على بُعد أشهر من الذكرى الثالثة لتولّي الأمير الشيخ مشعل الأحمد مقاليد الحكم، تتواصل “الورشة الشاملة” في الكويت، في سباق مع الزمن لـ”تنظيف الشوائب” وإصلاح “التخريب” الذي لحق بالبلاد والعباد على مدى عقود، وفق وصف النائب الأوّل لرئيس الوزراء الشيخ فهد يوسف سعود الصباح.
تشمل الورشة كلّ شيء تقريباً، لكنّ ثلاثة محاور تستقطب الاهتمام الأكبر:
1- ملفّ سحب الجنسيّات الذي يتصاعد مع مرور الأيّام.
2- “النفضة الكبرى” لكلّ القوانين وعددها 983 قانوناً.
3- تسريع عجلة المشروعات الكبرى للحدّ الأقصى.
في كلمة له لمناسبة العشر الأواخر من رمضان في 23 آذار الماضي، تعهّد الأمير بتسليم الكويت “لأهلها الأصليّين نظيفة خالية من الشوائب التي علقت بها”، وأكّد في الوقت نفسه أنّ “تعطيل بعض موادّ الدستور إنّما كان لعلاج مرض عضال أصاب جسم الممارسة الديمقراطية فأهلكها، وستتمّ إعادة هذه الممارسة في ثوبها الجديد”، في إشارة إلى تعليق عمل مجلس الأمّة.
أعلن بوضوح أن “لا وحدة وطنية من دون ترسيخ الهويّة، فالهويّة الوطنيّة في قمّة أولويّاتنا”. بدا واضحاً أنّ الورشة الشاملة التي بدأت مع تولّيه الحكم في نهاية 2023، ستتواصل بوتيرة أعلى في مختلف مناحي الحياة، وهو ما حصل فعليّاً.
يعتبر كثيرون أنّ الكويت اليوم لم تعد تشبه كويت الأمس القريب، وأنّها بدأت عمليّاً اللحاق بالركب الخليجي، تحديداً القطارين السعودي والإماراتي اللذين يسيران بسرعة عالية. لا مجلس أمّة يصطدم بالحكومة فيغرقان معاً في المماحكات السياسية، ولا معوّقات لا يمكن تجاوزها، ولا تدخّلات من تيّار الإسلام السياسي في قرارات وتوجّهات الحكومة.
4 عقود تخريب
انعكس ذلك بوضوح في تصريحات وصفها البعض بـ”الصادمة” أدلى بها “رجل المرحلة” النائب الأوّل لرئيس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ فهد يوسف الصباح، خلال لقاء عقده قبل أيّام مع رؤساء تحرير الصحف المحلّية في منزله، لم يكن مُبرمجاً للنشر.
يعتبر كثيرون أنّ الكويت اليوم لم تعد تشبه كويت الأمس القريب، وأنّها بدأت عمليّاً اللحاق بالركب الخليجي، تحديداً القطارين السعودي والإماراتي
بصراحته المعهودة التي ظهرت في تصريحاته أثناء زيارته بيروت في تمّوز الماضي، اعتبر الوزير “الذي لا ينام سوى ساعتين في اليوم”، أنّ الكويت أمام إرث ثقيل من التحدّيات، التي هي نتاج 40 عاماً من الأخطاء والممارسات، بسبب بعض أعضاء مجلس الأمّة وتراخي بعض الوزراء في الحكومات السابقة. وقال: “نحتاج إلى وقت للإصلاح، لأنّ ما تخرّب في أربعة عقود لا يمكن إصلاحه في عام أو عامين”.
أثار الرجل صدمة لدى الحاضرين لأنّه كان يتحدّث عن حقبات وعهود وحكّام ورؤساء وزراء ووزراء ومسؤولين، وكأنّ الأمر “جردة حساب” مع الماضي، قبل أن يُكمل ليوضح مقاصده، ويكشف تفاصيل عن “التجنيس العشوائيّ”، قائلاً إنّ عام 2005 وحده شهد النسبة الكبرى من التجنيس، إذ بلغت 40 في المئة من إجمالي مَن تمّ تجنيسهم جميعاً، مستدركاً: “لا تسألوني ليش 2005، فأنا جلست أحلّل ليش 2005 ولم أعرف السبب (..) ارجعوا إلى الستّينيّات والسبعينيّات لن تجدوا مثل هذه الأرقام”.

