“تخصيبٌ” لبرنامج سحب السّلاح بموازاة التّفاوض مع إيران؟

مدة القراءة 6 د

يحرف النقاش في الضمانات التي يطلبها “الحزب” لبحث سحب سلاحه، الأنظار عن الحقيقة القائلة إنّه قرار إيرانيّ. تستدعي الحركة الدبلوماسية مراقبة جدّيّة التمهيدات لمعاودة المفاوضات بين طهران وأميركا وانعكاسها على لبنان. فالأولى توظّف سلاح “الحزب” كإحدى أوراقها التفاوضيّة. والمدى الزمني هو شهر آب المقبل. إمّا يكون لهّاباً، أو يبرِّد الأجواء. يتوقّف الأمر على جواب توم بارّاك من دونالد ترامب وإسرائيل على عرض رئيس البرلمان نبيه برّي.

 

يشتّت حديث الضمانات الانتباه عن سؤال مصيري: هل “الحزب”، وإيران من ورائه، مستعدّان لتكبيد البلد ولا سيما الجمهور الشيعي المزيد من المآسي، على يد “الجنون” الإسرائيلي؟

أكثرَ الموفد الرئاسي الأميركي إلى سوريا ولبنان توم بارّاك الكلامَ الحمّال الأوجه لوسائل الإعلام.

مع التكتّم الشديد على ما يسمّيه بعض الذين التقوا برّي وبارّاك بعد اجتماعهما الثلاثاء الماضي، “خرقاً” في التفاوض على سحب سلاح “الحزب”، فإنّ الحلقة الضيّقة حول برّي سجّلت انفراج أساريره قياساً إلى الأسابيع الماضية. كان متجهّماً معظم الوقت وقلقاً. صار يقول إنّه مرتاح لاجتماعه مع الموفد الأميركي، ويردف: “لا تسألوني عن التفاصيل”. ما تسرّب عن الجولة الثالثة من محادثات بارّاك في بيروت أنّه جاء بإصرار على نقاط تحوّلت إلى لازمة يكرّرها:

– حدّدَ مهلة قصوى كي يصدر قرار واضح عن الحكومة اللبنانية بسحب سلاح “الحزب” بمدّة أسبوعين.

– تصدر الحكومة قراراً علنيّاً يتضمّن بدوره مهلة يتمّ في نهاية مراحلها إنهاء سحب سلاح “الحزب”. والبداية من بيروت الكبرى.

حين أثار البعض أمام برّي مدى تسهيل إيران الحلول المطروحة لمسألة سلاح “الحزب” سمعوا منه: يا جماعة لا تربطوا كلّ شيء بإيران

عون يطلب خطوة “ولو صغيرة”

هو توجّه مدعوم من دول عربية فاعلة أبرزها المملكة العربية السعودية. قلّة ممّن واكبوا محادثاته مع الرؤساء الثلاثة، اطّلعت على جزء يسير من الوقائع:

– في اجتماعه مع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون كرّر اللازمة المتعلّقة بمهلة لقرار عن مجلس الوزراء، لخطّة سحب السلاح.

– رئيسا الجمهورية العماد جوزف عون والحكومة نوّاف سلام أصرّا على أن تبدأ إسرائيل بخطوة تنفيذية لاتّفاق وقف الأعمال العدائية الذي ما زالت تنتهكه، يليها اتّخاذ الدولة خطوة مقابلة للبدء بسحب السلاح.

إيران

لم يكن بارّاك مرناً وأصرّ على المهلتين: اتّخاذ الحكومة القرار ببدء سحب السلاح، وتحديد توقيت للمراحل. تقول الرواية إنّ الرئيس عون انتحى جانباً مع بارّاك وقال له: أنت تريد أن تنجح في مهمّتك، والرئيس ترامب كذلك. لن نتراجع عن حصرية السلاح في يد الدولة. سبق أن أنجزنا خطوات مهمّة جنوب الليطاني وحتّى شماله. لا نطلب منكم فرصة أشهر لوقف النار بل أقلّ بكثير. ومع أنّ الجميع يسلّم بأن لا قيمة عسكرية لاحتلال إسرائيل للتلال الخمس في الجنوب، لا نطرح الانسحاب منها في المرحلة الأولى. نطلب خطوة صغيرة نخاطب بها الجنوبيّين تقضي بامتناع الطائرات الإسرائيلية عن قتل الناس لبعض الوقت.

سأله بارّاك عن تقديراته لاستعدادات “الحزب”، فأجابه عون: إذا توقّفت الاغتيالات فلن نكتفي بنقل استعدادات “الحزب” إليك، بل سنأخذ قراراً بالتنفيذ.

مهلة برّي: وقف القتل من 1 آب لأسبوعين…

– في اليوم التالي كان برّي أعدّ ورقة موازية للردّ اللبناني على أفكار بارّاك، وعلم بانسداد الأفق في اجتماعَي الأخير مع عون وسلام. قدّم برّي مطالعة مطوّلة امتنع المطّلعون على فحواها عن تسريب ما تضمّنته. علم “أساس” أنّ بارّاك وافقه الرأي. وهو ما يفسّر قوله: “برّي من أذكى السياسيين وأكثرهم حنكة ولديه حلوى لذيذة جدّاً”.

لم يكن بارّاك مرناً وأصرّ على المهلتين: اتّخاذ الحكومة القرار ببدء سحب السلاح، وتحديد توقيت للمراحل

قدّم الأخير اقتراحاً عمليّاً تضمّن مهلة من الأوّل من آب المقبل حتّى منتصفه، تمتنع خلالها إسرائيل عن تحليق مسيّراتها وطائراتها الحربية لتنفيذ الاغتيالات وتدمير المنازل. كان برّي اقترح الفكرة خلال زيارة بارّاك في 7 تمّوز، ثمّ أضاف إليها مهلة الأسبوعين الثلاثاء الماضي. حين أثار البعض أمام برّي مدى تسهيل إيران الحلول المطروحة لمسألة سلاح “الحزب” سمعوا منه: يا جماعة لا تربطوا كلّ شيء بإيران. هناك الموقف اللبناني.

مسؤوليّة “الحزب” واستبعاد بارّاك للحرب

بانتظار جواب إسرائيل، طُرح سؤال عن مدى التزام “الحزب” لأفكار برّي. من واكبوا المفاوضات رأوا أنّ “الحزب” سيتحمّل أمام الجمهور الشيعي العريض مسؤولية إفشال مسعى الحؤول دون تجدّد الحرب.

يمكن التوقّف عند نقطتين بارزتين في تصريحات بارّاك:

1- لكثرة ما سأله اللبنانيون عن المهلة المعطاة للبنان، أوضح أنّ إسرائيل تحدّد المهلة لا واشنطن. ثمّ أوضح: “إذا لم تقُم الحكومة بما عليها يعني استمرار الوضع الحالي الذي يتضمّن غارات في الجنوب وطائرات مسيَّرة فوق بيروت”. ومع أنّه قال إنّ أميركا لا تستطيع منع إسرائيل من مواصلة الضربات، أوضح أنّ “لبنان لن يواجه حرباً إسرائيليّةً ثانية”.

بموازاة تمسّك إيران بحقّ تخصيب اليورانيوم على أرضها، تتمسّك واشنطن بالتفاوض على خفض برنامجها للصواريخ البالستية

2- قال إنّ “احتمالات عدم إبرام إيران صفقة مع أميركا ضئيلة جدّاً. لذا فكّروا في متطلّبات هذه الصفقة في ما يتعلّق بـ”الحزب” و”حماس” والحوثيين”. هذا على الرغم من نصحه كبار المسؤولين في زيارته في 7 تمّوز بعدم انتظار المفاوضات الأميركية الإيرانية، لسحب سلاح “الحزب”، كما قال مرجع رفيع لـ”أساس”.

يقصد باراك تشجيع “الحزب” وسائر الأذرع على استباق احتمال التوصّل إلى اتّفاق بين واشنطن وطهران، والإقبال على صفقة تتعلّق بالسلاح في لبنان يوفّر على البلد الغارات التي تشهدها الأراضي اللبنانية منذ اتّفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني الماضي.

يعزّز عدم استبعاد بارّاك صفقة مع إيران قناعة دبلوماسيّين بأنّ الحراك الدبلوماسي الجاري بين طهران وموسكو وبكين والترويكا الأوروبية، وإعلانها الاستعداد لاستقبال مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرّية مجدّداً، هما تمهيدان لمعاودة المفاوضات في الملفّ النووي.

إقرأ أيضاً: سلاح المخيّمات خطّ دفاع أوّل عن سلاح “الحزب”؟

بموازاة تمسّك إيران بحقّ تخصيب اليورانيوم على أرضها، تتمسّك واشنطن بالتفاوض على خفض برنامجها للصواريخ البالستية. فهل ما يجري في لبنان هو “تخصيبٌ” للأفكار من أجل سحب سلاح “الحزب”؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

ظاهرة إبستين: كيف تحوّل فرد إلى مؤسسة

في كل مرة تُكشف فيها دفعة جديدة من الوثائق المرتبطة بجيفري إبستين، يتجدّد المشهد ذاته: دهشة عامة، غضب أخلاقي، شعور بالاشمئزاز… ثم فضول لا يخف….

هل “سلّمت” إيران برنامجها النّوويّ؟

تدافعت الأخبار فجأة لتكشف عن “بركة” أفضت إلى توقّف طبول الحرب عن قرع ما صمّ آذان المنطقة. أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بنفسه أنّ إيران…

المالكي رئيساً: تحقيراً لما كان عراقاً وبات مجرد “خرابة”!

بعد “طلقٍ” غير شرعي لـ”داية” غير مجهولة الهوية، كما جرى تسريب مُغفل التوقيع، خرج علينا “الإطار التنسيقي” بمرشحه لرئاسة حكومة الفصائل الولائية، مبشّراً بعودة صاحب…

من دولة بلا حدود… إلى حدود في دولة

جاء نشوء الدولة في لبنان في سياق تحوّلات ما بعد الحرب العالميّة الأولى وتفكّك السلطنة العثمانيّة. وساهمت التحوّلات في نشوء دول أخرى في المنطقة، منها…