برغم مرور أربع سنوات على رحيلها عن عالمنا، لا تزال نوال السعداوي تثير الجدل وتدقّ على الأبواب المغلقة حتى تناقش العقل الجمعي في الأفكار التي طرحتها. حصل هذا في مصر في الآونة الأخيرة عبر منصة “إكس” بعدما أطلق أحد المغرّدين تغريدةً نالت منها، ما اضطر دخول الملياردير ورجل الأعمال المصري نجيب سويروس على الخط منافحاً عنها.
“في مثل هذا اليوم قدّمت الكاتبة العظيمة نوال السعداوي أعظم إنجازاتها، ماتت”: تغريدة على “إكس” نشرها قبل يومين مؤمن المقدادي، ونالت إلى الآن أكثر من أربعة ملايين مشاهدة وآلاف التعليقات، تثبت أنّ الكُتاب لا تقاس حياتهم بالأيام التي عاشوها بيننا، وإنما بأفكارهم التي لا تموت.
لا شكّ أنّ التغريدة سابقة الذكر تنمّ عن كراهية لدى صاحبها، وتفصح عن كتابات السعداوي وأفكارها التي لا تزال محل جدل، والدليل أنّ تاريخ نشرها لا يتوافق مع تاريخ وفاة نوال السعداوي، التي فارقتنا في 21 آذار 2021. وعليه فهي تغريدة مفتعلة لا تُقرأ إلا في سياق ما تحدثه أفكارها في مجتمعاتنا.
سويروس على الخطّ
لا جديد في التغريدة ولا زيادة على ما قيل ويقال منذ أمسكت السعداوي بقلمها وغمسته في حبر من جرأة ونور، وراحت تضيء بأفكارها ظلمات وظلمات، علّ قارئاً يهتدي وأمّةً تستيقظ. لكن اللافت في التغريدة دخول سويروس على الخط. إذ أعاد نشر تغريدة مقدادي، وعلّق عليها قائلاً: “وأنت أعظم إنجازاتك هو هذا البوست الذي يفتقر إلى كل مبادئ اللباقة والذوق والأخلاق”.
دخول سويروس على الخط مدافعاً عن السعداوي، أمر لا يقلّ تنويراً عما قدّمته السعداوي من أفكار
دخول سويروس على الخط مدافعاً عن السعداوي، أمر لا يقلّ تنويراً عما قدّمته السعداوي من أفكار، وهو إلى ذلك دخول يبعث على الأمل والتفاؤل بمستقبل أقلّ ظلمةً وأشدّ نوراً. فرأس المال أو أصحاب رؤوس الأموال عادةً ما يلتزمون جانب السلطة أوالصمت ذوداً عن أنفسهم وثرواتهم، فلا يبتعدون عن السائد في المجتمعات من أفكار وعقائد وأديان، ولا يغرّدون خارج السرب أو ينأون عن المألوف والأعراف.
أبعد من ذلك، غالباً، أو دائماً لمزيد من الدقّة، ما يذودون عن السائد ويروّجون له حفاظاً على ما يمتلكون وطمعاً في زيادته. لكن سويروس هنا يفعل العكس تماماً. فهو ينافح عن جديد ويروّج لأفكار تنويرية ويدافع عن كاتبة رحلت عن عالمنا قبل سنوات مانحاً ما خلّفته وراءها من أفكار دفعةً معنويةً تضفي عليها مزيداً من الحياة والألق.
شمعة في ظلام
لطالما أثارت نوال السعداوي الجدل في بلادنا وخاضت معارك وحروباً سلاحها فيها أفكارها النيّرة، ولا تزال إلى أيامنا هذه، برغم رحيلها عنّا، تقاتل على أكثر من جبهة وتدير معارك وحروباً من عليائها. وُلدت السعداوي في 27 تشرين الأول 1931، في عائلة ريفية مصرية، ودرست الطب وتخصصت في الأمراض الصدرية. لكنها امتشقت قلمها وراحت تطرق بأفكارها النيّرة بوابات الأدب والفكر والنضال الاجتماعي.
