زياد الرّحبانيّ المتمرّد الغريب والضاحك حدّ البكاء

مدة القراءة 8 د

قلّ أن تحلّق اللبنانيون حول غياب أحد منهم، كما فعلوا لحظة رحيل زياد الرحباني. إذ لم يكد نبأ وفاته يُعلَن على الملأ، حتّى بدا النعش الذي يضمّه وكأنّه يخرج من كلّ بيت، وراحت كلّ عائلة تتلفّع بحزن غامض المصدر، كما لو أنّها فقدت بغيابه واحداً منها. وفيما اندفع الكثيرون إلى السير في موكب جنازته في رأس بيروت، كانت أرتال المعزّين تتقاطر دون انقطاع باتّجاه كنيسة بكفيّا، قبل مواراته في مدفن العائلة.

 

 

أمّا الذين لم تتيسّر لهم سبل المشاركة في وداع زياد، فقد تسمّروا أمام الشاشات، يتتبّعون غير مصدّقين تفاصيل المشهد الجنائزيّ. وفيما كانت مواقع التواصل الاجتماعي تزخر بآلاف المقطوعات والنصوص التي راح أصحابها يعبّرون عن صدمتهم بالحدث الجلل، كان آخرون كثر يعتلون الشاشات ليتحدّثوا بقدر متفاوت من الصدق، عن علاقات بالمبدع الراحل، تراوحت بين الصداقة الوطيدة والمصافحة العابرة وإيماءة الرأس.

إلّا أنّ الفوارق بين مشهدَي التشييع البيروتيّ والعزاء الكنسيّ في بكفيّا كانت واضحة تماماً. فالذين خرجوا بالنعش من المستشفى كانوا من أصدقاء زياد وأشباهه في الغربة والفقر، والنقمة على واقع البلاد المزري، فيما ضمّ العزاء الكنسيّ خليطاً غير مسبوق من المفجوعين الفعليّين برحيله، والمستمرئين للجناس الناقص بين اللياقات والياقات، والفاسدين الباحثين عن سواد حداديّ لتبييض الأخلاق، والساعين إلى مضاعفة أصواتهم التفضيلية في صناديق الاقتراع.

الفوارق بين مشهدَي التشييع البيروتيّ والعزاء الكنسيّ في بكفيّا كانت واضحة تماماً. فالذين خرجوا بالنعش من المستشفى كانوا من أصدقاء زياد وأشباهه في الغربة والفقر

قراءة نافذة للتّحوّلات

وحيث لم يكن مفاجئاً حضور فيروز لتقبُّل التعازي بابنها الراحل، إلّا أنّ مواظبة الفنّانة التسعينيّة على تقبّل العزاء ليومين كاملين قد أسهمت في مضاعفة أعداد المعزّين التائقين إلى رؤية فنّانتهم المحتجبة عن كثب، والذين رأوا في حضورها الأيقونيّ ما يعوّضهم قليلاً عن غياب الابن. لا بل إنّ في النظرات الزائغة للأمّ الثاكل ما منحها تماهياً بالغ الدلالة مع صورة العذراء، وهي توزّع نظراتها بالتساوي بين جسد ابنها المسجّى وبين فراغ العالم.

إلّا أنّ ما يتجاوز في أهميّته مشهديّة الوداع الاستثنائي لزياد الرحباني هو السؤال عن الأسباب الحقيقية التي أعطت لرحيله مذاق الصدمة الجمعيّة، وجعلت اللبنانيّين الممعنين في نسيانه  لسنوات، يشعرون فجأة بنقص فادح في معنى الكيان وجغرافيا الروح ومنسوب الهواء. والواقع أنّ أيّ متتبّع لمسيرة زياد الفنّية لا يحيل أمر تفرّده إلى موهبته وحدها، بل يضيف إليها قراءته النافذة لتحوّلات عصره، وانقلابه الدراماتيكي المبكر على المنجز الرحبانيّ، علاوة على سخريته الجارحة ولغته الخاصّة، والتصاقه، مبدعاً وإنساناً، بمجرى الحياة الحقيقي.

