يوماً بعد يوم يلقي دونالد ترامب الزجاج المكسور تحت أقدام زعماء الدول التي لم تتخلَّ يوماً عن صداقتها للولايات المتّحدة والتغريد ضمن سربها إن كانت على خطأ أو على صواب، ظالمة أو مظلومة، متوحّشة في عدائيّتها أو معتدى عليها.
كندا الملاصقة للولايات المتّحدة وحديقتها الشماليّة وزادها بالنور والكهرباء والماء العذب والأخشاب والنفط، والتي ساندتها في كلّ حروبها وأرسلت خيرة شبابها للدفاع عنها في حروبها الكبرى والصغرى، تقف مشدوهة وتسأل: “هل بتنا نحن الرجل الشرير الذي تسعى أميركا إلى دحره وهزيمته”.
خيبة أمل
كالصاعقة نزل على رؤوس الكنديّين إعلان ترامب أوامره بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية من كندا من 25 في المئة إلى 35 في المئة، اعتباراً من الليلة نفسها.
ساق الحجج تلو الحجج لتبرير قراره. تذرّع بأنّ أوتاوا لم تتعاون في وقف تهريب مادّة “الفانتانيل” المخدّرة غير القانونية، وأخفقت في بذل المزيد لاعتقال المهرّبين والمجرمين الهاربين، وضبط الموادّ المخدّرة.
كان الردّ الكندي على لسان رئيس الوزراء مارك كارني معبّراً عن الدهشة وخيبة الأمل من تصرّفات ترامب، مؤكّداً أنّ كندا تشكّل واحد في المئة فقط من واردات “الفانتانيل” إلى الولايات المتّحدة، وأنّها تعمل بشكل مكثّف على خفض تلك الكمّيات. وشدّد كارني على أنّ بلاده لن توافق على أيّ اتّفاق تجاري مع أميركا إلّا إذا كان يخدم مصالح الكنديين على أفضل وجه. وأشار إلى أنّ بعض الصناعات، بما في ذلك الأخشاب والفولاذ والألمنيوم والسيّارات، ستتأثّر بشدّة بالقرار، مؤكّداً في الوقت نفسه أنّ الحكومة الكندية ستسعى إلى التقليل من أثره وحماية وظائف المواطنين.
يوماً بعد يوم يلقي دونالد ترامب الزجاج المكسور تحت أقدام زعماء الدول التي لم تتخلَّ يوماً عن صداقتها للولايات المتّحدة
لا تزال بعض الواردات من كندا محميّة بموجب اتّفاق التجارة بين الولايات المتّحدة والمكسيك وكندا (USMCA) الموقَّع عام 2020، والذي من المقرّر إعادة التفاوض في شأنه العام المقبل.
يا للهول! كندا تدعم الدّولة الفلسطينيّة؟
دأب ترامب منذ أشهر على توجيه الانتقادات والسهام السامّة لكندا التي اقترح أن تصير الولاية الأميركية الحادية والخمسين، وحمل قبل أيّام بشدّة على الحكومة الكندية بعد إعلان نيّتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، قائلاً: “يا للعجب! أعلنت كندا للتوّ دعمها للدولة الفلسطينية. هذا سيُعقّد بشكل كبير التوصّل إلى اتّفاق تجاريّ معها. يا للهول! أيا كندا!”. وكان هذا هو الموقف الأشدّ الذي يصدر من ترامب إزاء الدول الغربية التي أعلنت نيّتها الاعتراف بفلسطين.
اعتماد رفع الرسوم الجمركية جعله ترامب سياسة للانتقام من الدول التي تغرّد خارج سربه وتخالف مشيئته. فقد فعل الأمر نفسه مع البرازيل، إذ فرض رسوماً جمركية باهظة على الواردات من منتجاتها، بعدما وجّهت الحكومة البرازيلية اتّهامات لرئيسها السابق، حليفه وصديقه جايير بولسونارو، الذي حُوكم جنائيّاً على غرار الرئيس الأميركي لمحاولته إلغاء نتائج هزيمته في الانتخابات.
من شأن قرار ترامب أن يجعل البضائع الكنديّة مثل الألمنيوم، الخشب، السيّارات ومنتجات الألبان أغلى ثمناً في الولايات المتّحدة أكبر شريك تجاريّ لكندا، أن يؤدّي إلى تراجع الطلب عليها من المستهلكين أو الشركات الأميركية، فيتراجع النموّ الاقتصادي الكنديّ وتتقلّص الصادرات الكندية، فينخفض الناتج المحلّي. وهذا قد يؤدّي إلى تقليص الوظائف في القطاعات التصديريّة وخفض الإنتاج وعدم استقرار سعر صرف الدولار الكندي، علاوة على أضرار غير مباشرة، مثل ارتفاع الأسعار داخليّاً، واضطراب سلاسل التوريد عبر الحدود، وتقويض ثقة المستثمرين.
من غير الواضح بعد للكنديّين ما الذي يسعى إليه ترامب بالضبط: هل ما يفعله هو تكتيك تفاوضيّ لتحسين مراقبة الحدود أم لتعزيز التعاون في مجال الطاقة والسيّارات أم لرفع مساهمات كندا في حلف شمال الأطلسي؟
اعتماد رفع الرسوم الجمركية جعله ترامب سياسة للانتقام من الدول التي تغرّد خارج سربه وتخالف مشيئته
كندا تبلغ سنّ الرّشد
لكنّ الأكيد أنّ نزعة تمرّديّة واستقلاليّة كنديّة بدأت تظهر. كتبت رئيسة بلديّة مدينة ميسيسوغا كارولين باريش في حسابها على منصّة “إكس”: “كندا تبلغ سنّ الرشد! فرض ترامب رسوماً جمركية بنسبة 35 في المئة اعتباراً من منتصف ليل اليوم. حان وقت النضج! لنستعدّ جيّداً ونتوسّع في أسواق جديدة. نتاجر شرقاً وغرباً. نرفع القيود عن بلدنا. نُكرّر نفطنا بأنفسنا! لا نشتري شيئاً من الولايات المتّحدة. شكراً لك يا ترامب على غد جديد!”.
تجلّى التمرّد شعبيّاً بانخفاض سفر الكنديين إلى الولايات المتّحدة في الإجازات والترويج للمنتجات المحلّية وإحلالها محلّ نظيراتها الأميركية. صار اسم قهوة “أميركانو” “كنديانو”. تُنظّم الاحتجاجات في المدن والقرى. توحّدت الأحزاب الكندية خلف موقف دفاعيّ مشترك، وباتت الحكومة الاتّحادية تحت الضغط لتبرهن أنّها قادرة على حماية الاقتصاد الوطني. وتحوّلت العلاقات مع أميركا إلى شعار انتخابي يرفع من شعبيّة التيّارات التي تدعو إلى التحرّر الاقتصادي من واشنطن، لا سيما في مقاطعتَي كيبيك وكولومبيا البريطانية. ومن شأن ذلك أن يُعيد فتح نقاشات كنديّة قديمة تتّصل بالاعتماد المفرط على واشنطن، الحاجة إلى بناء سياسة خارجية وتجارية مستقلّة سياديّاً تنفتح أكثر على الاتّحاد الأوروبي والدول الآسيوية، حتّى على الصين، وتعزيز “التيّار السيادي الاقتصادي” الذي يطالب بإعادة بناء سلاسل إمداد داخليّاً وتشجيع “صناعة كنديّة للكنديّين”.
الأرجح أنّ شهر العسل الأميركي الكندي والعلاقة المؤسّسيّة مع واشنطن التي بُنيت على تفاهمات طويلة قد دخلا في طور “الكمون”، ذلك أنّ ترامب دفع من حيث لا يدري جارته الشماليّة الأقرب إلى إعادة النظر في ما سبق وتعزيز استراتيجية الابتعاد الذكيّ وتطوير تحالفات تجاريّة من شأنها إذا نجحت أن تحوّل كندا صاحبة المساحة الشاسعة والموارد الغنيّة والطاقات الكبرى إلى دولة محوريّة لا تابعة.
إقرأ أيضاً: الصّين– أميركا: مواجهة أم صفقة كبرى؟
أطماع ترامب بجعل كندا الولاية الأميركية الـ51 وفرض ضمّها عبر الضغط الاقتصادي والاستهانة بسيادتها وحقّها بالعيش دولةً مستقلّة، خطأ استراتيجي جديد يضاف إلى سجلّه الحافل بالأرقام القياسية في ضرب النظام والقانون العالميَّين.