ما يجري في سوريا من أحداث دامية ليس وليد اليوم. هو نتاج قمع نظام بائد ومخطّطات لا تموت بأيدٍ محلّية ودم أهليّ، ويؤكّد أنّ اللادولة أسرع طريق إلى الخراب.
تنتشر منذ مدّة طويلة مصطلحات وعبارات من قبيل “بلاد الشام” و”سايكس بيكو” و”حدود جديدة” و”خرائط جديدة” و”شرق أوسط جديد”، على ألسنة المسؤولين الغربيّين والمسؤولين الإسرائيليّين، ولا ينفكّ يردّدها المبعوثون الأميركيون إلى المنطقة منذ وصول وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إليها، مطلع الألفيّة الجديدة، حاملةً معها عبارة “الشرق الأوسط الجديد”، وصولاً إلى تلويح المبعوث الأميركي الجديد إلى المنطقة توم بارّاك، أخيراً، بمصطلح “بلاد الشام”، وهو مصطلح جغرافيّ بحت.
صحيح أنّ الشرق الأوسط الجديد لا يزال في “الحضانة” ولم يخرج إلى النور بعد، لكنّ إخراجه جارٍ على قدم وساق، ومعالمه الأولى بدأت ترتسم على أرض الواقع عبر ترجمة المصطلح حروباً ونزاعات وعداوات وحده الله قادر على حسمها، لاتّسامها بسمات دينية وانطلاقها من منطلقات مذهبيّة.
صحيح أنّ الشرق الأوسط الجديد لا يزال في “الحضانة” ولم يخرج إلى النور بعد، لكنّ إخراجه جارٍ على قدم وساق
مصطلحات ومخطّطات
ليس التداول المستمرّ لتلك العبارات والمصطلحات إلّا انعكاساً لمخطّطات غربية ودراسات عدّة تتناول هذه المنطقة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ربّما مرجعها الأساس أو منبتها الأوّل المفكّر والمؤرّخ البريطاني اليهودي، أو اليهودي البريطاني، برنارد لويس، قبل أن تكرّ السبحة ويتناولها شارحون ومنظّرون ومجتهدون كثر أبرزهم فرانسيس فوكوياما صاحب “نهاية التاريخ”، وصموئيل هانتنغتون صاحب “صراع الحضارات”، والمصطلح الأخير أبوه الفعليّ لويس نفسه.
اعترض لويس على اتّفاق “سايكس بيكو” الذي صار كيانات ودولاً نشهد حاليّاً تفكّكها وإعادة رسم حدودها. ويُجمع كثر على إطلاق “سايكس بيكو 2” على ما أتى به لويس، وجوهره إعادة رسم الحدود في المنطقة “إثنيّاً ودينيّاً”، وهو للأسف ما تشهده حروب دول المنطقة منذ عقدين على الأقلّ. العراق على الطريق، وسوريا قاب قوسين أو أدنى من التحوّل إلى كيانات عدّة، وكذلك السودان واليمن وليبيا، وفلسطين تكاد تُمحى من الخريطة بينما يقبع لبنان وسط الأخطار من كلّ حدب وصوب.
“سايكس بيكو 2” هو جهد محلّي وأهليّ، يكتبه آلاف بالحبر الأحمر وينفّذه أبناء المنطقة بنجاح منقطع النظير
حدود وفتاوى
إذا كان “سايكس بيكو” اتّفاقاً كُتب على طاولة في مكتبٍ ورسم حدوده شخصان أو ثلاثة، ونفّذته جيوش أجنبية وفرضته وجعلته أمراً واقعاً قبل مئة سنة ونيّف، فإنّ “سايكس بيكو 2” جهد محلّي وأهليّ، يكتبه آلاف بالحبر الأحمر وينفّذه أبناء المنطقة بنجاح منقطع النظير.
إذا كانت حدود “سايكس بيكو” الأوّل قد رُسمت على الخريطة وبالمسطرة والقلم، فـ”سايكس بيكو” الثاني أو الجديد يُرسم بالدم. وبينما كانت حدود الأوّل جغرافيّة وسياسيّة واقتصاديّة، فحدود الثاني حدود “عقائدية” لا تأبه لجغرافيا ولا لتاريخ أو مصالح. هنا تنتهي الشريعة الفلانيّة لتبدأ أخرى، وهناك تنتهي حدود “فتوى” لتنطلق حدود “فتوى” مضادّة. هنا يبدأ دم، وينتهي دم آخر… وتتلاشى أوطان وتُمحى أمّة.
