سوريا ودورها اللّبنانيّ: برودة سنّيّة وذعر أقلّويّ (2-2)

مدة القراءة 6 د

ماذا يعني تصريح المبعوث الأميركي عن عودة لبنان إلى بلاد الشام؟ ما هي حيثيّاته التاريخية ووقائعه السياسية ودلالاته العميقة؟ وهل هو اجتهاد أم زلّة لسان أم أكثر من ذلك بكثير؟

 

المعروف أنّ تيّارات بارزة في النظام اللبناني ما كانت تقليديّاً مع علاقات متميّزة مع سورية باعتبارها رمزاً للعرب بالمنطقة. وقد أقام فؤاد شهاب تلك العلاقات أيّام عبدالناصر في سورية وما بعده. وفي انتخابات عام 1968 فاز التيّار المسيحي المعارض للشهابيّة، وعادت الأزمات مع سورية بسبب سيطرة البعثيّين المتشدّدين، لكنّها هدأت بعض الشيء عندما وصل للرئاسة بلبنان سليمان فرنجية، وبسورية حافظ الأسد. ثمّ نشأ الاضطراب الداخلي مع الفلسطينيين والقوى (الوطنيّة) المناصرة لهم في وجه الجبهة اللبنانية وقواها، وحتّى الجيش انقسم، فظهر في انتخاب خلفٍ للرئيس فرنجيّة عام 1977 النفوذ السوري بعدما كان الجيش السوري قد دخل لبنان عام 1976 لنصرة المسيحيين على ياسر عرفات وقوى اليسار العالمي!

ظلم وتهميش

منذ منتصف السبعينيّات من القرن الماضي ظهرت ميول الأميركي (وإسرائيل)، وبخاصّةٍ بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لتوكيل حافظ الأسد بتهدئة الداخل اللبناني، وإبعاد الفلسطينيين والتوتّرات عن الحدود بين لبنان وإسرائيل. ثمّ اضطرّت سورية إلى قبول اتّفاق الطائف الذي رعته السعودية لإنهاء النزاع الداخلي. لكنّ نفوذها لم يضعُف في لبنان بل ازداد حتّى في التفاصيل السياسية بل والإدارية. وفكّر حافظ الأسد، وهو التكتيكيّ الماهر، في استخدام ورقة مقاومة “الحزب” من لبنان للإفادة منها في مساومة إسرائيل على الجولان السوريّ المحتلّ.

وحده الدكتور سمير جعجع من السياسيين المسيحيين كان إيجابياً تجاه النظام السوري الجديد، وكذلك وليد جنبلاط من الجهة الأخرى

شعر المسيحيون بالظلم من اتّفاق الطائف، ومن التهميش في النظام السياسي. وجاءت مبادرات الرئيس رفيق الحريري الإعماريّة والسياسيّة لاستعادة التوازن بداخل النظام. لكنّه تحوّل إلى ظاهرةٍ غلّابة أثارت عليه حنق وأحقاد الرئيس الجديد بشّار الأسد والإيرانيين فقتلوه في شباط عام 2005 فاضطرّ جيش بشّار الأسد إلى الخروج من لبنان بعد اندلاع ثورة الأرز التي جمعت المسلمين (السنّة) والمسيحيين، إنّما كانت نتيجة الخروج السوري سيطرة “الحزب” والراحل السيّد حسن وأعوانه بمفردهم على مرافق النظام اللبناني واحتلّوا بيروت عام 2008. ومنذ ذلك الحين (2006-2008) تحالف “الحزب” مع التيّار الوطني (حزب الجنرال ميشال عون) فاستولوا على الحكومات والمرافق وقال جبران باسيل الذي صار زعيم التيّار الوطني عندما صار عون الأوّل رئيساً للجمهورية عام 2016: الهدف مواجهة اتّفاق الطائف وأهل السنّة لأنّهم هم الوحيدون المستفيدون منه. والحلّ هو في تحالف الأقلّيات.

لا يمكن فهم تصريحات توماس بارّاك الأخيرة بشأن لبنان وسورية وبلاد الشام إلّا بعد المرور على العهد الجديد في لبنان ورئاسة الحكومة الجديدة. رئيس الجمهورية الجديد جوزف عون في خطاب القسم بشّر بتطبيق “الطائف” وبالإصلاحات، وبسيطرة الجيش والسلطة الوطنية وحدها على الأرض. واختفى من البيان الوزاري للحكومة الجديدة مثلّث: الجيش والشعب والمقاومة. ومنذ ذلك الحين (زيادة على الستّة أشهر) ما تقدّمت مفاوضات نزع السلاح على الرغم من وعود الرئيس برّي، واستمرّت الغارات الإسرائيلية في مخالفةٍ صريحةٍ لاتّفاق وقف النار. وتعاظمت الضغوط الأميركية من أجل نزع السلاح، وتباطأت عمليّات ووعود الإصلاح، لأنّ الجهات الدولية والعربية علّقت ذلك كلّه على تسليم “الحزب” لسلاحه.

شعر المسيحيون بالظلم من اتّفاق الطائف، ومن التهميش في النظام السياسي. وجاءت مبادرات الرئيس رفيق الحريري الإعماريّة والسياسيّة لاستعادة التوازن بداخل النظام

سورية مشغولة بنفسها

بسبب قوّة رئيس الجمهورية رضي المسيحيون عن “الطائف” للمرّة الأولى. لكنّ “مظالم” السُّنّة عادت للتنامي والتعاظم بسبب ضعف رئاسة الحكومة، وحدوث تعيينات منحازة من وجهة نظرهم في سائر المرافق والمؤسّسات. لكنّ هناك إيجابيّة لا بدّ من ذكرها للعهد الجديد، وهي أنّ كثيراً من التعيينات في المناصب العليا تأخّر إنجازها منذ عام 1999 أو منذ عام 2008 و2009. وهذا أمرٌ جيّد جدّاً. أنا لا أعرف كثيراً ممّن تعيّنوا إنّما بين الذين تسنّموا المناصب ممّن أعرفهم من طريق الرئيس أو رئيس الحكومة عدد لا تتوافر فيهم الكفاية العالية أو النزاهة المنشودة. وبالإجمال وعلى الرغم من صرخات مفتي الجمهورية التظلّميّة لا يصحّ الحكم سلباً على الرئيس أو رئيس الحكومة. فالملفّات صعبة ومتراكمة، والدعم المتوقّع لم يتوافر منه إلّا بضع مئات من الملايين ومعظمها لإعادة الإعمار! بينما تسلّم أحمد الشرع وعوداً بحوالي عشرة مليارات للدعم الغذائي والطاقة والتكنولوجيا والاستثمار والأمن وبناء الجيش. ثمّ إنّ ملفّ نزع السلاح مظلمٌ جدّاً. فالإيرانيون يتغلغلون منذ أربعة عقودٍ ونيّف. والصدمة الشيعية هائلة ومعالجتها صعبة جدّاً.

إقرأ أيضاً: الدّولة الفاشلة بوصفها طريقاً لبلاد الشّام (1-2)

فلنعُدْ إلى العلاقات بين لبنان وسورية الجديدة لنختم بها. وحده الدكتور سمير جعجع من السياسيين المسيحيين كان إيجابياً تجاه النظام السوري الجديد، وكذلك وليد جنبلاط من الجهة الأخرى. أمّا المسلمون السنّة على الرغم من زيارة رئيس الحكومة اللبناني للشرع، وكذلك مفتي الجمهورية، فليس هناك مَعْلَمٌ معتبَر حتّى الآن لتطوّرات العلاقة، وكيف تختلف عن علائق وقطائع النظام السابق. الدكتور فارس سعيد السياسي اللبناني قدّر أنّ الرئيس الشرع هو زعيم السنّة في سورية ولبنان. ولا شكّ أنّ النظام الجديد إيجابي جدّاً بالمقارنة مع السابق، سواء في سورية أو تجاه لبنان، لكنّ سورية كثيرة المشكلات، ولا نعرف بالضبط كيف يفكّر الشرع في الملفّ اللبناني وملفّ المسلمين في لبنان، ومتى يستطيع الاهتمام بالملفّ، أو صنع علاقات طبيعية مع الدولة وسياسة مرغوبة مع المسلمين اللبنانيين. وهذا علاوة على خصومة الشيعة مع النظام الجديد، وبرودة المسيحيين في لبنان وسورية، الذين يبدو أنّهم كانوا قد ألِفوا نظام الأسدين وذئابهما!

 

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…