وإذا كان البعض قد رأوا أنّ نشأة  زياد في كنف أبوين عبقريَّين كعاصي وفيروز قد وفّرت له المؤونة الكافية لتسريع شهرته، فالواقع أنّ المشروع الرحبانيّ التأسيسيّ، الذي بدا لشدّة اكتماله غير قابل للتجاوز، قد وضع الابن أمام مهمّة فائقة الصعوبة من جهة، ومنحه الدافع المحفّز على قبول التحدّي، من جهة أخرى. على أنّ انقلاب زياد الفنّي والرؤيويّ، بدا من جهة ثالثة المحصّلة الطبيعية لتهاوي الأحلام الكبيرة تحت مطرقة الواقع المرّ. ففيما بدا الرحابنة وفيروز وسعيد عقل وميشال طراد وطلال حيدر ويوسف الخال وأنسي الحاج وعبدالحليم كركلّا وريمون جبارة وروجيه عسّاف، انعكاساً بالغ الدلالة لوجه لبنان التنويري والمتنوّع والمفعم بالوعود، خرج زياد الابن من رحم الفالق السياسي والاجتماعي الزلزاليّ، الذي ضرب الحلم اللبناني في صميمه، والذي لم تترك الحرب الأهلية الدمويّة من معالمه القائمة سوى شظايا وأنقاض ومربّعات طائفية متنابذة.

إلّا أنّ لجوء البعض إلى استثمار الموت “الطازج” لزياد الرحباني بهدف التصويب نحو “التجربة الرحبانيّة” الأمّ، بحجّة كونها محاولة رومانسيّة مدعّمة بالشعر والموسيقى والغناء، لبيع الأوهام وتجميل الواقع الدميم، وتسويق “الأكذوبة” اللبنانية، لا يوازيه في الإجحاف سوى محاولات تحجيم الابن، بدعوى الانسياق الشعبويّ خلف فكرة الالتزام، أو التطابق الفظّ مع الواقع، وصولاً إلى التقويض المتعمّد لقواعد اللغة الفنيّة وفضائها الجماليّ الرومانسيّ.

الواقع أنّ الرحابنة المؤسّسين لم يفعلوا على الصعد الأسلوبيّة، سوى ما يتوجّب على كلّ فنّ عظيم أن يفعله، وهو سعي المتخيّل الإبداعي إلى تخطّي الواقع المعيش، والممعن في تخثّره وركوده، لبناء عالم بديل مشغول بأنامل الدهشة وإبر الاستعارات الخلّاقة. إلّا أنّ المشروع الرحباني لم يكن في الكثير من وجوهه منفصلاً عن الواقع، بل بدت عناصره الواقعية واضحة في أعمال عدّة من طراز “ناطورة المفاتيح” و”فخر الدين” و”جبال الصوّان” و”هالة والملك” و”المحطّة” وغيرها، حيث انعكست في تلك الأعمال ملامح الصراع الأزليّ بين الخير والشرّ، الجلّادين والضحايا، السارقين والمسروقين، كما بين قضبان السجون وإرادة الحرّية.

الواقع أنّ الرحابنة المؤسّسين لم يفعلوا على الصعد الأسلوبيّة، سوى ما يتوجّب على كلّ فنّ عظيم أن يفعله، وهو سعي المتخيّل الإبداعي إلى تخطّي الواقع المعيش

أمّا زياد الرحباني فقد بدا مشروعه مزيجاً متفاوت المقادير بين الإعجاب بالمنجز الرحبانيّ الموروث، وبين الرغبة في استكماله من منظور مغاير. وفي حين أنّ تبلور تلك الرؤية على المستوى السياسي، قد أسهم في تسريعه انشطار الكيان اللبناني إلى طوائف وعصبيّات متناحرة، فإنّ تبلورها على المستوى العاطفي قد تمّ في ظلّ النشأة الصعبة للرحباني الابن، والانشطار الموازي لعاصي وفيروز، بين التحليق السماويّ بأجنحة الفنّ وبين الأرض المخلّعة لواقعهما الزوجي المشوب بالتوتّر والصدامات المتكرّرة.

حليف القلق

شكّل الانشطار الأوّل الدافع الأهمّ لتكوين وعي زياد السياسي والأيديولوجيّ، ولانسلاخه عن خيارات بيئته ومحيطه، ليعلن انحيازه التامّ إلى الشرائح الاجتماعية المقهورة. إلّا أنّ كلّ ذلك لم يكن ليؤخذ عنده على محمل التسليم اليقينيّ بالأفكار والمعتقدات، بل كان مكتنفاً على الدوام بالاعتراض النقديّ والسخرية الجارحة والحدوس الكاشفة، التي جسّدتها مسرحيّاته الثلاث “نزل السرور” و”بالنسبة لبكرا شو؟” و”فيلم أميركي طويل”. أمّا الانشطار الثاني فقد جسّدته النماذج النسائية التي قدّمها في أغنياته وأعماله المسرحية  المحكومة على الدوام بالتوجّس والشكّ والتصدّع الخيانيّ، إضافة إلى المآلات المماثلة لحياته العاطفية المليئة بالشروخ والتوتّرات.

