سوريا بعد رفع العقوبات: تطبيع أم تفاهمات أمنيّة؟

مدة القراءة 6 د

بداية الأسبوع وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً تنفيذيّاً ينهي العقوبات المفروضة على سوريا. كان التوقيع منتظراً منذ إعلان ترامب نفسه قراره من الرياض نزولاً عند طلب وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان. أعقب التوقيعَ بيانٌ صدر عن البيت الأبيض جاء فيه أنّ الإدارة الأميركيّة ستراقب التقدّم الذي سيحرزه النظام السوريّ في “الأولويّات الرئيسيّة”، وفي مقدَّمها “خطوات ملموسة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل”.

 

 

منذ أشهر يتردّد كلام عن التطبيع بين سوريا وإسرائيل. أصبح هذا الكلام أكثر وضوحاً منذ أسابيع. قال المبعوث الأميركيّ إلى سوريا ولبنان السفير توم بارّاك: “الشرع أوضح أنّه لا يكره إسرائيل وأنّه يريد السلام على هذه الحدود”. جاء بيان البيت الأبيض ليؤكّد المؤكّد. رفع العقوبات عن سوريا مشروط بتقدّم على خطّ “تطبيع العلاقات مع إسرائيل”، إضافة إلى “التصدّي للإرهابيين الأجانب، ومساعدة الولايات المتّحدة على منع عودة ظهور داعش، وتولّي مسؤوليّة مراكز احتجاز داعش في شمال شرق سوريا”.

منذ وصوله إلى دمشق وتسلّمه مقاليد الحكم تعامل الرئيس أحمد الشرع بواقعيّة مع الواقع الجيوسياسيّ في سوريا والمنطقة

من جهته كان موقع أكسيوس الأميركيّ أكثر واقعيّة على مستوى المُمكن في هذه المرحلة. فقد كشف في تقرير له نُشر يوم الإثنين 22 حزيران نقلاً عن “مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أنّ إدارة ترامب تُجري “مباحثات تمهيديّة” لإبرام اتّفاق أمنيّ محتمل بين سوريا وإسرائيل”. وأضاف التقرير أنّ الهدف من المحادثات تخفيف التوتّرات على الحدود وتحديث الترتيبات الأمنيّة. وتابع أنّ إسرائيل تضغط لضمان أن ينتهي أيّ حوار باتّفاق سلام شامل. لم يكشف تقرير موقع أكسيوس سرّاً. خلال زيارته لباريس ولقائه الرئيس ماكرون كشف الرئيس أحمد الشرع عن مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء لـ “تهدئة الأوضاع وعدم خروجها عن السيطرة”.

واقعيّة الشّرع

منذ وصوله إلى دمشق وتسلّمه مقاليد الحكم تعامل الرئيس أحمد الشرع بواقعيّة مع الواقع الجيوسياسيّ في سوريا والمنطقة. كان هدفه واضحاً، وهو الفوز بالاعتراف العربيّ والعالميّ بحكمه والحصول على الدعم لإعادة بناء الدولة والمجتمع في سوريا. على الرغم من تصنيفه هو وتنظيمه إرهابيَّين، استطاع خلال فترة وجيزة جدّاً قلب هذا التصنيف رأساً على عقب. تحوّل “أبو محمد الجولاني” خلال أشهر قليلة من مطلوب مع جائزة ماليّة لمن يعرف عنه شيئاً، إلى الرئيس أحمد الشرع الذي تُفتح أمامه أبواب قصر الإليزيه ويلتقيه الرئيس الأميركيّ في ضيافة وليّ العهد السعوديّ محمّد بن سلمان في الرياض. ليست المسألة بسيطة ولا وليدة تقاطعات إقليميّة ودوليّة بالصدفة. إنّما هي نتيجة سياسة حكيمة اعتمدها الشرع منذ دخوله قصر المهاجرين ونفذّها بنجاح وزير خارجيّته أسعد الشيباني.

من أبرز بنود هذه السياسة عدم الدخول في حروب عبثيّة والإصرار على التهدئة حتّى مع الأعداء. فلم يردّ عسكريّاً على تقدّم إسرائيل في الجنوب واستهدافها ما بقي من قوّة عسكريّة سوريّة ومحاولاتها اتّخاذ الدروز حصان طروادة للتدخّل في الشؤون السوريّة وتقسيمها. اكتفى بالموقف السياسيّ الرافض وطلب الضغط على إسرائيل لإيقاف اعتداءاتها.

