واشنطن في باكو: حصار ممرّات للثّلاثيّ الإيرانيّ الرّوسيّ الصّينيّ

مدة القراءة 6 د

قد لا يكون الكلام المسرّب عن المبعوث الأميركي الخاصّ إلى سوريا ولبنان توم بارّاك عن مستقبل مزارع شبعا، لجهة حلّ هذه المعضلة عبر تبادل للأراضي ضمن مسار قد يُستكمل لحسم السيطرة على هذه المزارع  بعد وصول المفاوضات الجارية بين تل أبيب ودمشق إلى صيغة واضحة، عن عبث أو من خارج سياق الرؤية الأميركية التي تبدأ من الشرق الأوسط ولا تقف عند حدود منطقة القوقاز الجنوبي.

 

بارّاك الذي يشغل منصب سفير الولايات المتّحدة لدى الدولة التركيّة، كشف عن رغبة بلاده بلعب دور فاعل في الأزمة المزمنة بين دولتَي أرمينيا وأذربيجان، من خلال تقديم تصوّر لإمكان حلّ معضلة الممرّ البرّيّ الذي يربط بين شطرَي أذربيجان، أي بين باكو وإقليم نخجوان المحاذي للحدود التركية، وذلك من خلال قيام شركة أميركية خاصّة بإنشاء هذا الممرّ على أن تستأجره لمدّة 100 سنة.

وثيقة سرّيّة تكشف التّفاصيل

تزامن كلام بارّاك مع الكشف عن وثيقة أو مذكّرة سرّية يتمّ تداولها بين أرمن يعيشون في أوروبا تتحدّث عن توافق ثلاثي (أميركي- أرميني- أذربيجاني) على إنشاء ممرّ نقل برّي بطول 42 كيلومتراً يربط بين جزءَيْ أذربيجان (باكو – نخجوان) ويحمل اسم “جسر ترامب” ويخترق أراضي إقليم سيونيك الأرمينيّ.

تضيف هذه الوثيقة أنّ شركة أميركية خاصّة ستتولّى مهمّة إدارة هذا الممرّ، على أن تحصل حكومة أرمينيا على نسبة 30 في المئة من إيرادات التشغيل، مقابل تنازلها عن بعض أراضيها لمدّة لا تقلّ عن 99 عاماً.

يعطي هذا الاتّفاق الذي تتحدّث عنه الوثيقة المسرّبة، الولايات المتّحدة الحقّ في نشر قوّات عسكرية كبيرة على الأراضي الأرمينية، والسماح لها باستخدام القوّة عندما ترى ضرورة لذلك.

بارّاك الذي يشغل منصب سفير الولايات المتّحدة لدى الدولة التركيّة، كشف عن رغبة بلاده بلعب دور فاعل في الأزمة المزمنة بين دولتَي أرمينيا وأذربيجان

رسالة ثلاثيّة الأبعاد

الكشف عن التوجّه الأميركي هو بمنزلة رسالة ثلاثية الأبعاد:

1- يستهدف النظام الإيراني، الذي سيكون في مواجهة مع تحدّي التغييرات في التركيبة الجيوسياسية لمنطقة القوقاز الجنوبي، لأنّ إحداث هذا الممرّ البرّي الذي أطلقت عليه أذربيجان وتركيا اسم “ممرّ نكزور” داخل الأراضي الأرمينية في إقليم سيونيك، سيكون على حساب الممرّ الحالي الذي يمرّ عبر الأراضي الإيرانية باسم “ممرّ أرس”، والذي اقتربت أعمال تطويره وتحديثه من الانتهاء.

الحالة الوحيدة التي قد تقبل فيها إيران بهذا المشروع أو الطموح الأميركي- التركي – الأذريّ، الذي تحوّل إلى الهاجس الأوّل لحكومة باكو ومعها أنقرة بعد استعادة السيطرة على إقليم ناغورني قره باغ في الحرب الأخيرة مع أرمينيا، هي أن تضمن لها هذه الدول عدم المساس بالممرّ البرّي الذي يربطها اقتصادياً مع شرق أوروبا عبر أراضي أرمينيا مروراً بجورجيا. وهذا الممرّ يشكّل إحدى حلقات المواصلات الأساسية في الممرّات والمعابر البرّية التجارية والاقتصادية.

تحدٍّ جيوستراتيجيّ

يضاف إلى التحدّي الجيوسياسي، تحدٍّ جيوستراتيجي ستواجهه إيران يعطي تركيا حرّية العمل لتحقيق حلمها في بناء “هلال العالم التركي” الذي يربطها بدول آسيا الوسطى، ومنها باتّجاه باكستان والصين ونزولاً باتّجاه أفغانستان. وهو ما يعني سيطرة تركيا وحصار مصالح إيران الجيوقتصادية في هذه المناطق.

باكو

تعني هذه التغييرات أنّ طهران ستكون في مواجهة الخطر الآتي من الشمال، وهي التي سعت إلى عدم مواجهة هذه اللحظة، حتّى إنّها كادت تدفع ثمن موقفها المؤيّد لأرمينيا في صراعها مع أذربيجان صراعات قومية داخلية. وكانت على استعداد لخوض معركة عسكرية عندما لمست بوادر تحرّك أذريّ – تركيّ لتنفيذ هذا المشروع في أيلول 2022. ورفضت أيّ تغيير في الخريطة الجيوسياسية لمنطقة القوقاز الجنوبي.

إصرار باكو بقيادة رئيسها حيدر علييف وبدعم من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على إحداث هذا المعبر البرّي، يدفع طهران للبحث عن مخارج وحلول

إذا ما كانت طهران على استعداد للتعامل مع تداعيات مثل هذا المشروع بعيداً عن التفاهم معها، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار مصالحها الاستراتيجية والجيوقتصادية، فإنّها لا تُسقط من اعتباراتها الأهداف البعيدة لهذا المشروع، وهي محاصرة مناطق نفوذها ومصالحها. والمستفيد الأساس منه ليس تركيا على الرغم من الأرباح السياسية والاستراتيجية التي ستحصل عليها، بل أميركا واسرائيل اللتان تنظران إلى الوجود في القوقاز وآسيا الوسطى خطوة جدّية على طريق التخلّص من النظام في إيران.

على الرغم من محاولة طهران ابتلاع موقفها السلبي من الدور الذي لعبته باكو في الضربة الإسرائيلية التي تعرّضت لها في شهر حزيران، وتغاضيها عن المعلومات المؤكّدة عن استخدام تل أبيب للأراضي والأجواء الأذربيجانية في هذه العملية، إلّا أنّ إصرار باكو بقيادة رئيسها حيدر علييف وبدعم من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على إحداث هذا المعبر البرّي، حتّى وإن كان عن طريق استخدام القوّة وفرضه على أرمينيا، يدفع طهران للبحث عن مخارج وحلول لا تصل حدّ الخسارة، ولا تدفع باتّجاه مزيد من التصعيد في ظلّ الاحتمالات الكبيرة لدى قياداتها لإمكان تجدّد حربها مع إسرائيل.

رسالة إلى موسكو

2- الرسالة إلى القيادة الروسيّة التي قد ترهن موقفها من المشروع بآليّة تنفيذه، وسترفضه وتعارضه إذا ما كان تحت إدارة واشنطن أو الناتو، انطلاقاً من دورها التاريخي في القوقاز الذي يشكّل جزءاً من الحديقة الخلفيّة لموسكو.

أمّا موافقتها أو صمتها التكتيكي فمرهونان بمدى توافق المشروع مع مصالحها الجيوسياسية، وأن لا يكون الهدف منه عزل إيران والصين.

الهاجس الأوّل لحكومة باكو ومعها أنقرة بعد استعادة السيطرة على إقليم ناغورني قره باغ في الحرب الأخيرة مع أرمينيا

3- يستهدف الصين، التي ستعتبر أنّ الهدف من المشروع هو إضعاف مشروعها الاستراتيجي “الحزام والطريق” في الجزء الخاصّ ببحر الخزر “قزوين”، خاصّة أنّ بكين سبق أن وقّعت عام 2013 اتّفاقات ترانزيت تجارية مع أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ودول آسيا الوسطى.

لذلك سيكون الممرّ الجديد تحت إدارة وإشراف واشنطن وحماتها منافساً للمشروع الصيني، وقد يؤدّي إلى السيطرة على جزء من ممرّات المواصلات من الشرق إلى الغرب، ويهدّد أيضاً مصالح الصين باستثمار الموانئ وسكك الحديد في القوقاز الجنوبي للوصول إلى أوروبا، وهو ما يفتح الطريق أمام منافسة جيوسياسية جديدة في المنطقة.

إقرأ أيضاً: أذرع إيران: مصير السلاح بيد المهدي؟

في الخلاصة، يشكّل الطرح الذي كشف عنه توم بارّاك خطوة للإدارة الأميركية على طريق محاصرة التحالف الاقتصادي الثلاثي الإيراني الروسي الصيني، ناقلاً هذه المرّة المعركة التي تخوضها واشنطن إلى الحديقة الخلفيّة لكلّ واحد من هذه الدول التي لا شكّ ستكون أمام تحدّي البحث عن مخارج لإفشال أو تعطيل مفاعيل هذا المشروع.

مواضيع ذات صلة

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…

رفيق الحريري… قراءة في المسار لا في الحدث

تمرّ إحدى وعشرون سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال ذلك اليوم من شباط 2005 يبدو كأنّه اللحظة الفاصلة التي انكسر عندها إيقاع لبنان…