حين تدافع إسرائيل عن طائفة ما، لا يُطرح السؤال بل يُفجّر لأنّ في خلفيّة المشهد شبهة، وفي مقدَّمه احتراف قديم في صناعة الأقنعة. فما من أقليّة سكنت خارطة الشرق إلّا وكانت مرآة مقلوبة في يد أحدهم، يرينا ما يريد أن نراه، لا ما هو واقع فعلاً. والدروز، الأقلّية العربية ذات التمايز الديني والثقافي، وجدوا أنفسهم مراراً في بؤرة هذا الالتباس.
فلماذا تدافع إسرائيل عنهم؟ ولماذا يُقدَّم هذا الدفاع في هيئة “احتضان”، بينما يتّسع جرح الفلسطيني، ولا يُبتر عنه ظلّ الرصاص؟
ليست المسألة حقوق أقليّات، بل استخدام هوامش الهويّة كسلاح. إسرائيل، التي شيّدت دولتها على فكرة الأكثريّة النقيّة، لا تلبث أن تستدعي خطاب التعدّدية حين تحتاج إليه. والدروز، بالنسبة لها، ليسوا طائفة وحسب، بل بوّابة خلفيّة إلى المجتمع العربي، تُفتح حيناً للتجنيد، وتُغلق حيناً آخر مع أوّل قطرة شبهة.
ليس أدلّ على ذلك من أنّ هذا “الدفاع” عن الدروز يتصاعد كلّما توتّرت الجبهات، ويغيب كلّما عاد الهدوء الهشّ إلى مستقرّه. إنّه دفاع وظيفيّ، لا وجدانيّ، أشبه بعلاقة الجندي ببندقيّته: يحافظ عليها لأنّها تضمن له البقاء، لا لأنّها امتداد لهويّته.
لقد فهمت إسرائيل باكراً أنّ قوّة الجماعة تكمن في تماسكها، فذهبت لاختراق هذا التماسك، لا لمداواته. فالدروز داخل الخطّ الأخضر جُنّدوا قسراً منذ سنوات، وارتُكبت بحقّهم خيانات ناعمة، تبدأ من مناهج التعليم، ولا تنتهي عند تمييز تشريعي يختبئ وراء أقنعة المساواة.
ما يزال الدروز أنفسهم يحدّقون في المرآة الإسرائيلية، باحثين عن انعكاس مكتمل لهويّتهم، فلا يجدون إلّا صوراً مشوّشة
ترتيب الألغام.. لا تفكيكها
ما يزال الدروز أنفسهم يحدّقون في المرآة الإسرائيلية، باحثين عن انعكاس مكتمل لهويّتهم، فلا يجدون إلّا صوراً مشوّشة، تتداخل فيها البدلة العسكرية مع شجرة السنديان في جبل العرب، وتختلط فيها لغة الحرب بلغة المَضافة، حتّى صار السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً من السؤال السياسي: إلى أيّ حدّ يمكن لطائفة أن تظلّ على هامش الصراع، دون أن تصبح جزءاً من أدواته؟

يشبه الدفاع الإسرائيلي عن الدروز اليدَ التي تمتدّ لتحمي، لكنّ أصابعها ممدودة أيضاً للضغط والاصطفاف. فهو لا ينبع من اعتراف حقيقي بتعدّديّة المجتمع، بل من إدراك عميق لطبيعة الخلل البنيوي في التركيبة العربية، بحيث يمكن للأقليّة أن تُحتضَن ضدّ محيطها، وأن تتحوّل، دون أن تدري، إلى وسيلة تزيين لمشروع استيطاني.
ما يجري الآن ليس سوى تكرار باهت لحيلة قديمة: أن تمنح بعض أبناء الخصم مساحة للتنفّس، فتخنق البقيّة بالتدريج. هو توازن مختلّ، قائم على مفارقة سوداء: أن تصبح بعض الطوائف شاهداً، أو في أسوأ الأحوال، شاهدة زور، على مأساة الجماعة الكبرى.
ربّما أكثر ما يخشاه الإسرائيلي من الدروز، ليس تمرّدهم، بل وعيهم العميق لكونهم وُضعوا في العربة الخطأ على قطار التاريخ، وأن يكتشفوا متأخّرين أنّ “الاحتواء” لم يكن إلّا التفافاً، وأنّ “الاعتراف” لم يكن إلّا ترويضاً ناعماً للهويّة.
إقرأ أيضاً: الفتنة التّقسيميّة: أبعد من السّويداء؟
لقد قال خيري منصور ذات مرّة: “الأسئلة التي لا تجد جواباً تتحوّل إلى ألغام في الطريق”. والدروز، اليوم، يعيشون فوق هذا الحقل من الأسئلة المؤجّلة. وما الدفاع الإسرائيلي عنهم سوى محاولة لإعادة ترتيب الألغام… لا تفكيكها.
* كاتب وصحافي أردنيّ.