وبوصفه حليفاً للقلق وانعدام اليقين، كان زياد يرى في التطريب الشعريّ نوعاً من التعمية الجماليّة أو التحليق فوق الواقع، ويؤثر بدلاً من ذلك التسديد المباشر إلى جوهر الهدف. ولأنّ الواقع من حوله كان بالغ التذرّر والتفكّك، فقد عمل على تفكيك اللغة وتقسيم الجمل إلى مفردات ووحدات صوتيّة متباعدة، تستند حين يعوزها التماسك إلى ملامح الوجه وحركات الجسد وإيماءاته.

 لا بدّ من الإشارة أيضاً إلى أنّ التجربة الزياديّة لم تكن منبتة عن الحركات اليسارية والثوريّة التي اتّخذت بعد هزيمة حزيران أشكالاً انقلابيّة محمّلة بالغضب والسخط على الواقع العربي المحمّل بالخذلان. وهذه التجربة دعت إلى اجتراح تعبيرات فنّية وثقافية، أقلّ احتفاء بالإنشاء الرومانسي والتطريز الجماليّ والتطريب الموسيقي، وأكثر التصاقاً بقضايا البشر ويوميّاتهم وهمومهم الفعليّة. وهو ما كان قد بدأ مع سيّد درويش في مطالع القرن الفائت، ثمّ تدرّجت تعبيراته اللاحقة مع بيرم التونسي وصلاح جاهين والشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، وصولاً إلى زياد نفسه.

ما بقي لنا من زياد الرحباني لا يمكن أن يقارَن لشدّة ثرائه، بالجسد الترابيّ الذي نجح الموت في تغييبه

على أنّ الوطن المنشود الذي منحه الرحباني الابن حياته وفنّه وشغاف قلبه، لم يمنحه سوى الإمعان في تشرذمه الطائفي وانحلال طبقته السياسية. وفيما اتّخذت بيروت شكل مربّعات سورياليّة التشظّي، أعلن زياد في مسرحيّته “شي فاشل” أنّ المسرح هو فنّ مدينيّ بامتياز، وأنّ أوّل ما ينجم عن سقوط المدن هو سقوط مسرحها بالذات. حتّى إذا نسي ما أعلنه، وجازف بعدها بسنوات بتقديم عملَيه المسرحيَّين الأخيرين “لولا فسحة الأمل” و”بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، لم يلقَ العملان المذكوران الصدى الإيجابي المتوخّى على المستويَين النخبويّ والشعبيّ، بحيث أخلد صاحبهما إلى صمت طويل، لم يقطعه بعد عقود سوى رحيله المدوّي. ولأنّ الأعمال الموسيقية التي أنجزها زياد في العقود الثلاثة اللاحقة، لم تكن على فرادتها، كافية لإقناعه بجدوى العيش، بدا موته المفاجئ وسط ركام البلاد وانسداد طريقها الخلاصيّ، نوعاً من العزوف عن الحياة، شبيهاً بانتحار خليل حاوي المأساوي قبل ثلاثة وثلاثين عاماً.

إقرأ أيضاً: زياد الرّحباني.. إنت الأساسيّ وبحبّك بالأساس

إلّا أنّ ما بقي لنا من زياد الرحباني لا يمكن أن يقارَن لشدّة ثرائه، بالجسد الترابيّ الذي نجح الموت في تغييبه. ذلك أنّ له من مفرداته الساخرة، وامتداداتها الجسديّة والإيمائية، وتوزيعاته الموسيقية الماكرة، وصدقه الجارح، وتقشّفه النبيل، ما يحتلّ ذاكرة ووجدان ولغة شعب بكامله، ويمنحه صفة النزيل الدائم على الخلود.

مواضيع ذات صلة

فنزويلّا البداية في “عقيدة ترامب” الجديدة

لم يمرّ على الولايات المتّحدة رئيسٌ أكثر وضوحاً من دونالد ترامب. قال بصريح العبارة إنّه يريد استعادة “النفط المسروق” في فنزويلّا. تلك هي المرّة الأولى…

دول القرار ودول الأدوار: اليمن نموذجاً

في اجتماعات التحرير في موقع “أساس ميديا”، كان الناشر الوزير السابق نهاد المشنوق، وخلال النقاشات السياسية والتحريرية، حريصاً على توضيح ثابتة أساسية للزملاء في كيفية…

الإمبراطور فتح باب تغيير الأنظمة.. أسرع مما نتوقّع

العالم على أعتاب تحوّلات معرفية هائلة، ستعكس حكماً “هويّتها” على شكل الإمبراطورية التي تحكم الكوكب. وستقدّم ترامب كإمبراطور ذي تجرية غير مسبوقة في “السيطرة على…

اعتقال مادورو: الدّلالات الجيوسياسيّة

لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو في كراكاس سابقة في تاريخ علاقات الولايات المتّحدة بالمحيط الأميركيّ. سبق لواشنطن أن تدخّلت عسكريّاً في عدّة بلدان من القارّة…