أضاف: “كلّ التجنيس والخراب صار بعد الغزو”، أي بعد 1990 – 1991. وشدّد على أنّ الولاء للوطن ليس بالجنسيّة ولا بورقة رسميّة، كاشفاً أنّ أشخاصاً تجنّسوا وتولّوا مناصب رفيعة في الدولة، لكنّهم عند أوّل أزمة باعوا بيوتهم وهاجروا من الكويت.
1961 و1963
فيما بدا تفسيراً لكلام الأمير في كلمته الأخيرة في رمضان الماضي، قال النائب الأوّل لرئيس الوزراء إنّ الشيخ مشعل يُسابق الزمن لتصحيح أخطاء العقود السابقة، وإنهّ يريد أن تعود الكويت إلى حالتها الأصلية وهويّتها الوطنية، وهي الكويت التي أنتجت المجلس التأسيسي في 1961 والمجلس التشريعي الأوّل في 1963 “عندما كان الناس يصوّتون للكويت ولمصلحة الكويت وليس لأغراض أخرى ومساومات سياسية”.
على بُعد أشهر من الذكرى الثالثة لتولّي الأمير الشيخ مشعل الأحمد مقاليد الحكم، تتواصل “الورشة الشاملة” في الكويت
أجابَ هذا الموقف عن الكثير من التساؤلات في أذهان الكويتيّين، وأهمّها يتعلّق بالمدى الذي سيصل إليه ملفّ سحب الجنسيّات مع وصول العدد الإجمالي إلى أكثر من 100 ألف (حوالي 33 ألفاً نُشرت أسماؤهم في الجريدة الرسمية اعتباراً من 4 آذار 2024 حتّى الآن، يُضاف إليهم الأشخاص الذين اكتسبوا الجنسيّة معهم بالتبعيّة وسُحبت منهم أيضاً، لكنّ أسماءهم لا تُنشر على اعتبار أنّهم تابعون في الملفّات وليسوا أصيلين، علماً أنّه في بعض الأحيان قد يصل عدد التابعين في الملفّ الواحد إلى المئات).
أكّد كلام وزير الداخلية، وهو الذي يرأس “لجنة الجنسيّة” التي تجتمع دوريّاً لإصدار قرارات سحب الجنسيّات، أنّ “الحديدة حامية” (كما يُقال باللهجة الكويتية) وأن لا تراجع في هذا الملفّ، ولا غطاء على أحد، حتّى لو بلغ عدد المسحوبة جنسيّاتهم عشرات الآلاف.
مردّ ذلك إلى قناعة لدى الدولة بأنّ “زمن التراخي” شهد كثيراً من التزوير والحصول على الجنسيّات بغير وجه حقّ. وتالياً، لن تتوقّف جردة الحساب عند عام معيّن أو حقبة محدّدة، وقد يعود فتح الملفّات إلى زمن الاستقلال.
المجلس التّأسيسيّ
قبل 62 عاماً، بلغ عدد الناخبين 16,889 كويتيّاً، في حين وصل في آخر انتخابات جرت في ربيع 2024 إلى 834 ألفاً.
فهل يعني ذلك أنّ عدد الناخبين في أيّ انتخابات مستقبلية سيتقلّص بشكل كبير؟ وهل يقتصر الترشّح على من يحملون الجنسيّة بمادّتها الأولى أي بصفة أصليّة؟ وهل تتغيّر صلاحيّات مجلس الأمّة جذريّاً بعد تعديل الدستور؟
إقرأ أيضاً: الكويت والعراق والخور.. “عمّك أصمخ”
الجواب: نعم على الأرجح، وفق ما يتحدّث به الكويتيون في دواوينهم ومجالسهم.
