ليس في الجغرافيا ما يُشبه السكون، وإن بدا العالم ساكناً في صور الأقمار الاصطناعية، فإنّ خرائطه تعجّ بهواجس البشر، وبالحدود التي تُرسم بالدم أكثر ممّا تُرسم بالحبر. ومنطقة الشرق الأوسط لم تكن يوماً خارج تلك الجغرافيا المتحوّلة، بل كانت في صميمها، كأنّها عُقدة المَخْطط وموضع التشقّق في جلد العالم.
لقد دخلت خرائط القرن الحادي والعشرين مرحلة ما بعد الحواجز التقليدية. لم تعد الجغرافيا تكتفي بالأنهار والجبال والصحارى، بل غدت تنبض بأسلاك الطاقة، وممرّات البيانات، وشبكات المصالح المتداخلة. المفكّر الأميركي روبرت كابلان كتب مبكراً أنّ “الحدود صارت أوهاماً تنتظر الكارثة لتتمزّق”. وربّما منطقة الشرق الأوسط، بما تختزنه من توتّرات ومخزونات استراتيجيّة، باتت أولى ساحات هذه التمزّقات المؤجّلة.
وفق تقارير مؤسّسة “استراتفور” وتحليلات جورج فريدمان، يُعيد الانكفاء الأميركي عن المنطقة خلط الأوراق الإقليمية، ويُحرّك خرائط النفوذ مثل أحجار دومينو. إيران مثلاً لا ترسم حدودها بالمدى السياسي بل بالمدى الطائفي والجغرافي الممتدّ من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق وصنعاء. وتركيا تعود إلى شهوة الإمبراطوريّة بحوافز الجغرافيا السياسية، حيث صاغ أحمد داوود أوغلو يوماً نظريّة “العمق الاستراتيجي” التي تُعيد أنقرة إلى خرائط ما قبل سايكس– بيكو.
أنابيب الغاز ترسم الخرائط
في كتابه “نهاية العالم” كما نعرفه، يتوقّع بيتر زيهان أن تتحوّل الخرائط إلى أشكال وظيفية، فتُرسم بناءً على أنابيب الغاز والموانئ والممرّات التجارية، لا على خطوط استعمارية تقادمت. هذا يقودنا إلى أنّ بعض دول الشرق الأوسط لن تكون في نهاية هذا العقد على الشكل ذاته، لا من حيث السيادة الفعليّة ولا من حيث التماسك الجغرافيّ. إذ تشير العديد من المراكز البحثيّة، مثل مجموعة الأزمات الدولية، إلى أنّ ليبيا وسوريا واليمن والعراق تتّجه نحو نماذج الحكم اللامركزيّ، التي تُفضي في كثير من الأحيان إلى واقع سياسي يشبه الكونفدراليّات أكثر من الدول الموحّدة.
الخرائط ليست حجارةً في متحف، بل شرايين حيّة تُبدّل شكلها كلّما تبدّلت نبضات التاريخ. والشرق الأوسط، شاء أم أبى، هو القلب المضطرب في جسد العالم
العالم شبكة مدن متّصلة
في السياق ذاته، يرى باراغ خانّا أنّ العالم سيتحوّل إلى “شبكة مدن متّصلة”، لا دول متجاورة. وهذا ينعكس على الشرق الأوسط من خلال تصاعد دور المدن الكبرى كدبي والرياض والدوحة وتل أبيب، مقابل تقلّص دور الدولة القوميّة التي تُرهقها أطرافها الهشّة وحدودها المتنازعة.
المفارقة أنّ إعادة رسم الخرائط قد لا تكون بحروب الجيوش بل بحروب المياه والمناخ. بحسب توقّعات معهد استوكهولم الدوليّ للمياه، قد يشهد الشرق الأوسط صراعات غير تقليدية على الأنهار والمياه الجوفيّة، وهو ما سيعيد ترتيب التحالفات والخصومات على أسس لم تكن مألوفة من قبل.

أمّا النفط فلم يعد “سيّد الخريطة” كما كان في القرن الماضي. الغاز اليوم هو الذي يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية، كما يحدث في شرق المتوسّط. وللمرّة الأولى منذ قرون، تقف دول عربية وإسرائيل وتركيا على ضفّة واحدة لمشروع طاقة عابر لخرائط الكراهية القديمة.
إنّ ما يوشك أن يحدث ليس تعديلاً في تخطيط الحدود وحسب، بل هو تحوّل في معنى “الحدود” ذاته. وربّما المفكّر السوريّ الراحل صادق جلال العظم كان يستشرف ذلك حين كتب أنّ “الدولة العربية الحديثة وُلدت من خريطة استعمارية، وستموت عندما تتفكّك تلك الخريطة”. لكنّ موتها هنا ليس موتاً بالضرورة، بل قد يكون تحرّراً من إرث الخنادق والأنظمة الأحاديّة.
منطقة الشرق الأوسط لم تكن يوماً خارج تلك الجغرافيا المتحوّلة، بل كانت في صميمها، كأنّها عُقدة المَخْطط وموضع التشقّق في جلد العالم
ما الذي بقي إذاً من الشرق الأوسط، حين تبدأ الخريطة بإعادة تشكيل ذاتها؟
ربّما تبقى الذاكرة، أو ما يسمّيه إدوارد سعيد بـ”الجغرافيا المتخيّلة”، أي تلك التي لا تُحدَّد بالمسطرة بل بالمأساة، لا تُرسَم بالحبر بل بالأمل المُعلَّق في المنفى.
على حواف هذا الأمل، قد لا يُعاد تشكيل الشرق الأوسط كـ”منطقة مشتعلة”، كما درج الخطاب الغربي على وصفه، بل كـ”نقطة توازن قَلِقة”، حيث تتقاطع المصالح الكبرى، وتتصادم، ثمّ تتفاوض… ثمّ تعيد رسم خطوطها.
إقرأ أيضاً: الدّروز والأسئلة المؤجّلة: إسرائيل خنجر في الخاصرة
في آخر المطاف، الخرائط ليست حجارةً في متحف، بل شرايين حيّة تُبدّل شكلها كلّما تبدّلت نبضات التاريخ. والشرق الأوسط، شاء أم أبى، هو القلب المضطرب في جسد العالم.
* كاتب وصحافي أردنيّ.