لم تهادن ولم تدارِ، ولا تزلّفت أو تملّقت، ولا استكانت برغم مرضها ورحيلها عن عالمنا. خلّفت وراءها عشرات الكتب من أبرزها: “المرأة والجنس”، “سقوط الإمام”، “مذكرات طبيبة”، و”الوجه العاري للمرأة العربية”. لم تكن كتاباتها عابرةً، بل كانت في صميم “الأدب المقاتل” كما قالت ذات يوم. ولم يكن ما كتبته أدباً سطحياً أو أدباً عابراً يطرح إشكاليات من دون أن يخوض فيها، طلباً للشهرة، وإنما امتازت كتاباتها بالتحليل الاجتماعي والسياسي العميق الذي يسعى إلى خير المرأة العربية والإنسان العربي وخير مجتمعاتنا والإنسان والمرأة في كل مكان وزمان.
برغم مرور أربع سنوات على رحيلها عن عالمنا، لا تزال نوال السعداوي تثير الجدل وتدقّ على الأبواب المغلقة
في سبيل ذلك، تعرّضت للتهديد والاضطهاد والسجن، فتعرّضت للمحاكمة أكثر من مرة، وسال ضدّها حبر أسود كثير، وسُجنت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ولم تخرج منه إلا بعد اغتيال الأخير، أكثر جرأةً وأشدّ صلابةً، ما دفعها إلى مغادرة مصر لاحقاً تحت ضغط التهديدات، من دون أن تتوقف عن الكتابة ووضع إصبعها على جراحنا وإثارة الجدل.
معارك مصيرية مستمرة
أبرز معارك السعداوي كانت ضد ختان الإناث، الذي عدّته جريمةً ضد الجسد والكرامة الإنسانية، وضد الكبت والتخلّف مدافعةً عن الحريات الجنسية، وكانت الأكثر جرأةً من أقرانها إذ دافعت حتى آخر نفس عن حقوق المثليين والعلاقات خارج إطار الزواج، فالجسد بالنسبة لها ليس ملكاً للمجتمع ولا للدين ولا للعائلة، بل للفرد وحده. وهي في عالم النسويّات والفكر النسويّ علم خفّاق لا يزال يقض مضاجع الرجعيين حتى يومنا هذا، والدليل التغريدة سابقة الذكر والمشاهدات حققتها والتفاعلات معها.
تكريم دولي وجحود محليّ
خروج السعداوي من مصر نقلها من الإطار المحلي الضيق إلى أفق عالمي أكثر رحابةً وتقبّلاً. فحاضرت في جامعات مثل هارفارد وكولومبيا والسوربون، ونالت جوائز في أوروبا وأميركا، حتى صارت أيقونةً فكريةً عالميةً ورمزاً لتحرر المرأة والحريات الفردية والفكر النسويّ. حصلت على جائزة الشمال والجنوب من المجلس الأوروبي عام 2004، وجائزة إنانا الدولية من بلجيكا عام 2005، وجائزة ستيغ داغيرمان من السويد عام 2011.
إقرأ أيضاً: فخري كريّم “شخصيّة العام الإعلاميّة”… وكل الأعوام؟
برغم ذلك، ظلّت غريبةً في بلادنا، مضطهدةً وممنوعة كتبها، تتعرّض للملاحقة القضائية بين الفينة والفينة، وبين الفكرة والفكرة، بتهمة ازدراء الأديان ساعةً وإفساد المجتمعات والأفراد ساعةً أخرى.
برغم الشهرة التي حققتها وبرغم كفاحها طوال سنوات عمرها، طبيبةً وكاتبةً ومحاضرةً في أربع نواحي الأرض، ماتت السعداوي فقيرةً، وطلبت ابنتها علاجها على نفقة الدولة!
لمتابعة الكاتب على X:

