أيّ إسرائيل بعد غزّة؟

مدة القراءة 7 د

قام المشروع الصهيوني لإنشاء دولة يهوديّة في فلسطين على قاعدة المظلوميّة. فاليهود تعرّضوا للاضطهاد والتمييز الدينيّ في طول أوروبا وعرضها. من روسيا في الشرق حتّى بريطانيا في الغرب. وكان آخر مظهر همجيّ من مظاهر الاضطهاد الجرائم التي ارتكبتها النازيّة في ألمانيا. لكن بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل حلّت ثقافة الاستعلاء الانتقاميّ بإقامة “الدولة الكبرى” خارج حسابات سايكس- بيكو في صناعة الشرق الأوسط.

 

بعد الحرب العالمية الثانية وظّفت الحركة الصهيونية هذه المظلوميّة سياسيّاً. فكانت إسرائيل ثمرة هذا التوظيف. استمرّ هذا التوظيف منذ ذلك الوقت حتّى السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2024 عندما قامت حركة حماس بعمليّتها العسكرية في العمق الإسرائيلي انطلاقاً من غزّة.

أسوأ صورة

بعد تلك العملية أدركت إسرائيل أنّ هذه العمليّة قد تتحوّل إلى ثقافة عربيّة عامّة توحي بأنّ إسرائيل في متناول اليد، وأنّها “نمر من ورق”، وأنّ القضاء عليها أمر ممكن بقدر ما هو أمر ضروريّ. وأدركت أيضاً أنّ تأصيل هذه الصورة في المخيّلة العربية وفي الثقافة العامّة هو أخطر وأسوأ ما في العملية وما بعدها.

أدركت إسرائيل أيضاً أنّ العمل على محو هذه الصورة من المخيّلة الفلسطينية والعربية واستئصالها قبل أن تصبح ركناً أساسيّاً من أركان الثقافة العربية العامّة، أولويّة استراتيجيّة تتقدّم على كلّ ما عداها. فكانت الجريمة في غزّة بكلّ مظاهرها من تقتيل وتجويع وتهجير وتدمير، حتّى أصبح الاهتمام بما تتعرّض له غزّة يطوي صفحة الاهتمام بما قامت به حركة حماس.

تعرف إسرائيل أنّ هذا الردّ على عمليّة السابع من أكتوبر سوف يحرمها من التعاطف الدولي الذي كانت تتمتّع به. ولذلك كان عليها أن تختار بين خسارة التعاطف الدولي الذي كان قائماً على المظلوميّة التي عانى منها يهود أوروبا، وبين مفاعيل عقدة دونيّة الخامس من حزيران 1967 التي أصيب بها العقل السياسي العربي.

لم تكترث إسرائيل للتبدّل الذي طرأ على صورتها في العالم بعد إدانتها دوليّاً، خاصّة في أوروبا والولايات المتّحدة

وهكذا وجدت إسرائيل نفسها أمام أحد أمرين أحلاهما مرّ:

1- أن تخسر الشعور العربي نحوها بالدونيّة العسكريّة.

2- أن تتجاوز تحالفاتها الدولية، وخاصّة مع الولايات المتّحدة، إذا لم تستسلم للأمر الواقع بعد عمليّة السابع من أكتوبر وما فجّرته من مشاعر بأنّ إسرائيل ليست سوى “نمر من ورق”، وأنّ القضاء عليها في متناول اليد العربية… ففصيل واحد من المقاومة (حماس) ألحق بإسرائيل في عمليّة واحدة وفي يوم واحد أكثر من ألف قتيل. فماذا تكون النتيجة لو تحشد الدول العربية قواها معاً في عمليّة عسكرية مشتركة واحدة؟

أهداف التّدمير الممنهج

هذا السؤال الافتراضي أجابت عليه إسرائيل عمليّاً في غزّة. ولذلك ما تتعرّض له غزّة ليس ردّاً على حركة حماس، بل هو لقطع الطريق أمام ثقافة اعتماد ما قامت به “حماس” دليلاً عمليّاً وواقعيّاً على ليّ الذراع الإسرائيلية.

عملت إسرائيل على الإجابة على السؤال “ماذا بعد غزّة؟” قبل أن يُطرح وحتّى قبل تبلوره. فبادرت إلى تدمير شامل وإلى تقتيل عشوائي وتهجير متعمّد ومتكرّر.. كلّ ذلك كان مقصوداً لهدفين أساسيَّين:

1- قطع الطريق أمام تحويل السابع من أكتوبر إلى ثقافة عربية عامّة، عبر جعل ما يجري في غزّة على أيدي القوّات الإسرائيلية أساساً لثقافة عربية عامّة بديلة. وقد تطلّب ذلك ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والتدمير العشوائي، فلم تعد الاهتمامات العربية تدور حول ما قامت به حركة حماس في إسرائيل من كسر شوكة الاحتلال، بل حول ما قامت وتقوم به إسرائيل في غزّة… ثمّ في الضفّة الغربية وفي جنوب لبنان من الاستهانة بردّ الفعل العربي.

إسرائيل

لم تعد إسرائيل بحاجة إلى المجتمع الدولي لتأييدها استغفاراً لما لحق باليهود من ظلم واضطهاد، لكنّها تريد تأييد حقّها (؟) في الوجود وفي التوسّع على النحو الذي تحدّث عنه رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو نفسه أكثر من مرّة.

لم تعد إسرائيل بحاجة إلى المجتمع الدولي لتأييدها استغفاراً لما لحق باليهود من ظلم واضطهاد

2- تغيير النظرة الأوروبية إلى إسرائيل من نظرة دونيّة (مساعدتها استغفاراً لما ارتُكب بحقّ اليهود من جرائم) إلى نظرة تقدير واحترام كدولة كبرى في الشرق الأوسط.

لم تكترث إسرائيل للتبدّل الذي طرأ على صورتها في العالم بعد إدانتها دوليّاً، خاصّة في أوروبا والولايات المتّحدة، بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية. ولسان حالها يقول للأوروبيّين المستنكرين: “من كان منكم بلا خطيئة فليرجمني بحجر”.

لكنّ إسرائيل تهتمّ وتكترث كثيراً للتبدّل الذي طرأ أو قد يطرأ على صورتها في العالمين العربي والإسلامي بأنّها عسكريّاً وسياسيّاً ليست فوق كلّ اعتبار بل هي في متناول اليد.

إسرائيل الكبرى

لم تكن هذه النتائج الأوّليّة بعيدة عن الحسابات الإسرائيلية، إلّا أنّ أهمّيتها تراجعت إلى مرتبة ثانية وثالثة أمام المبادرة الجديدة التي قرّرت اعتمادها، وهي إقامة إسرائيل الكبرى التي لا تقوم لا على التمسكن اليهوديّ ولا على التعاطف الغربي (الأوروبي– الأميركي)، بل على قوّة النار الإسرائيلية.

انتهت إسرائيل كدولة للمضطهَدين والمشرّدين اليهود، وانتهت معها ثقافة الابتزاز السياسي والعسكري والاقتصادي التي مارستها منذ عام 1948 حتّى اليوم، وهي الثقافة القائمة على التعويض على اليهود الذين شُرّدوا أو عُذّبوا. انتهت ثقافة الدونيّة والاستجداء، وحلّت محلّها ثقافة الاستعلاء الانتقامي بإقامة “الدولة الكبرى” خارج حسابات سايكس – بيكو في صناعة الشرق الأوسط.

تحاول إسرائيل الآن صناعة شرق أوسط جديد تكون هي قاعدته وأساسه… لتجاوز ثقافة السابع من أكتوبر بأنّها “نمر من ورق”. فجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها القوّات الإسرائيلية في غزّة، والتي توسّعت لتشمل الضفّة الغربية وجنوب لبنان، كانت رسائل مباشرة إلى طبيعة إسرائيل الغد وإلى طريقة تعاملها مع دول المنطقة وشعوبها.

قام المشروع الصهيوني لإنشاء دولة يهوديّة في فلسطين على قاعدة المظلوميّة. فاليهود تعرّضوا للاضطهاد والتمييز الدينيّ في طول أوروبا وعرضها

أمّا أين يبدأ هذا الجنوب اللبناني وأين ينتهي في الحسابات الإسرائيلية فتلك قضيّة أخرى. ولكن لا بدّ من التذكير بأنّ المشروع الصهيوني كما عُرض لأوّل مرّة أمام مؤتمر فرساي في فرنسا كان يعتبر الجنوب اللبناني، وخاصّة نهر الليطاني، جزءاً من المشروع الصهيوني في فلسطين. وفي ذلك دليل على أنّ لبنان لم يكن خارج حدود مطامع المشروع الصهيوني منذ بداية المشروع، أي حتّى ما قبل قيام دولة ولاية الفقيه في إيران… وقبل تشكيل “الحزب”. وكذلك قبل ولادة حركة حماس الأداة التنفيذية لعمليّة السابع من أكتوبر.

إقرأ أيضاً: إدارة غزّة… للفلسطينيّين وحدهم

من “التّمسكن” إلى “التّمكّن”

بعد هذه العملية خلعت إسرائيل رداء “التمسكن” الذي عاشت عليه منذ عام 1948 لترتدي لباس “التمكّن” غير عابئة باتّهامها بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية. لقد عاشت عقوداً عديدة حتّى الآن على التجارة بالجرائم ضدّ الإنسانية التي تعرّض لها اليهود على أيدي النازيّة… وتعرف أنّها تجاوزت في ارتكاباتها في غزّة والضفّة ما فعلته النازيّة. ولكن ها هي ألمانيا ترفع رأسها شامخاً في الوسط الأوروبي. فلماذا لا ترفع إسرائيل رأسها أيضاً في الوسط الشرق الأوسطيّ؟

مواضيع ذات صلة

القوّة الأميركيّة المطلقة ومصائر النّظام الدّوليّ!

ليست حالة فنزويلّا التي اختطف دونالد ترامب رئيسها وزوجته، نادرةً أو فريدةً من نوعها. يرجع ذلك إلى هشاشة النظام الدوليّ، وأنّ الدول الكبرى وعلى رأسها…

فنزويلّا مفتاح تحكّم أميركا بحاجات الصّين النّفطيّة

سيكون على العالم أن يتريّث قبل أن تتّضح مآل الأمور في فنزويلّا بعد توقيف نيكولاس مادورو وزوجته في الولايات المتّحدة الأميركيّة. لا ينفي نجاح العمليّة…

أزمة جنوب اليمن: لماذا سكت ترامب؟

لم تظهر أيّ شبهات توحي بدور أميركيّ ما خلف التصدّع الذي داهم علاقات السعوديّة والإمارات بشأن اليمن. برز سؤال موقف واشنطن منذ اللحظات الأولى لقيام…

العالم إلى تحوُّل… من فنزويلّا إلى الشّرق الأوسط

شهد الشرق الأوسط الملتهب، في العام المنطوي، مزيداً من تفاقم الصراعات واستمرار محاولة تغيير الخرائط في نزاعات النفوذ والطاقة. مع إطلالة الربع الثاني من القرن…