ممرّ زنغزور: رمى بوتين المنشفة أمام ترامب؟

مدة القراءة 6 د

حقّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر التوغّل في ممرّ زنغزور، اختراقاً استراتيجيّاً حاسماً، وذلك بفعل الاتّفاق الذي أُبرم بين أذربيجان وأرمينيا، برعاية أميركية، لإنشاء ممرّ برّي يربط أذربيجان بإقليم ناختشيفان عبر جنوب أرمينيا. ستكون حركة البضائع في جنوب القوقاز وربط تركمانستان الآسيوية بالخطّ الجغرافي المنفتح على أوروبا، مروراً بجورجيا، تحت إشراف أميركيّ لعقد كامل وبموافقة تركيّة. أين موسكو وطهران من هذا الحدث؟

 

المشكلة بالنسبة إلى موسكو وطهران الآن هي الوجود العسكريّ الأميركي هناك، تحت ذريعة حماية المصالح والشركات الأميركية التي ستنشط في المنطقة. وعندها سيتحوّل الممرّ إلى مخفر متقدّم على حدود رباعيّة: تركيّة، إيرانيّة، أرمينيّة، وأذربيجانيّة، يتطلّع نحو سواحل البحر الأسود.

ضحّت موسكو بشريكها الإيراني في القوقاز، لكنّها قد تضحّي بنفوذها أيضاً، ضمن صفقة لم تُعلَن بعدُ بين ترامب وبوتين، وتشمل مقايضات جغرافيّة لمصلحة الطرفين على حساب دول المنطقة.

الدّور التّركيّ

ستكون تركيا، حتّى لو تحمّلت مسؤوليّة فتح الأبواب أمام واشنطن لنسف ممرّ الشمال–الجنوب الروسي – الإيراني، وسهّلت للأميركيين اختراق بقعة لم تكن واشنطن تحلم بها قبل سنوات، من أبرز المستفيدين من خطوط النقل البرّية والحديديّة التي تربط القارّات، مروراً بشرقها باتّجاه سواحل مدينة طرابزون. وستحصل على ما تريده من خلال التقريب بين إقليم نخجوان والوطن الأمّ أذربيجان.

حصد بوتين ما زرعه في جنوب القوقاز لسنوات، حين تمسّك بسياسة إبعاد أرمينيا عن أذربيجان وتركيا. فدخل اللاعب الأميركي على الخطّ ليقلب الطاولة:

– ثبّت نفوذ تركيا كدولة محوريّة بين آسيا وأوروبا. تركيا تحصد الكثير من الأرباح الجيوستراتيجيّة بعد ربط أراضيها بأذربيجان، وصولاً إلى الأقاليم والمدن التركيّة، وهو ما سيعزّز قدراتها في مواجهة منافسيها الإقليميّين، خصوصاً إيران، من دون الدخول في مواجهة مباشرة معهم.

عندما استعادت أذربيجان أراضيها المحتلّة في قره باغ، بدعم عسكري تركيّ، لم تسمح موسكو لأنقرة بترجمة هذا الانتصار إلى توسّع نفوذ على حسابها

– دفَع يريفان للانفتاح على واشنطن والإصغاء لها، من غير أن تأبه الأولى بما قد تفعله موسكو. ولم يعد السؤال بعد الآن عن كيفيّة تعامل أرمينيا مع الجار الإيراني، بعدما وضعت حدودها المشتركة معه، التي لا تزيد على 44 كلم، تحت تصرّف اللاعب الأميركي ليقرّر ما الذي سيجري في تلك البقعة الجغرافيّة.

ترامب

– وقف بجانب باكو وهي تتحدّى الكرملين بإعطاء واشنطن ما تريد، بعد توتّر علاقاتها مع روسيا. وتساهم في تغيير تفاهمات عُقدت قبل خمسة أعوام مع بوتين.

– أمّا طهران، التي كانت منشغلة بمواجهات عسكرية مع تل أبيب وواشنطن، فهي الخاسر الأول من هذا الممرّ. ولن يكفيها الرفض أو التصعيد الإعلامي ضدّ واشنطن. إذ إنّ اللاعب الإسرائيلي سيكون هناك للبحث عن حصّته، بسبب علاقاته القويّة مع أذربيجان، ونتيجة تثبيت وجوده أمام الحدود الإيرانية الشمالية، بعد الخدمات التي قدّمها لباكو في مواجهة الضغوطات الإيرانية.

خطّ العشرة كيلومترات… يغيّر المشهد

زنغزور، خطُّ وصل لا يزيد طوله على عشرات الكيلومترات، سيوفّر لأميركا الجلوس منذ الآن إلى كلّ طاولات التفاوض والتفاهم الاستراتيجي في جنوب القوقاز.

الهدف الأميركي المقبل هو بحر قزوين، حيث لا يزال النفوذ الروسي – الإيراني قويّاً في الشمال الشرقي. وبعدها يأتي الدور على الشمال الغربي، حيث تستعدّ موسكو لمواجهة صعبة فوق الأراضي الجورجيّة.

حصّة اللاعب الصيني تبقى غامضة حتّى الآن، فكيف سيتصرّف للدفاع عن مشروعه التجاري الاستراتيجيّ، في ظلّ استعداد واشنطن لإطلاق “الخطّ الهندي البديل”؟

ترامب نجح اليوم في محاولة مشابهة، مهّد لها عبر معاهدة سلام أذربيجانيّة – أرمينيّة

عندما استعادت أذربيجان أراضيها المحتلّة في قره باغ، بدعم عسكري تركيّ، لم تسمح موسكو لأنقرة بترجمة هذا الانتصار إلى توسّع نفوذ على حسابها، بل فرضت نفسها أيضاً على باكو ويريفان شريكاً مباشراً في إدارة مرحلة ما بعد الحرب. فما الذي يدفعها، بعد خمس سنوات، إلى الاستسلام أمام إدارة ترامب، وتسليم مفاتيح ممرّ زنغزور للولايات المتّحدة، كلاعب استراتيجيّ أوّل في جنوب القوقاز؟ ليس تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق وحده هو السبب، بل أيضاً تداعيات الحرب الروسيّة – الأوكرانية.

فرصة الصّعود

مصائب قوم هي فرصة صعود لغيرهم. تُهزم إيران في موضع، فيتراجع نفوذها في مواضع أخرى. وتغرق روسيا في جبهة القرم، فتدفع الثمن لمصلحة اللاعب الأميركي، الذي عمل بتنسيق مع تركيا وأرمينيا وأذربيجان، في القوقاز وحوض البحر الأسود.

هل يعني ذلك أنّ بوتين رمى المنشفة أرضاً (تعبيراً عن الاستسلام وفق قواعد الألعاب القتاليّة) في زنغزور أمام “المستأجر الأميركي”، الذي جاء بعقد يمتدّ لقرن كامل، وقابل للتمديد؟ حتّى لو افترضنا ذلك، فالسؤال يبقى: لماذا يُغضب ترامب نظيره الروسيّ في القوقاز، فيما يسعى إلى كسب ودّه في ألاسكا؟ أم بوتين يبلع الموس بصمت في زنغزور، مترقّباً صفقة محتملة على طاولة القرم تعيد له بعضاً ممّا خسره؟

تتموضع واشنطن اليوم في قلب القوقاز، حيث الممرّات الاستراتيجيّة للتجارة والطاقة والثروات الطبيعية. تُسهّل انتقال نفط وغاز كازاخستان نحو أوروبا تحت إشرافها، وتنهي دور أهم تشكيلتين في المنطقة، وهما: مجموعة مينسك، ومنظّمة الأمن والتعاون الأوروبي، وتمنح تركيا فرصة ربط نفسها بآسيا الوسطى استراتيجيّاً، وهو ما يعزّز دورها في معادلات الطاقة والتجارة.

نحن أمام مرحلة جديدة من تقاسم النفوذ بين واشنطن وموسكو، تتجاوز زنغزور لتشمل مناطق أخرى، حيث ساحة المناورة أوسع وأكبر.

حقّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر التوغّل في ممرّ زنغزور اختراقاً استراتيجيّاً حاسماً وذلك بفعل الاتّفاق الذي أُبرم بين أذربيجان وأرمينيا

عرضت تل أبيب على أنقرة، قبل عقود، تطهير المناطق الحدودية التركية – السوريّة من الألغام، مقابل شراكة استراتيجيّة طويلة المدى في الزراعة والمياه والاستثمار في مشروع “غاب” الإنمائي. لكنّ تركيا رفضت منح إسرائيل هذه الفرصة من دون سلام إقليمي شامل. أمّا ترامب فقد نجح اليوم في محاولة مشابهة، مهّد لها عبر معاهدة سلام أذربيجانيّة – أرمينيّة.

لو تصالحت تل أبيب مع الإقليم في التسعينيّات، كما عرضت تركيا حينها، لكانت جغرافيا الشرق الأوسط بأكملها تعيش حقبة مغايرة من الاستقرار والسلام.

إقرأ أيضاً: فيدان في العلمين: إسرائيل تقرِّب بين أنقرة والقاهرة؟

قال الجدّ لحفيده وهو يشير إلى الممرّ الأحمر على الخريطة: هنا كانت طريقنا إلى السوق… ثمّ جاء الكبار، فصار طريقهم إلينا.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…

إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة

يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة. اكتسبت قيادتها الممثّلة بثنائيّ “الحزب”…

مؤتمر دعم الجيش: إعادة سلاح “الحزب” إلى سوريا..

تستعدّ باريس لتنظيم مؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ المعوّل عليه لمساعدة المؤسّسة العسكريّة في تنفيذ مهمّة حصر السلاح، حيث تدور في أجواء المؤتمر أربعة شروط يفترض…

واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

بالتزامن مع تحديد موعد ومكان الجولة الثانية من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، المقرّرة اليوم الثلاثاء  في مدينة جنيف السويسريّة، بدأت تتّضح صورة الملفّات المطروحة على…