ليست لأحمد الشرع الشرعيّة الشعبيّة من خلال انتخابات رئاسيّة ونيابيّة تخوّله توقيع سلام مع إسرائيل، ولو أنّ لديه الشرعيّة الثوريّة والتأييد الشعبيّ والدعم الدوليّ

أولويّات وتحوّلات

دفعت عدّة عوامل بالشرع إلى اعتماد هذه السياسة تجاه إسرائيل:

  • أولويّة إعادة بناء الدولة السوريّة وتحقيق المصالحة بين أبنائها والحصول على الدعم والمساعدات والقروض لإعادة بناء بلاده المهدّمة واقتصادها ونظامها الماليّ.
  • ضعف سوريا في المواجهة مقابل تفوّق إسرائيليّ غير مسبوق.
  • اتّجاه المنطقة العربيّة نحو السلام مع إسرائيل. وهو اتّجاه أسّس له مؤتمر مدريد في 1991، ووضعت له إطاراً المبادرة العربيّة التي أُعلنت من بيروت في 2002. ويتقدّم مساره على الرغم من اغتيال إسرائيل صانعَي السلام إسحق رابين وياسر عرفات، ورفضها مبدأ الأرض مقابل السلام وإقامة دولة فلسطينيّة.
  • انتهاء حقبة استعمال الميليشيات الفلسطينيّة واللبنانيّة كورقة ضغط ومن أجل الحرب بالواسطة.

 السّلام صعب ومعقّد

هل هذا يعني أنّ الشرع ذاهب نحو التطبيع مع إسرائيل؟ المسألة ليست بهذه البساطة لعدّة أسباب تاريخيّة وجغرافيّة وداخليّة:

  • سوريا دولة حدوديّة لإسرائيل. خاضت ثلاث حروب ضدّها (1948 و1967 و1973)، إضافة إلى مواجهة عسكريّة محدودة في منطقة البقاع وفي سمائها خلال الاجتياح الإسرائيليّ للبنان (1982). وخاضت عدّة حروب ضدّها بواسطة التنظيمات المسلّحة الفلسطينيّة واللبنانيّة منذ نهاية ستّينيّات القرن الماضي.
  • قضيّة الجولان الذي احتلّته إسرائيل في 1967 وضمّته إلى أراضيها بعد تصويت الكنيست في 1981 وإعلانها أكثر من مرّة عدم تخلّيها عن الهضبة التي تتمتّع بموقع استراتيجيّ مشرف على شمال إسرائيل والغنيّة بالمياه التي تغذّي بحيرة طبريّة. وقد أقامت فيها حوالي 30 مستوطنة يعيش فيها أكثر من 20 ألف مستوطن.
  • السوريّون بغالبيّتهم لا يؤيّدون توقيع سلام مع إسرائيل ما دامت أرضهم محتلّة والقضيّة الفلسطينيّة لم تُحلّ، ولو أنّ الشارع السنّيّ في سوريا أصبح منفتحاً على الفكرة بحسب مصدر سوريّ مطّلع. فبحسب استطلاع للرأي أجراه المركز السوريّ لدراسات الرأي العامّ “مدى”، هناك 46.35% من السوريّين لا يؤيّدون توقيع سلام مع إسرائيل مقابل 39.88% مؤيّدين له، و13.76% غير مهتمّين. أمّا نسبة المعارضين لتمثيل دبلوماسي بين البلدين فهي 60% مقابل تأييده بنسبة 17%.
  • ليست لأحمد الشرع الشرعيّة الشعبيّة من خلال انتخابات رئاسيّة ونيابيّة تخوّله توقيع سلام مع إسرائيل، ولو أنّ لديه الشرعيّة الثوريّة والتأييد الشعبيّ والدعم الدوليّ.

إقرأ أيضاً: التّحدّي الدّاخليّ أهمّ من السّلام السّوريّ – الإسرائيليّ

أمام هذا الواقع الجيوسياسيّ المعقّد سوريّاً وإقليميّاً، فإنّ أقصى ما يمكن أن تتطوّر إليه المفاوضات بين سوريا وإسرائيل في المرحلة المقبلة هو “ترتيبات أمنيّة” تستبدل اتّفاق فكّ الاشتباك الموقّع بين الطرفين في 1974. أمّا التطبيع فيبقى بانتظار السلام الشامل مع دول المنطقة، وفي مقدَّمها المملكة العربيّة السعوديّة الراعية الأولى للنظام السوري الجديد. وهذا مرهون بإقامة دولة فلسطينيّة كما اشترط وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Fadi_ahmar

مواضيع ذات صلة

إيران وأميركا: حربٌ مؤجّلة وأذرع بلا مخالب

تتبادل واشنطن وطهران التهديدات فيما تواصل الولايات المتّحدة تعزيز حضورها العسكريّ في المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة. فهناك من يعتبر أنّ هذا…

لبنان أبلغ إسرائيل: ضرباتكم تفيد “الحزب”

يغرق المسؤولون اللبنانيّون في حيرة حيال منهجيّة واشنطن لاستكمال تطبيق اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة. جوهر بنود الاتّفاق الـ13 يقوم على عنوانَين: سحب سلاح “الحزب” وقيام…

“فتح” ليست فصيلاً ولا نظاماً.. فما هي إذاً؟

أما زالت “فتح” حركة تقود المشروع الوطنيّ أم عنواناً يستند إلى تاريخه؟ هل أضعفتها السلطة أم أنقذتها؟ وأين تبدأ مسيرة الإنقاذ: من داخلها أم من…

النّيل على صفيح ساخن

دخل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مجدّداً على خطّ الخلاف المصريّ–الإثيوبيّ على سدّ النهضة، متعهّداً العمل على حلّه على الرغم من تعقيده، غير أنّ هذا التدخّل…