في الأيّام الأولى لاندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية في 24 شباط 2022، تبنّت دول الخليج موقفاً واضحاً يتوافق مع القانون الدولي الذي يرفض غزو دولة لأخرى. مع مرور الوقت، تكيَّفَ الموقف الخليجي مع المتغيّرات وتحوُّل المواجهة إلى حرب بالوكالة روسيّة – “أطلسيّة”. سمَحَ ذلك بشكل خاصّ للسعوديّة والإمارات بلعب دور وساطة مرّات عدّة، سياسيّاً وفي تبادل الأسرى.
الكويت جزءٌ من هذا الموقف، وهي أصلاً بطبيعتها تميل إلى الوسط والحياد في النزاعات، لكنّ محادثات مُسرّبة لسفراء غربيين مُعتمدين لديها كشفت أنّ دولهم لا يُعجبها ذلك، وأنّها مُمتعضة من مواقف الدول العربية عموماً، وتحاول التأثير فيها.
الفوقيّة في التعاطي الغربي مع العرب ليس أمراً طارئاً، لكن عندما يُصبح سلوكاً لسفراء دول كبرى، يُفترض أنّ مهمّتهم تكسوها الكياسة واللباقة، تُطرح تساؤلات عن مدى أهليّة هؤلاء الأشخاص لتمثيل بلادهم في الخارج.
صحيفة “آيدنليك” التركيّة نشرت أخيراً تسريبات من محادثات داخل مجموعة خاصّة على تطبيق “واتس آب” باسم “دعم أوكرانيا”، أُنشئت في آذار 2025، وتضمّ سفراء لـ9 دول لدى الكويت هي: أوكرانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا وأستراليا وتشيكيا وبولندا ورومانيا.
من غير الواضح كيف اختَرَقت الصحيفة التركية المجموعة، لكنّ هناك روايات تفيد أنّ التسريب، إذا لم يكن عبر أحد السفراء المُتعاطفين مع روسيا ضمناً، فربّما يكون مصدره إحدى زوجات السفراء، لأنّ إحداهنّ تحمل الجنسية الإيرانية، وأخرى تحمل الروسيّة.
توجيه الإعلام
تشي تفاصيل الحوارات بأنّ السفراء يسعون إلى التأثير على الإعلام الكويتي ودفعه لتبنّي موقف مؤيّد للغرب في الحرب، وتتضمّن تعليقات أدلى بها بعضهم مسيئة إلى الكويت ودول عربية أخرى، وذلك بسبب تبنّيها مواقف إعلامية وسياسية متوازنة أو محايدة.
الكويت جزءٌ من هذا الموقف، وهي أصلاً بطبيعتها تميل إلى الوسط والحياد في النزاعات، لكنّ محادثات مُسرّبة لسفراء غربيين مُعتمدين لديها كشفت أنّ دولهم لا يُعجبها ذلك
اعتبرت الصحيفة التركية أنّ ذلك يُمثّل خرقاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية، وانتهاكاً لسيادة الكويت وحرّية صحافتها، وأنّ الغرب يتعامل مع مفاهيم كحرّية التعبير وحقّ الدول في تبنّي مواقف مستقلّة كقِيَم قابلة للانتقاء، تُقبل فقط إذا انسجمت مع الخطاب الغربي السائد.
أضافت: “بدلاً من احترام الحياد الكويتيّ، كشفت المحادثات المسرّبة عن مساعٍ واضحة لتقويضه وفرض اصطفاف سياسي وإعلامي”، معتبرة أنّ هذه السلوكيّات “تعكس النهج الحقيقي للغرب، الذي يتجاوز الشعارات الديمقراطية عندما لا تخدم مصالحه”.

تضمّنت المراسلات خططاً لتوجيه الخطاب الإعلامي الكويتي بما يتماشى مع الرواية الغربية في الحرب، عبر ممارسة الضغط الدبلوماسي والإعلامي، وتنسيق حملات دعائية مشتركة على وسائل التواصل الاجتماعي، علاوة على محاولات منهجية لتقويض مبدأ الحياد الإعلامي.
وصل الأمر إلى حدّ “الاستخفاف الصريح بالإعلام الكويتي والخيارات التحريريّة، وعدم قبول حياديّة الكويت وإعلامها، وهو ما يعكس بوضوح نهج الغرب المتجاهل لقِيَمه المزعومة”.
اعتبرت الصحيفة التركية أنّ “هذه الرسائل تعكس عدم احترام عميق لسيادة الكويت، وحرّية الصحافة، والأعراف الدبلوماسية، فالغرب يعتبر مفاهيم مثل حرّية التعبير والديمقراطية مقبولة فقط عندما تعكس خطابه”.
تشي تفاصيل الحوارات بأنّ السفراء يسعون إلى التأثير على الإعلام الكويتي ودفعه لتبنّي موقف مؤيّد للغرب في الحرب
كواليس النّميمة
تحت عنوان “كواليس النميمة”، جاءت محادثات السفراء بعضهم مع بعض، ومنها:
– السفيرة البريطانية بيليندا لويس ذكرت أنّ الخارجية الكويتية طلبت منها ومن سفراء آخرين في عام 2022 استخدام تعبير “أزمة” بدل “حرب”، لكنّ هذا الطلب رُفض، قائلة “طُلِب منّا ألّا نستخدم كلمة “حرب”، حتّى في حساباتنا على وسائل التواصل الاجتماعي. أبلغناهم أنّ هذا مستحيل بالنسبة لنا، وأنّنا ملزمون بالتقيّد بالتعليمات الآتية من عواصمنا، بما في ذلك المصطلحات”.
– السفير الفرنسي أوليفييه جوفان اتّهم روسيا بمحاولة “ترهيب وزارة الخارجية الكويتية” حتّى لا تُصدر السفارات أيّ تصريحات لا تتماشى مع دعاية الكرملين. وقال إنّه تمّ استدعاؤه إلى وزارة الخارجية لأنّه استخدم عبارة “حرب عدوانيّة”.
– السفير التشيكي ياروسلاف سيرو ردّ على جوفان ساخراً من الإعلام الكويتي: “يبدو أنّ عليّ أن أشكر الصحافة الكويتية لأنّها “أنقذتني” من الاستدعاء، بعدما حذفت عبارة “العدوان الروسي” من تصريحي”. وأشار إلى أنّ سفارته وحدها تُصدر بيانات واضحة لمصلحة أوكرانيا: “أنا واثق أنّه لا توجد أيّ سفارة أخرى غير مجموعتنا مستعدّة لإصدار بيان لمصلحة أوكرانيا”.
– السفير البولندي ميخاو خوليفا اقترح التنسيق بشأن ردّ جماعيّ حفاظاً على التضامن الدبلوماسي: “إذا كان من الضروري الردّ، يمكننا تنسيق الرسالة محلّياً لضمان أن لا يتزعزع دعمنا أمام السفير الروسي”. واقترح مشاركة محتوى يوميّ مؤيّد لأوكرانيا، مع سفراء آخرين.
اعتبرت الصحيفة التركية أنّ هذه الرسائل تعكس عدم احترام عميق لسيادة الكويت، وحرّية الصحافة، والأعراف الدبلوماسية
– تضمّنت الرسائل تعليقات غير لائقة بحقّ دول عربية لأنّها لا تتّفق مع الرؤية الغربية، إذ قال أحد السفراء: “أعلم أنّ هناك الكثير من السفارات في الدول العربية لا تهتمّ بما يحدث في أوكرانيا ولا تقلق حياله”.
– ظهر في المحادثات اسم عامر غالب، السفير الأميركي الجديد لدى الكويت، وهو من أصل يمنيّ وسيصل إلى الكويت في الأسابيع المقبلة لمباشرة عمله، وقد انتقده السفراء الغربيون في المجموعة لأنّه أدلى بتصريحات لوسائل إعلام روسيّة. وقد شاركت السفيرة الأسترالية ميليسا كيلي مقابلة له مع قناة روسيّة في المجموعة، فعلّق السفير الفرنسي على جزئيّة منها: “الفقرة الأخيرة لا تُبشّر بالخير لمستقبل حرّية التعبير والدبلوماسية في الكويت”، فيما كتب السفير التشيكي: “مُخيف… آمل ألّا يحصل ذلك”.
إقرأ أيضاً: الكويت تحاصر “الإخوان” عبر ضبط أموال التّبرّعات
– بعض السفراء استخدم عبارات مهينة بحقّ الرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف، بعدما شارك السفير الفرنسي منشوراً له، فوصفته السفيرة البريطانية بأنّه “طفولي”، ثم أضافت: “التقيته عام 2011 في سانت بطرسبورغ. كان عاديّاً جدّاً. لم يترك أيّ أثر”، فيما قالت السفيرة الأسترالية: “تغريداته مليئة بالقذارة والأكاذيب”.
