مات الحارس بعدما ماتت الجمهوريّة

مدة القراءة 3 د

ما مات حسن الرفاعي لأنّه بلغ من العمر عتيّاً (102). الرجل ما كانت السنوات بقادرة على النيل من عقله وحكمته. أسلم الروحَ ابن مدينة بعلبك الساكن في قلب بيروت حتّى ساعاته الأخيرة لأنّ مهمّته انتهت وما عاد للحارس من جمهوريّة يحرسها.

 

بات حارس الجمهوريّة عاطلاً عن العمل. ذهبت الجمهوريّة منذ سنوات بكلّ مضامينها الدستورية والسياسيّة والمجتمعيّة. لم يبقَ منها سوى ذكريات تستوطن الكتب وبعض العقول القانونية المرجعيّة. ما بقي شيء من جمهوريّة حسن الرفاعي ما تعهّد لنفسه ولوطنه أن يحرسها طوال عمره، وأن يعيش من أجلها ودوداً حازماً صلباً. أعطى معنى جديداً كيف يمكن للرجل أن يكون عملاقاً دون أن يمتلك طولاً فارعاً؟

زرته مرّات عدّة عندما بلغ الـ100 من العمر. حاضر الذهن دائماً وأبداً، يعرف كلّ مادّة قانونيّة بأيّ صفحة من الكتاب موجودة، وعند نقاشنا في إحدى الموادّ مع نجله الصديق حسّان قال حاسماً: “يا حسّان ائتني بهذا الكتاب وافتح الصفحة الفلانيّة، البند القانوني موجود فيها”.

قبل عدّة أشهر وخلال زيارتي لأحد أقاربي في مستشفى الجامعة الأميركية، وجدت نجله حسّان في المستشفى فعاجلته بالسؤال: “كيف حال الوالد؟”. فقال لي: “إنّه بخير، زيارة طبيعية لإجراء الفحوصات الروتينية، لا تقلق، اذهب لزيارة عمّك، فهو يقبع في العناية المركّزة”. لم أتمكّن من مشاهدة حسن الرفاعي. فقد كان نائماً كما قال لي حسّان. هنا استحضرت عبارة “هل ينام الحرّاس؟”. طبعاً الحرّاس لا ينامون. هم يستيقظون كي ننام نحن بأمن وأمان.

حسن الرفاعي

عاش حسّان الرفاعي مستيقظاً دائماً، لم تغمض له عين وهو يحرس القانون ويسهر على حسن تطبيقه. يعترض على هذا ويشير إلى ذاك، وعبارته المعهودة في مجلس النوّاب “هذا النصّ يخالف الكتاب”. ما يزال الجميع يذكرها.

ما مات حسن الرفاعي لأنّه بلغ من العمر عتيّاً (102). الرجل ما كانت السنوات بقادرة على النيل من عقله وحكمته

حسن الرفاعي نموذج للسنّيّة السياسيّة بحقيقة تكوّنها أنّها حامية للدولة والمؤسّسات. في عام 2023 عندما تلمّس انهيار هذه الجمهورية كتب الحارس وصيّته في كتابه “حارس الجمهورية” حيث قال: “إنّ مشكلة لبنان ليست في دستوره بل في غياب رجال الدولة القادرين على تطبيقه…”. كان كتابه وصيّة دستورية تشير إلى الطريق التي تؤدّي إلى لبنان الدولة، وكيفيّة إصلاح النظام والحفاظ في الوقت نفسه على العقد الوطني.

ليس غريباً أن يكون عمر حسن الرفاعي كعمر لبنان (102 سنة). فقد أُعلنت دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920 في قصر الصنوبر في بيروت. فيما ولد حسن الرفاعي في 23 آب 1923 وتوفّي في الذكرى الـ125 لولادة لبنان الكبير.

إقرأ أيضاً: ما هو سرّ “بديع صفصوف”؟

مات الحارس بعدما ماتت الجمهوريّة. فهل بات المطلوب أن نبحث عن دولة لبنان من جديد؟ فراغ كبير يتركه حسن الرفاعي، فما هو سرّ رجل في سنته الثانية بعد المئة يشعرنا في غيابه بهذا الهول من الفراغ؟

حسن الرفاعي

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

محمّد بركات حامل مفاتيح الجنّة

“دار الأيتام وجدتني، وأنا وجدت نفسي. الانتماء قضيّة أساسيّة، وأنا اعتبرت أنّ الله اختارني لمنصب مدير مؤسّسة الأيتام. أمّا التصاق اسم شخص بعمل معيّن، فهذا…

نوح وسفينته خلف القضبان: طوفان الدّولة؟

لم يكن توقيف نوح زعيتر قبل أيّام بموجب مئات المذكّرات خبراً أمنيّاً عابراً. بدا كأنّه صدمة صغيرة في بلد اعتاد الصدمات، لكنّها هذه المرّة تمسّ…

ميشال عيسى… لاعبُ غولف في ميدان لبنان

من هو السّفير الأميركيّ الجديد في لبنان ميشال عيسى؟ ما الذي دفعَ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب لاختياره؟ ما هي مهمّته؟ ماذا يعني تعيينه؟   ينتظر…

إسكندر حبش… كتب ليُصغي ومات كجملةٍ لم تكتمل

على مثال صباحات لبنانيّة حزينة استيقظت بيروت في خريفها على موت إسكندر حبش، الشاعر والمترجم والصحافيّ الثقافيّ بعد صراع مع مرض السرطان. وكأنّه أكمل الجملة…