ولَدت الثورة البلشفية الاتّحاد السوفيتي. وساهم النظام الشيوعي في الصين في اتّباع منهجيّة سياسيّة صينية مغايرة. فيما أسّس توحيد ألمانيا لانفراط عقد الاتّحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية والوسطى، وهو ما أدّى إلى انهياره. فهل يكون سقوط نظام الأسد في سوريا مقدّمة لإيران جديدة؟ وهل تُجرى تعديلات جوهرية في السياسة العالمية استجابة للأزمات السياسية؟ هل ينجح دونالد ترامب في تطبيق المفهوم الأميركي لإيران؟ وهل تكون التقيّة الترامبيّة أقوى من تلك الخامنئيّة؟
تبدّل في مفهوم القوّتين الصّلبة والنّاعمة
يشهد العالم اليوم حرب تقيّات سياسيّة. قوامها فنّيّات الخداع الكلاميّ. تعتبر هذه الفترة العالميّة الأعظم محنةً وفوضويّة، على صعيد الوضع الدولي بكلّ معضلاته. وُضعت المنطقة أمام رزمة من التحدّيات، مع واقع حال مضطرب ومقبل على متغيّرات مريبة، لا سيما أمام أحداث جيوسياسية متشنّجة.
كانت عمليّة 11 أيلول 2001 المدخل لتبدّل ملامح استراتيجية الأمن القوميّ الأميركية، وما يرتبط بالأسلوب الصلب والناعم. استخدمت واشنطن الأول، أي الصلب، في اتّجاه كلّ من أفغانستان والعراق، للتضييق على سلطات الكتلة السنّية حينها. دحرت طالبان. وأسقطت صدام. وانتشر عطر الربيع العربي.
في المقابل خصّت أميركا النظام الايراني بالقوّة الناعمة. رسمت خطّتها للتعاون معه على أنّه أفضل من المجموعة العربية، وللحدّ من نفوذه الشرق الأوسطي عبر إبرام الاتّفاق النووي. لكنّ ما حصل هو العكس. فشلت أميركا في تدجين السياسة الإيرانية. وزادت إيران قوّتها الصلبة التوسّعية المزخّمة بالتقيّات الناعمة.
أرادت أميركا بعد إسقاط برجَيها في نيويورك استعمال إيران للانتقام من العالم العربي. لكن تبيّن أنّ النظام الإيراني هو الذي استخدم الإدارة الأميركية عن قصد أو غير قصد أميركي، وفتك بالدول العربية، وقوّض سلطاتهم الشرعية، ولم يتجاوب كثيراً مع الولايات المتّحدة الأميركية.
يشهد العالم اليوم حرب تقيّات سياسيّة. قوامها فنّيّات الخداع الكلاميّ. تعتبر هذه الفترة العالميّة الأعظم محنةً وفوضويّة، على صعيد الوضع الدولي بكلّ معضلاته
فشلت القوّة الأميركية الناعمة في تدمير القوّتين الناعمة والصلبة الإيرانيّتين، فقرّرت أميركا تغيير قواعد الاشتباك. تمّت تصفية قاسم سليماني بقرار مباشر من ترامب. لم يشأ وقتها ضرب المنشآت. غادر ترامب الرئاسة، ثمّ عاد رئيساً لأميركا للمرّة الثانية. لم يغادر فكره عملية تهذيب النظام الإيراني وإضعافه، من دون إزاحته والقضاء على خامنئي.
يعكف ترامب في إدارته الحالية على استعمال الوسائل المتنوّعة من أجل إحداث التغيير المطلوب في سلوك النظام الإيراني. يستند إلى نموذج “التقيّات الترامبيّة”، ويستعملها في مواجهة “التقيّات الإيرانية”. يقع ذلك ضمن سرديّات التبديل في الوسائل التكتيّة والمحافظة على الأهداف وتجزئتها. أُدخلت برامج جديدة في السياسة الخارجية، ضمن نسقيّة الاحتكام إلى التفاوض بلغة الاستعداد للتحارب، في سبيل الثبات على الأهداف، وانطلاقاً من مفهوم التكيّف والتغيّر.
مرحلة الوهن الإيرانيّ
حُشرت إيران في الوهن. إنّها الحال الأضعف منذ تجرّع الخميني سمّ الحرب العراقية. شهدت على تدهور حلفائها. ولم يجد خامنئي الأذرع عند الحاجة. تمنّع ترامب خلال المعركة الأخيرة عن ضبط قواعد الاشتباك، لكنّه رسم حدودها. وجاء إعلانه وقف الحرب بالأسلوب الترامبيّ ضمن هذا السياق. تعكس هذه الخطوات الهدف الجوهري الأميركي لأمركة النظام الإيراني، من دون إسقاطه، أقله إلى الآن.
يعتبر ترامب أنّ هذا الوقت هو المناسب لاستئناف التفاوض لبلوغ اتّفاق وتفكيك كامل البرنامج النووي. يؤسّس لبعدين مع تدمير القوّة الصلبة الإيرانية وإضعاف قوّتها الناعمة وحصرها ضمن الداخل الإيراني.
هدفت الإدارة الأميركية سابقاً وبعد سقوط بغداد إلى إقامة دويلة شيعية موالية لأميركا، ضمن الجغرافيا العربية العراقية، ملاصقة للحدود الغربية مع الأهواز العربية في إيران. خطّطت عبر هذه الهندسة لقصقصة سجّادة الفكر الثوري الإيراني، ونزع قبلة ولاية الفقيه، فتمّ رفضهما بسبب ظروف عديدة. كان لاستغلال إيران القوّة الناعمة في مصلحتها، أربعة مبادئ:
– اعتبار رفض البرنامج النووي مؤامرة لإبقاء إيران في حالة فقر وتخلّف.
– الإصلاحيّون لا يمثّلون الشعب الإيراني.
– أفول أميركا الدائم، وتوسّع إيران.
– سيادة إيران من استدامة البرنامج النوويّ.
يعكف ترامب في إدارته الحالية على استعمال الوسائل المتنوّعة من أجل إحداث التغيير المطلوب في سلوك النظام الإيراني
ساهم الاستغلال الخاطئ لهذه المبادئ في إفشال القوّة الناعمة الأميركية بوجه إيران. بعد احتلال العراق، أدى الانقلاب إلى ظهور قوى سياسية مؤيدة لطهران. حدث تخبّط تامّ في التوازنات. طوّرت طهران في هذا الوقت قدرتها البالستية. وأضحى مفتاح قرار أيّ حرب إقليمية في يدها. وهكذا صار مصير كلّ الأراضي العربية، من غزّة إلى الضفّة واليمن وسوريا والعراق ولبنان في قبضتها.
إقرأ أيضاً: نظام الملالي في عيون أوروبيّة
تغيّر المزاج العربي المعتدل. فعكست أميركا اللعبة. وقرّرت اتّباع الصلابة مع النظام الإيراني. وعملت على نقل المعركة إلى الداخل الإيراني. استشعر الملالي الخوف على حكم عباءتهم. فهل نشهد على تلاقي القوّتين الناعمتين الإيرانية والأميركية في المستقبل القريب؟ وهل تتعامل القوّة الناعمة الإيرانية براغماتيّاً مع السياسة الأميركية لحماية الدولة والنظام؟ وهل تعود إيران إلى مفاوضات السبت؟ ولأيّ تقيّة ستكون الغلبة؟
لمتابعة الكاتب على X:

