يمكن القول إنّ “العدائية الإيرانية” المتمثّلة في سياسة “تصدير الثورة” تحت مظلّة ولاية الفقيه، قد ساهمت بشكل كبير في توفير المبرّرات لعدائيّة إسرائيل، وفي تغاضي بعض أنظمة المنطقة عنها، بل ودفعها نحو التقارب مع إسرائيل.
إذ تقوم نظريّة ولاية الفقيه على فكرة حكم الفقيه الشامل، وتسعى إلى تطبيق مبادئ الثورة الإسلامية خارج حدود إيران. هذا المفهوم، خاصّة بعدما غلّفه الخميني بموادّ دستورية تنصّ على “تصدير الثورة الإسلامية وإقامة الحكومة الإسلامية العالمية”، أثار قلقاً كبيراً لدى الدول الإقليمية التي رأت في ذلك تهديداً مباشراً لاستقرارها وشرعيّتها.
تجلّى “تصدير الثورة” في دعم إيران للجماعات الشيعية والوكلاء المسلّحين في لبنان والعراق وسوريا واليمن. أدّى هذا التدخّل إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي ونشر الفوضى وتفاقم الصراعات الطائفية، خالقاً شعوراً لدى بعض الدول العربية بأنّ إيران تشكّل تهديداً أكبر من إسرائيل.
هنا، قدّمت إسرائيل نفسها على أنّها الحصن المنيع ضدّ التمدّد الإيراني في المنطقة. ركّز خطابها بشكل كبير على “التهديد الوجوديّ” الذي تمثّله إيران، سواء من خلال برنامجها النووي أو شبكة وكلائها. ربّما وجد هذا الخطاب آذاناً صاغية لدى الدول التي شعرت بتهديد مباشر من إيران. وهكذا استخدمت إسرائيل التهديد الإيراني ذريعةً لشنّ عمليّات عسكريّة في سوريا ضدّ الوجود الإيراني ومحاولات نقل الأسلحة إلى “الحزب”، وفي لبنان لمواجهة “الحزب”، وحتّى في العراق. يتمّ تبرير هذه العمليّات بأنّها “دفاع عن النفس” ضدّ “محور المقاومة” الذي تقوده إيران.
ما هو جليّ أنّ “الخوف من إيران الوليّ الفقيه” ساعد إسرائيل على تهميش القضيّة الفلسطينية وجعلها تبدو قضيّة ثانوية أمام “الخطر الإيراني الأكبر”. وهذا سمح لإسرائيل بمواصلة سياسات الاستيطان والاحتلال من دون ضغط دوليّ كبير، بعدما أصبحت بعض الدول العربية تركّز على مواجهة إيران بدلاً من التركيز على الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.
تقوم نظريّة ولاية الفقيه على فكرة حكم الفقيه الشامل، وتسعى إلى تطبيق مبادئ الثورة الإسلامية خارج حدود إيران
إلى التّطبيع خوفاً من التّمدّد الإيرانيّ
كانت المخاوف من التمدّد الإيراني عاملاً رئيسياً في دفع بعض الدول العربية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. رأت هذه الدول في إسرائيل شريكاً محتملاً في مواجهة التهديد الإيراني، وبات يُنظر إلى العلاقة مع إسرائيل من منظور “الأمن الإقليمي” وليس فقط من منظور الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
إثر هذه التطوّرات، أصبحت بعض الأنظمة العربية تنظر إلى إيران على أنّها التهديد الأكثر إلحاحاً لأمنها القومي بدلاً من اعتبار إسرائيل العدوّ الأوّل. أضعف هذا التغيير في الأولويّات الضغط العربي الموحّد على إسرائيل بخصوص القضيّة الفلسطينية. وأدّى هذا التهديد المشترك إلى تحالفات موضوعيّة، غير رسمية، بين إسرائيل وبعض الدول العربية، تهدف إلى تبادل المعلومات الاستخبارية وتنسيق الجهود لمواجهة النفوذ الإيراني.
بالخلاصة، بينما تُعدّ إسرائيل دولة احتلال ولديها سياسات عدائية تجاه الفلسطينيّين بطبيعتها، فإنّ السياسات الإيرانية القائمة على ولاية الفقيه وتصدير الثورة قد وفّرت لها مبرّراً إضافيّاً لعدوانيّتها. إنّ سعي إيران إلى بسط نفوذها وتأسيس “محور مقاومة” مسلّح في المنطقة أدّى إلى توتّرات إقليمية حادّة ودفع بعض الدول العربية إلى إعادة تقويم علاقاتها مع إسرائيل، والنظر إليها شريكاً محتملاً في مواجهة عدوّ مشترك، فضعُف الموقف العربي الموحّد تجاه القضيّة الفلسطينية وسمح لإسرائيل بالمضيّ قدماً في سياساتها بشكل أسهل.
تؤدّي كلّ جولة صراع مع إسرائيل إلى دمار هائل في البنية التحتية وخسائر بشرية فادحة ونزوح داخلي تفاقِم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان بالفعل
لبنان بين الخطرين
بالنسبة للبنان، وعلى الرغم من تجاهل بعض اللبنانيّين هذه الوقائع بحكم العداوة المفهومة مع “الحزب”، يشكّل الوجود الإسرائيلي، سواء كدولة مجاورة أو كقوّة احتلال سابق وتهديد دائم، عاملاً محوريّاً ومؤثّراً بعمق على الوضع اللبناني بكلّ جوانبه، وله علاقة مباشرة وغير مباشرة بقضيّة اللجوء الفلسطيني.
شهد لبنان، بغضّ النظر عن المسبّبات التي أدّت إلى تلك الحروب، اجتياحات وحروباً عديدة (1978، 1982، 1996، 2006، والحرب الأخيرة والمستمرّة منذ تشرين الأوّل 2023). وهذا يفرض عبئاً أمنيّاً وعسكريّاً دائماً على الدولة اللبنانية. وعلى الرغم من الموقف الشخصي والوطني الرافض لوجود أيّ سلاح تحت أيّ مسمّى خارج سلطة الدولة، لكن علينا بشكل موضوعي الفهم بأنّ الوجود الإسرائيلي أدّى إلى نشأة وتطوّر قوى مقاومة مسلّحة كان أبرزها “الحزب”، لعبت دوراً عسكريّاً وسياسيّاً كبيراً في لبنان، وهو ما يعقّد المشهد السياسي الداخلي ويثير انقسامات حول دور الدولة في امتلاك السلاح.
ساحة للصّراعات الإقليميّة والدّوليّة
تؤدّي كلّ جولة صراع مع إسرائيل إلى دمار هائل في البنية التحتية وخسائر بشرية فادحة ونزوح داخلي تفاقِم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان بالفعل. وهذا الصراع مع إسرائيل جعل لبنان ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.
إنّ دعم أطراف خارجية لجماعات لبنانية معيّنة، سواء تحت شعار المقاومة أو لأطراف سياسية أخرى، يزيد من الاستقطاب الداخلي ويضعف سلطة الدولة المركزية. يساهم استمرار التهديد الإسرائيلي وتداعياته، مثل وجود سلاح غير تابع للدولة، في إضعاف مؤسّسات الدولة، ويعيق بناء جيش وطني قويّ وموحّد، ويحدّ من قدرة الحكومة على بسط سيادتها الكاملة على جميع أراضيها.
كانت المخاوف من التمدّد الإيراني عاملاً رئيسياً في دفع بعض الدول العربية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل
على الرغم من التغيير الكبير الحاصل بعد نتائج الأحداث الأخيرة، ينقسم اللبنانيون بشكل حادّ حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل ودور المقاومة. يعمّق هذا الانقسام الشرخ الطائفي والسياسي ويجعل التوصّل إلى حلول توافقية للأزمات الداخلية أكثر صعوبة.
إقرأ أيضاً: “هجوم حماس”: فرصة لنتنياهو لتهجير الفلسطينيّين (2/5)
أدّى هذا الواقع إلى حالة من عدم الاستقرار الدائمة والحروب المتكرّرة التي جعلت لبنان وجهة غير جاذبة للاستثمار والسياحة، وهما قطاعان حيويّان لاقتصاد البلاد. ويضطرّ لبنان إلى تخصيص جزء كبير من ميزانيّته للدفاع والأمن، بدلاً من توجيهها نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
غداً الحلقة الرابعة: أين لبنان من حلّ قضيّة اللّاجئين الفلسطينيّين؟
لمتابعة الكاتب على X:
