ترامب: ستّة أشهر من الأزمات… ولا صفقات

مدة القراءة 5 د

بعد ستّة أشهر على عودته إلى البيت الأبيض، يجد دونالد ترامب نفسه محاطاً بأزمات تتصاعد على أكثر من جبهة، فيما تبدو وعوده الدبلوماسية الكبيرة أقرب إلى الأوهام منها إلى الإنجازات. وبدلاً من “السلام من موقع القوّة” الذي تبنّاه شعاراً لسياسته الخارجية، تواجه إدارته واقعاً أكثر تعقيداً في أوكرانيا، وغزّة، وسوريا، ولبنان، يعكس تراجعاً في النفوذ الأميركي وتآكلاً في صورة صانع الصفقات.

 

منذ اليوم الأوّل لولايته، زعم ترامب أنّ بوسعه إنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية خلال أيّام. لكن بعد نصف عام، لا تزال المعارك مشتعلة، والكرملين يرفض التزحزح عن مواقفه من دون ضمانات كبرى، مثل تخفيف العقوبات وتقليص الدعم الأميركي لكييف. وهي شروط من الصعب على ترامب تلبيتها من دون أن يدفع ثمناً داخليّاً سياسياً.

في الملفّ الإيراني، لا يزال الغموض يلفّ مصير الضربة الأميركية – الإسرائيلية المشتركة التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في حزيران 2025. فعلى الرغم من حجم الدمار الذي ألحقته الغارات التي استُخدمت فيها ذخائر خارقة للتحصينات، تتزايد التساؤلات داخل الدوائر الغربية عمّا إذا كانت الضربات قد قضت بالكامل على القدرات النووية الإيرانية، أم اكتفت بتأخير البرنامج من دون منعه.

الأسوأ أنّ إدارة ترامب فشلت، حتّى الآن، في التوصّل إلى أيّ اتّفاق جديد مع طهران، على الرغم من تلميحات متكرّرة إلى استعدادها لفتح قنوات خلفيّة. غياب إطار تفاوضيّ واضح لا يُبقي فقط خطر التصعيد قائماً، بل يفتح الباب أمام سباق تسلّح إقليمي تمهيداً لمواجهات إقليمية جديدة.

واشنطن، التي تفاخر بعض مستشاري ترامب بدورها في “تثبيت الردع”، تجد نفسها عاجزة عن منع الانزلاق نحو مواجهة جديدة

مشهد مأساويّ في غزّة

في قطاع غزّة، المشهد أكثر مأساويّة. فقد فشلت مفاوضات التهدئة غير المباشرة التي رعتها مصر وقطر وأدّت إلى تدهور الأوضاع سريعاً نحو كارثة إنسانية. تشير تقارير منظّمات إغاثيّة إلى أنّ سكّان أحياء بأكملها في شمال غزّة، مثل جباليا، يعيشون على ما يشبه الأعلاف ويشربون مياهاً ملوّثة. في ظلّ هذا الواقع، ظلّت قوافل المساعدات عالقة عند المعابر، في وقت لا تكفي فيه المساعدات الشحيحة إلّا لجزء صغير من السكّان.

ترامب

مع كلّ ذلك، لم تُبدِ إدارة ترامب أيّ نيّة للتراجع عن موقفها، بل استخدمت حقّ النقض مراراً لإسقاط قرارات في مجلس الأمن تطالب بوقف إطلاق النار، مبرّرة ذلك بأنّ الحرب جزء من المواجهة الأشمل مع إيران وضرورة نزع سلاح “حماس” وإنهاء إدارتها لغزّة.

انتقادات في أوروبا

في العواصم الأوروبية، تتصاعد الانتقادات للسياسة الأميركية التي يُنظر إليها على أنّها غير أخلاقية وقصيرة النظر. أمّا في العالم العربي، فقد أدّى الموقف الأميركي إلى موجات غضب واسعة، خاصّة بين الشباب، وهو ما يهدّد استقرار حلفاء واشنطن التقليديّين.

في جنوب لبنان، لا تبدو الأمور أكثر استقراراً. الاتّفاق الهشّ لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و”الحزب”، الذي تمّ بوساطة فرنسية – أميركية، يواجه ضغوطاً متزايدة مع استمرار الغارات الإسرائيلية ورفض “الحزب” تسليم سلاحه للدولة اللبنانية. ومع تصاعد الغارات الإسرائيلية المحدودة يلوح في الأفق شبح عودة الاقتتال على نطاق أوسع.

مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية في 2026، قد تتراجع أولويّة السياسة الخارجية أمام الملفّات الداخلية كالاقتصاد والهجرة

واشنطن، التي تفاخر بعض مستشاري ترامب بدورها في “تثبيت الردع”، تجد نفسها عاجزة عن منع الانزلاق نحو مواجهة جديدة. فالحكومة الإسرائيلية تشعر بالقلق من إعادة تموضع “الحزب” وتزايد نفوذه السياسي في بيروت، بينما يرى “الحزب” أنّ التهدئة الحالية تخدم مصالح إسرائيل في وقت تتعرّض فيه غزّة للتدمير.

في سوريا، تكرّر المشهد مع اختلاف في السياق. دعم ترامب لحكومة أحمد الشرع، التي تربطها صلات بهيئة تحرير الشام، هو محاولة لخلق واقع جديد بعد سقوط نظام الأسد. لكنّ المذبحة الطائفية التي وقعت في السويداء والساحل السوري وأسفرت عن مقتل المئات، عرّت هشاشة هذا الترتيب الجديد.

على الرغم من قرار رفع العقوبات جزئيّاً عن الحكومة الجديدة في دمشق، ما زالت البلاد غارقة في نزاعات مذهبية وقبليّة، وسط غياب توافق داخلي أو خارجي حقيقي على مستقبلها السياسي.

تراجع أولويّة الخارج

مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية في 2026، قد تتراجع أولويّة السياسة الخارجية أمام الملفّات الداخلية كالاقتصاد والهجرة.

في هذا السياق، من المتوقّع أن يلجأ ترامب إلى تصعيد الرسوم الجمركية، والضغط لإنهاء الحرب في أوكرانيا بسرعة، حتّى لو على حساب كييف، وإبرام المزيد من الصفقات الاقتصادية في الشرق الأوسط لكي يقدّمها للرأي العامّ على أنّها إنجازات سياسية.

بعد ستّة أشهر على عودته إلى البيت الأبيض، يجد دونالد ترامب نفسه محاطاً بأزمات تتصاعد على أكثر من جبهة

في غياب إنجاز واضح، قد تتزايد الضغوط داخلياً وخارجياً لإعادة النظر في المسار الحالي. لكنّ تجارب ترامب السابقة تشير إلى أنّه يفضّل المضيّ قُدماً على التراجع، كما عبّر أحد كبار المسؤولين الأميركيين: “ترامب يريد انتصارات سريعة. لكنّ هذه ليست ألعاباً قصيرة. هذه حروب طويلة. وقد يقرّر الانسحاب ببساطة”.

إقرأ أيضاً: نتنياهو وترامب: حرب إيران توحِّد… والسّلام يفرِّق

إذا استمرّ هذا النهج، فربّما لا يُسجَّل إرث ترامب في ولايته الثانية كفترة صفقات واختراقات، بل كمرحلة تفاقمت فيها الحروب، واهتزّ فيها دور واشنطن كقوّة قائدة على الساحة الدولية.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…

تبدو كلّ دولة في المنطقة، باستثناء لبنان، مستعدّة للذهاب بعيداً من أجل خدمة مصالحها وحلّ مشاكلها الداخليّة حماية لنفسها وللنظام الحاكم فيها، بغضّ النظر عن…

تركيا والسعوديّة وباكستان: ثلاثيّ إعادة التّوازن الإقليميّ؟

ليس التحالف الثلاثيّ الذي يدور الحديث عنه بين تركيا والمملكة السعوديّة وباكستان فكرة حالمة أو طرحاً نظريّاً وحسب، بل يندرج في إطار فرصة استراتيجيّة محتملة…

معاناة الغزّيّين… بؤس لا يتوقف

في زمن حرب الإبادة على غزّة التي وصلت إلى منتصف عامها الثالث، وبموازاتها حرب التصفية السياسيّة في الضفّة، لم تخفَ على الفلسطينيّين والعرب أيّ تفصيلةٍ…

اليمين الرّاديكاليّ للأوروبين: نحن قادمون

من الواضح من استطلاعات الرأي المنشورة حديثاً أنّ حظوظ اليمين المتطرّف في السلطة زادت بصفة نوعيّة في معظم الدول الأوروبيّة، بما فيها تلك الديمقراطيّة العريقة. في فرنسا،…