ما يجري في سوريا اليوم لا يقلّ خطورة عمّا جرى ويجري في الجنوب اللبناني بُعَيد “إسناد ومشاغلة”، وربّما يأتيان في سياق واحد يصبّ في “الشرق الأوسط الجديد”.
سوريا مثالاً
خير دليل على ما سبق ما يجري في سوريا منذ سنوات طوال، وتحديداً زمن حكم آل الأسد. صحيح أنّ الحدود لم تُحدَّد بعد، وأنّ الأسوار لم تُشيَّد، لكنّها قائمة بالفعل. هنا علويّون، وهناك أكراد، وهنالك دروز. من يصل ما انقطع بين الساحل وسوريا اليوم وقد شهد ما شهد؟ ومن يصل السويداء بدمشق بعد الدم المسفوك عبثاً فيها؟ ومن يمحو ما جرى لأبناء العشائر في أذهان الأمّة؟ من يجبُر خاطر عاصمة الأمويّين ورافعي لواءها؟ من يدقّ أجراس الكنائس السورية فرحاً بعودة الأمويّين وإيذاناً بقيام دولة عصرية تعيد أمجاداً فيُزهر مستقبل؟
أبعد من ذلك: هل يبقى ما يجري في سوريا وما يُخطّط لها محصوراً فيها؟ أم يتمدّد إلى خارجها؟ من يقدر على ضبط الحدود اللبنانية؟ وإذا قدر، فهل يقدر على ضبط النفوس؟
ما يجري في سوريا اليوم إنّما هو نتاج الحكم الفرديّ واللامؤسّسات والطواغيت والغلبة الفئويّة والهيمنة وإلغاء الآخر وعدم الاعتراف به والانفراد في الحكم والقرار
من يتّعظ؟
بُعَيد اندلاع الاشتباكات قبل أيّام في السويداء أو على تخومها، هبّ أبناء مكوِّنين أساسيَّين في لبنان لنصرة أهاليهم في سوريا. منهم من انتقلوا إليها جغرافيّاً واجتازوا الحدود، ومنهم من نزلوا داخل الحدود اللبنانية متضامنين ومستنكرين ما يجري. قبل ذلك، بُعَيد أحداث الساحل، تحسّس مكوِّن أساسيّ آخر في لبنان، أي المكوّن الشيعي، رقبته. وقبل السويداء والساحل، كان أهل السنّة ينتظرون فرجاً يجيء بعد نصف قرن من قمع النظام الأسديّ وتشبيحه وإلغائه “أمّةً” بقضّها وقضيضها. وفي الإمكان الرجوع إلى تواريخ كثيرة، وما أكثرها، للانقضاض على كلّ حدود ولقطع الطريق على كلّ محاولة لبناء دولة وتنشئة مواطنين، ولمحو كلّ سرديّة تحكي عن تجانس ووحدة وائتلاف وعيش مشترك وتاريخ واحد.
إقرأ أيضاً: السويداء: “سوء تفاهم” يفضح ورش الممرّات
لكنّ بالإمكان أيضاً الحفاظ على الحدود والوطن والأهل والأخوة. كيف؟
الكفيل الوحيد بالأمر هو الاحتكام إلى الدولة والعودة إليها من الاجتهادات الفقهية والفتاوى الدينية وصلات الدم والقربى والانتماءات القبلية والطائفية والعلاقات غير الطبيعية والرهان على الخارج وترّقب الأحداث ورصد الرياح الآتية والرهان على السلاح الفئوي.
ما يجري في سوريا اليوم، وقبلها في العراق وليبيا والسودان وحتّى فلسطين… إلخ، إنّما هو نتاج الحكم الفرديّ واللامؤسّسات والطواغيت والغلبة الفئويّة والهيمنة وإلغاء الآخر وعدم الاعتراف به والانفراد في الحكم والقرار. ما يجري في سوريا اليوم يحمل توقيع سياسات النظام البائد، وهو إنجازه الوحيد تماماً، وقِس على ذلك من أقصى مشرق العالم العربي حتّى أقصى غربه والحبل على الجرّار.
لمتابعة الكاتب على X:
