموحات روسيّة في القطب الشمالي. أمّا في الشرق الأوسط فتعزيز التعاون مع دول الخليج وتوسيع الانتشار البحريّ في الممرّات الحيويّة سيمنحان واشنطن أدوات ردع إضافية ضدّ إيران.
على الصعيد العسكري سيكون الردّ الأميركي من خلال تعزيز واشنطن لسيناريوهات صراع متعدّدة الجبهات
أمّا في جنوب آسيا فإنّ استقطاب الهند إلى شراكة استراتيجيّة أعمق يتطلّب نهجاً مرناً يوازن بين الطموحات الاقتصادية لنيودلهي وحاجتها إلى الحماية من التمدّد الصيني، مع السعي إلى تخفيف حدّة التوتّرات التجاريّة الناتجة عن الرسوم الأميركية.
تمتلك واشنطن قدرة اقتصاديّة هائلة يمكن توظيفها بفعّالية. توسيع العقوبات الذكيّة ضدّ الشبكات الماليّة والشركات التي تدعم التعاون العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ وطهران سيؤدّي إلى خنق قنوات التمويل. وفرض عقوبات ثانويّة على البنوك الصينيّة التي تسهّل هذه العمليّات سيضاعف الضغط على المحور.
بالتوازي، تحتاج الولايات المتّحدة إلى تسريع خطط تنويع سلاسل الإمداد عبر مبادرات مثل قانون الرقائق الإلكترونية (CHIPS Act)، وتعزيز الاستثمار في المعادن النادرة مع حلفاء مثل أستراليا وكندا والهند، لتقليص اعتماد الاقتصاد العالمي على الصين والمحافظة على التفوّق التكنولوجي الأميركيّ.
الرّدّ العسكريّ
على الصعيد العسكري سيكون الردّ الأميركي من خلال تعزيز واشنطن لسيناريوهات صراع متعدّدة الجبهات:
– في منطقتَي الهندي والهادئ: زيادة الوجود العسكري في اليابان وكوريا الجنوبية وتوسيع التعاون الدفاعيّ مع الهند.
– في الشرق الأوسط: تعزيز الانتشار البحريّ والجوّي لحماية طرق الطاقة ومراقبة تحرّكات إيران في مضيق هرمز.
– في أوروبا: استمرار دعم الناتو بالأسلحة والتقنيّات المتقدّمة لردع أيّ مغامرة روسيّة جديدة.
إلى ذلك يمنح تحديثُ مظلّة الردع النوويّ وتعزيز القدرات السيبرانيّة الحلفاءَ ثقةً أكبر في مواجهة التحدّيات المتزايدة.
إقرأ أيضاً: من “أميركا أوّلاً” إلى مواجهة دوليّة
إنّ تحالف الصين وروسيا وكوريا الشمالية، مع تصاعد الدور الإيراني وتعقيدات العلاقة مع الهند، يشكّل تحدّياً لواشنطن. هذا الواقع الجديد يستوجب استراتيجية أميركية شاملة تجمع بين الدبلوماسية الذكيّة، الضغط الاقتصاديّ، التفوّق العسكريّ، وتفعيل القوّة الناعمة.
لمتابعة الكاتب على X:
