ما هي الأخطاء القانونية والدستورية التي ارتكبها المجلس النيابي في جلسته الأخيرة؟ وهل أصبحت المؤسّسة التشريعية، التي يفترض أن تكون حارسة الدستور، تتجاوز القوانين التي أقرّتها بنفسها؟
من يتابع جلسة رفع الحصانة عن وزير الصناعة السابق النائب جورج بوشيكيان وإحالة وزراء الاتّصالات السابقين إلى لجنة التحقيق المؤلّفة من نوّاب وفق قانون المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، يكتشف أنّ الهيئة العامّة للمجلس تجاوزت النصوص الدستورية والقانونية بشكل مريب، فبرزت تساؤلات عدّة عن سبب عدم إثارة هذه المخالفات والتجاوزات من المشرّعين في المجلس على الأقلّ.
بداية في ملفّ إحالة الوزراء الثلاثة إلى لجنة نيابية خاصّة تدعى قانوناً “لجنة تحقيق”.
أ- نصّت المادّة 19 من قانون رقم 13/1990 المتعلّق بأصول المحاكمات لدى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء على ما يلي :
يقدّم طلب الاتّهام بموجب عريضة يوقّع عليها خِمس أعضاء المجلس النيابي على الأقلّ، ويجب أن يكون الطلب مفصّلاً ومعلّلاً ويتضمّن:
أ) اسم الشخص أو الأشخاص المطلوب اتّهامهم.
ب) العلّة أو الجرم المنسوب إليه.
ج) سرد الوقائع والأدلّة والقرائن المؤيّدة.
ب- نصّت المادّة 20 من القانون نفسه على ما يلي:
فور ورود طلب الاتّهام مستوفياً الشروط، يبلغ رئيس المجلس النيابي نسخة عنه إلى:
أ) جميع النوّاب.
ب) الشخص أو الأشخاص المطلوب اتّهامهم، ويمهلهم عشرة أيّام:
1) للإجابة عليه خطّيّاً.
2) لتكليف محامٍ أو أكثر للدفاع عنه.
عندما يوقّع خِمس النواب عريضة الاتّهام وفق المادّة 19 من القانون يكونون في نفس حالة من تقدّم بشكوى جزائية أمام النيابة العامّة
ج- نصّت المادّة 22 من القانون نفسه على ما يلي:
يُدعى المجلس النيابي إلى جلسة خاصّة تنعقد بعد عشرة أيّام تلي تبليغ الشخص أو الأشخاص المطلوب اتّهامهم نسخة عن طلب الاتّهام، وبعدما يستمع إلى مرافعتَي الادّعاء الممثّل بأحد موقّعي طلب الاتّهام والدفاع، يقرّر المجلس النيابي بالأكثرية المطلقة من أعضائه إمّا إحالته فوراً إلى لجنة نيابية خاصّة تدعى “لجنة تحقيق” قبل التصويت على طلب الاتّهام أو ردّه.
د- نصّت المادّة 23 من القانون نفسه على ما يلي :
فور الإحالة من قبل المجلس النيابي تنشأ لجنة نيابية خاصّة تسمّى “لجنة التحقيق” مؤلّفة من رئيس وعضوين أصيلين، وثلاثة نوّاب احتياطيّين ينتخبهم المجلس النيابي في الجلسة المنصوص عنها في المادّة الثانية والعشرين من هذا القانون بالاقتراع السرّي وبالغالبية المطلقة من أعضائه.
لا يمكن أن يكون عضواً في هذه اللجنة أحد أعضاء المجلس الأعلى المنتخبين.

ه- نصّت المادّة 28 من القانون نفسه على ما يلي:
تكون للجنة التحقيق النيابية سلطات هيئات التحقيق القضائية ولها أن:
– تفصل في طوارئ التحقيق.
– تصدر مذكّرات الجلب والإحضار والتوقيف الاحتياطي والإحالة أمام المراجع القضائية المختصّة.
– تعطي جميع الاستنابات القضائية.
– لا تقبل قرارات لجنة التحقيق أيّ طريق من طرق المراجعة.
الأخطاء الثلاثة
وعليه، وبالعودة إلى قضيّتنا المتعلّقة بوزراء الاتّصالات الثلاثة يتبيّن أوّلاً أنّه بعد ورود طلب من النائب العامّ الماليّ القاضي علي إبراهيم بواسطة النيابة العامّة التمييزية مؤرّخ بتاريخ 20/11/2019 موجّه إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يطلب فيه اتّهام الوزراء المعنيّين وإحالتهم إلى المجلس الأعلى لمحاكمتهم، تقدّم مجموعة من النواب، شكّلوا أكثر من خِمس أعضاء المجلس وعلى رأسهم النائب جهاد الصمد، بعريضة اتّهام وفق المادّة 19 من القانون نفسه وأحيل الطلب إلى جميع النوّاب والوزراء الثلاثة المطلوب اتّهامهم ولم يُحدّد موعد جلسة الاستماع إلى مرافعات الادّعاء والدفاع وفق المادّة 22 من القانون إلّا بعد خمسة أعوام بسبب الأزمات السياسية التي عصفت بالبلاد.
في الجلسة الخاصّة التي انعقدت نهار الأربعاء الواقع فيه 23/7/2025 وتمّ الاستماع فيها إلى مرافعات الادّعاء والدفاع، وقع المجلس النيابي في عدّة مخالفات قانونية ودستورية وهي ثلاثة أخطاء.
1- المجلس النيابي، وفق موادّ القانون 13/1990 يمارس في هذه الجلسة في مهامّه دوراً قضائياً لا تشريعياً ولا رقابياً ولا انتخابياً.
عندما يوقّع خِمس النواب عريضة الاتّهام وفق المادّة 19 من القانون يكونون في نفس حالة من تقدّم بشكوى جزائية أمام النيابة العامّة.
عندما تستمع الهيئة العامّة للمجلس النيابي إلى مرافعات الادّعاء والدفاع تكون الهيئة في حالة الاستماع إلى الأدلّة والمعطيات المتوافرة لدى النيابة العامّة التي تجري التحقيقات.
عندما تصوّت الهيئة العامّة على إحالة الملفّ من عدمه تلعب الهيئة دور النائب العامّ الذي بعد أن يطّلع على مجريات التحقيق الأوّلية يقرّر الادّعاء على من يراه مشتبهاً به وعدم الادّعاء على أيّ اسم يراه غير مشتبه به ولو كان وارداً في الشكوى المقدّمة.
هذا الخطأ القانوني الأوّل الفادح الذي وقع فيه المجلس عندما اعتبر أنّه أمام ملفّ واحد لا تجوز تجزئته في الادّعاء. فلماذا الاستماع إلى مرافعات الدفاع كلٌّ على حدة إذا كان القانون يمنع التجزئة
(وطبعاً لا يوجد أيّ نصّ في هذا الإطار لا بل على العكس).

هل يمكن للنائب العامّ أثناء تحقيقاته بشكوى معيّنة معروضة أمامه يوجد فيها أكثر من مدّعى عليه أن يقرّر بعد إجراء تحقيقاته الأوّلية الادّعاء على أشخاص وحجب الادّعاء عن آخرين؟
طبعاً نعم. فهذا هو القانون وهذه هي العدالة وهذا حقّ المشتبه به بالدفاع عن نفسه في كلّ مراحل المحاكمة. فبأيّ حقّ يُفرض على الهيئة العامّة إمّا إحالة جميع المشتبه بهم أو عدم إحالة الجميع؟؟
رأيي الشخصي بعد كلّ هذا النقاش هو العودة إلى توحيد المحاكم وإلغاء جميع الحصانات والمحاكم الاستثنائية من المحكمة العسكرية إلى كلّ المحاكم الاستثنائية
إذاً اعتبار ضرورة إحالة الوزراء الثلاثة إلى لجنة التحقيق وعدم تجزئة الإحالة هو خطأ قانوني فادح ارتكبته الهيئة العامّة للمجلس النيابي بحقّ الوزراء المتّهمين بعريضة الاتّهام.
2- الخطأ الدستوري والقانوني الثاني تمثّل بإحالة النائب نيقولا صحناوي من بين الوزراء الثلاثة إلى لجنة التحقيق دون رفع الحصانة عنه.
فقد نصّت المادّة 40 من الدستور اللبناني على ما يلي:
لا يجوز أثناء دور الانعقاد اتّخاذ إجراءات جزائية نحو أيّ عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرماً جزائيّاً إلّا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبّس بالجريمة (الجرم المشهود).
بالعودة إلى نصّ المادّة 28 من قانون أصول محاكمة الرؤساء والوزراء كما أسلفنا فإنّ للجنة التحقيق النيابية حقّ اتّخاذ كافّة الإجراءات الجزائية التي يأخذها قاضي التحقيق وصولاً إلى التوقيف الاحتياطي.
عليه، نكون بالمفهوم الجزائي لتصويت الهيئة العامّة لمجلس النواب بالأكثرية المطلقة لإحالة الوزراء الثلاثة بحالة ادّعاء عليهم وإحالتهم أمام قاضي تحقيق أو هيئة اتّهاميّة مؤلّفة من ثلاثة قضاة بالمقارنة مع قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي يعطف عليه قانون أصول محاكمة الرؤساء والوزراء في أكثر من بند.
كيف يمكن اتّخاذ إجراءات جزائية بحقّ النائب نيقولا صحناوي وإحالته إلى لجنة نيابية ذات طابع قضائي لها صلاحيّة توقيفه قبل رفع الحصانة عنه؟ فهذه مخالفة واضحة وصريحة لنصّ المادّة 40 من الدستور اللبناني.
3- الخطأ الدستوري والقانوني الثالث الذي ارتكبته الهيئة العامّة لمجلس النواب في جلستها الأخيرة فيتمثّل بإحالة ثلاثة وزراء عن جرائم مفترضة ارتكبوها أثناء تولّيهم وزارة الاتّصالات إلى لجنة نيابية ذات طابع قضائي تمهيداً لإحالتهم إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء استناداً إلى المادّة 70 من الدستور اللبناني ورفع الحصانة عن الوزير السابق والنائب جورج بوشيكيان تمهيداً لاحالته أمام القضاء العدلي !فكيف كال المجلس بمكيالين في جلسة واحدة؟
صحيح أنّ النائب العامّ المالي أحال بواسطة النائب العامّ التمييزي ملفّ الوزراء الثلاثة إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء طالباً من الهيئة العامّة لمجلس النوّاب اتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمحاكمتهم امام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
الصحيح أيضاً أنّ النائب العامّ التمييزي أحال ملفّ الوزير السابق النائب جورج بوشيكيان إلى الهيئة العامّة لمجلس النواب طالباً منها رفع الحصانة النيابية عنه ليصار في حال موافقة الهيئة إلى محاكمته بصفّة مدّعى عليه أمام القضاء العدلي .
لكن لمقاربة أحقيّة وقانونيّة هذا الموضوع وهذا التفريق يجب العودة إلى النصوص الدستورية والقانونية الواضحة.
المادّة 70 من الدستور كما أسلفنا واضحة بشأن محاكمة الرؤساء والوزراء بجرم الإخلال بالواجبات المترتّبة عليهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. فأيّ نص قانوني يحدّد ماهية جرم الإخلال بالواجبات المترتّبة على الموظّف العامّ؟ (الوزير هو الموظّف عامّ).
لم يرد أيّ تحديد واضح لهذه الجرائم إلّا في الفصل الأوّل من الباب الثالث من قانون العقوبات اللبناني الذي حصَر بشكل واضح الجرائم المخلّة بواجبات الوظيفة بالتالية: الرشوة، صرف النفوذ، اختلاس الأموال العمومية، استثمار الوظيفة، التعدّي على الحرّية الذي يمارسه الموظّف (كاحتجاز حرّية إنسان دون قرار قضائي من قبل رجل أمن) وإساءة استعمال السلطة واستثمار الوظيفة.
عليه، بالعودة إلى وقائع القضيّتين يتبيّن أنّ النائب العامّ الماليّ ولو لم يكن واضحاً في تحديد الجرائم التي اتّهم بها الوزراء الثلاثة إلّا أنّه ذهب إلى اعتبار أفعالهم من قبيل هدر الأموال العمومية واستثمار الوظيفة أو إساءة استعمال السلطة.

أمّا الوزير جورج بوشيكيان فاعتبر النائب العامّ التمييزي أنّه مشتبه بتقاضيه رشى نتيجة إفادات شهود أكّدوا أنّ موظّف في مكتبه تقاضى رشى مقابل إنجاز معاملات للمواطنين.
عليه، وفي كلتا الحالتين نحن أمام جرائم الإخلال بالواجبات الوظيفية التي نصّ عليها قانون العقوبات اللبناني والمادّة 70 من الدستور اللبناني.
فكيف يمكن لهيئة عامّة أن توافق على محاكمة وزراء أمام محكمتين مختلفتين بنفس الجرائم؟
ومن يحدّد قانوناً المحكمة المختصّة؟
كيف يُترك للقضاء العدلي أن يستنسب بمعرض تحقيقات وجرائم إن صحّت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بعمل الوزراء؟
هل كان يمكن للوزراء الثلاثة إن صحّ اتّهامهم بهدر الأموال العمومية لو لم يكونوا وزراء في الحكومة؟
هل استطاع الوزير بوشيكيان إن صحّ اتّهامه بأنّه يرتشي لو لم يكن وزيراً للصناعة؟
كلّها أسئلة جوابها واضح ولا مجال للركون إلى أيّ اجتهادات من هنا وهناك عند وضوح النصوص القانونية وإلّا أصبحنا في نظام تحاكم حيث يجب أن تحاكم في السياسة!
إقرأ أيضاً:
دفاعاً عن الدّستور والمجلس
رأيي الشخصي بعد كلّ هذا النقاش هو العودة إلى توحيد المحاكم وإلغاء جميع الحصانات والمحاكم الاستثنائية من المحكمة العسكرية إلى كلّ المحاكم الاستثنائية، وذلك منعاً للاستنساب أو الاحتماء بحصانات معيّنة أو محاكم معيّنة تسيطر عليها السياسة ومنعاً من الهروب من العدالة التي لا مفرّ منها للجميع.
في الختام لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا المقال لم يكتب دفاعاً عن أحد بل دفاع عن الدستور والقوانين والأصول البرلمانية لأنّ هذه المؤسّسة هي أمّ المؤسّسات ولا يجوز أن تقع في مغالطات دستورية وقانونية.
* محامٍ ونائب سابق.
لمتابعة الكاتب على X:
