“هجوم حماس”: فرصة لنتنياهو لتهجير الفلسطينيّين (2/5)

مدة القراءة 6 د

شكّل هجوم “حماس” في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل ذريعة لبنيامين نتنياهو لتحقيق جزء من مخطّط التهجير وتغيير الواقع الديمغرافي في غزّة والضفّة الغربية.

 

قدّم نتنياهو وحكومته العمليّة العسكرية في غزّة على أنّها حرب وجوديّة ضروريّة للقضاء على “حماس” وضمان أمن إسرائيل. تحت هذا الشعار، تمّ تنفيذ عمليّات عسكرية واسعة النطاق أدّت إلى دمار غير مسبوق في غزّة ونزوح شبه كامل للسكّان.

بناء على ذلك، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لسكّان شمال غزّة وأن يتوجّهوا جنوباً، ثمّ استمرّت في دفعهم جنوباً إلى مناطق مثل رفح، فنزح أكثر من 85% من سكّان القطاع. على الرغم من وصف هذا النزوح بأنّه “مؤقّت” لأسباب أمنيّة، هناك مخاوف واسعة النطاق من أن يصبح دائماً، خاصّة مع تدمير البنية التحتية والمنازل في الشمال وصعوبة العودة إليها.

على هذا الأساس يهدف حجم الدمار الهائل وغياب أيّ خطّة واضحة لإعادة الإعمار أو إدارة القطاع بعد الحرب إلى جعل غزّة مكاناً غير صالح للسكن من أجل دفع السكّان لاختيار الهجرة “طواعية” إلى الخارج. بعد تشرين الأوّل، ارتفعت أصوات بقوّة داخل الحكومة الإسرائيلية وخارجها تشجّع بصراحة على الهجرة الطوعية لسكّان غزّة. على الرغم من تجنّب بعض الإسرائيليين المجاهرة بهذه التصريحات أمام المجتمع الدولي، تعكس حقيقة رغبات وتمنّيات معظم سكّان إسرائيل اليهود.

الضّفّة مستهدَفة أيضاً

لكنّ تبعات هجوم “حماس” لم تقتصر على غزّة، ففي ظلّ الانشغال الدوليّ بالحرب        كثّفت إسرائيل من عمليّاتها العسكرية في الضفّة الغربية، وزادت من التوسّع الاستيطاني، وشدّدت من القيود على حركة الفلسطينيّين. وهناك سعيٌ إلى خلق “مناطق عازلة” أو “ممرّات أمنيّة” داخل الضفّة، وهذا ما يقلّص المساحة المتاحة للفلسطينيّين ويزيد من الضغط عليهم للرحيل.

يرى نتنياهو وحلفاؤه أنّ إيران و”محور المقاومة”، مع أنّهم يشكّلون تهديداً لأمن إسرائيل، لكنّهم أيضاً فرصة غالية لتنفيذ مشاريعه المتعلّقة بفلسطين

صاحَب هجومَ 7 أكتوبر أيضاً تصاعدٌ في الخطاب التحريضي ضدّ المواطنين الفلسطينيّين في إسرائيل، أي عرب 1948، واتّهامهم بـ”الخيانة” أو “عدم الولاء”، وظهرت دعوات إلى تقييد حقوقهم أو حتّى تشجيع هجرتهم بشكل غير مباشر.

هنا أيضاً، على الرغم من أنّ حكومة نتنياهو تنفي رسميّاً أيّ نيّة للتهجير القسري، يرى الكثيرون أنّ الإجراءات والسياسات التي تتبعها على الأرض، بالإضافة إلى التصريحات العلنيّة للوزراء المتطرّفين، تشير إلى وجود نيّة لتحقيق تغييرات ديمغرافية واسعة النطاق.

باختصار، يمكن القول إنّ هجوم 7 أكتوبر وفّر لحكومة نتنياهو المتطرّفة غطاءً سياسيّاً وعسكريّاً لتسريع وتيرة تنفيذ بعض المخطّطات التي كانت موجودة بالفعل وتستهدف تغيير التركيبة الديمغرافية، بهدف تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي لمصلحة الأغلبيّة اليهودية في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

لتوسيع الحرب أهداف عدّة

تخلق الحروب الكبرى حالة من الفوضى العارمة والارتباك الدولي. في ظلّ هذه الظروف، قد يصبح تنفيذ مخطّطات التهجير الجماعي، التي تُعتبر جرائم حرب بموجب القانون الدولي، أسهل أو أقلّ عرضة للمساءلة الفوريّة، حيث تتشتّت الأنظار والجهود الدبلوماسية نحو احتواء الصراع الأوسع. وتؤدّي الحروب إلى دمار واسع النطاق، ونزوح جماعي، وكوارث إنسانية، وهو ما قد يخلق ظروفاً يُدفع فيها الفلسطينيون إلى مغادرة أراضيهم بحثاً عن الأمان أو الغذاء أو المأوى، وهو ما يمكن تقديمه لاحقاً على أنّه “هجرة طوعية” أو “نزوح اضطراريّ” وليس تهجيراً قسريّاً.

يرى نتنياهو وحلفاؤه أنّ إيران و”محور المقاومة”، مع أنّهم يشكّلون تهديداً لأمن إسرائيل، لكنّهم أيضاً فرصة غالية لتنفيذ مشاريعه المتعلّقة بفلسطين. وفي حالة حرب إقليمية واسعة، يمكن أن تتّخذ إسرائيل خطوات أكثر جرأة في غزّة والضفّة الغربية، مع تبريرها بأنّها جزء من حرب شاملة ضدّ “الإرهاب” أو “تهديدات إقليمية”.

يرفض نتنياهو أيّ دور للسلطة الفلسطينية في حكم غزّة بعد الحرب، ويرفض حلّ الدولتين. خطّته لـ”اليوم التالي” في غزّة تتضمّن سيطرة أمنيّة إسرائيلية كاملة وإدارة مدنيّة محلّيّة لا علاقة لها بـ”حماس” أو السلطة الفلسطينية.

يرفض نتنياهو أيّ دور للسلطة الفلسطينية في حكم غزّة بعد الحرب، ويرفض حلّ الدولتين

الحرب فرصة إضافيّة

من هنا، يمكن أن يمنح توسيعُ الحرب إسرائيلَ “وقتاً” إضافياً أو “فرصة” لتغيير الواقع الديمغرافي في غزة بشكل كبير، من خلال استمرار النزوح وتدمير البنية التحتية، وهو ما يجعل العودة مستحيلة عمليّاً لمعظم السكّان. إذا انخرطت المنطقة في حرب كبرى، فإنّ القوى الدولية، وخاصّة الولايات المتّحدة، ستكون منشغلة بمحاولة احتواء الصراع ومنع انتشاره، وربّما لن يكون لديها الوقت أو الرغبة أو القدرة للضغط على إسرائيل بشأن قضيّة تهجير الفلسطينيّين بالقوّة نفسها التي تمارسها حاليّاً.

أمّا الدوافع السياسية الداخلية لنتنياهو فهي تشكّل عاملاً إضافياً، وإن كان ثانويّاً. إذ يواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية هائلة، بما في ذلك اتّهامات بالفساد، ومطالبات بانتخابات مبكرة، وعدم ثقة وتراجع شعبيّته بعد هجوم 7 أكتوبر. لكنّ استمرار الحرب وتوسيعها يمكن أن يوحّد الرأي العامّ الإسرائيلي حوله كـ”قائد حرب” ويؤجّل أيّ مساءلة داخلية. وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى تحقيق أهداف مثل “تطهير” غزّة ديمغرافياً على أنّها “إنجازات” تخدم بقاءه السياسي.

إقرأ أيضاً: الخطر الدّيمغرافيّ على يهوديّة إسرائيل (1/5)

من هنا، رغبة نتنياهو في استمرار الحرب وتوسيعها هي محاولة لتحقيق عدّة أهداف متداخلة: أمنيّة (من منظوره)، وسياسيّة داخلية (للبقاء في السلطة)، واستراتيجيّة طويلة المدى (لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في المنطقة لمصلحة إسرائيل). قد يكون التهجير القسري للفلسطينيّين أحد الأهداف المحتملة التي قد تسعى إسرائيل إلى تحقيقها في ظلّ الفوضى التي قد تنتج عن حرب إقليمية كبرى.

 

غداً الحلقة الثالثة: العدائيّة الإيرانيّة في تسويغ وحشيّة إسرائيل.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@allouchmustafa1

مواضيع ذات صلة

في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع…

بعد إيران: تركيا وإسرائيل بين التّحدّي والتّوازن

لن يترك أيّ تحوّل جذريّ في موقع إيران، سواء أكان ضعفاً أو احتواءً، فراغاً محايداً في الشرق الأوسط، بل سيقود إلى إعادة توزيع الثقل الاستراتيجيّ…

إيران بين اللّاءات الإسرائيليّة ودبلوماسيّة واشنطن؟

في اللحظة التي أعلن فيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو “لاءاته الثلاث” الحاسمة بشأن أيّ اتّفاق محتمل مع إيران، بدا المشهد وكأنّه يعود إلى نقطة…

انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم…